بغداد مدينة المنصور.. دار السلام وعاصمة الدنيا في زمانها

سلسلة حلقات يكتبها – عماد البليك

تعتبر بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية في العصر العباسي فبعد أن ظلت العاصمة مؤقتًا في دمشق فالكوفة فالأنبار، شيدت بغداد لتكون مستقر العباسيين، حيث ازدهرت لثلاثة قرون متصلة من الزمان لتكون نجمة زمانها في كل شيء تقريبًا.
وقد بناها الخليفة العباسي المنصور، وصرف عليها ببذخ كبير، لتصبح سيدة العواصم في الدنيا، إذ يقال بأن عددها سكانها وصل إلى مليون ومائتي ألف نسمة، وهو رقم كبير في ذلك الزمن.
حول اسم بغداد ومعناه هناك العديد من الروايات، إذ لا اتفاق حول مرجع واحد لهذا الاسم، فمن الآراء أن كلمة بغداد أخذت من الأصل البابلي “بعل جاد” أو “بعل داد” التي تعني إله الشمس، باللغة البابلية. وهناك إشارات إلى لوح يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد في عهد الملك حمورابي كتب فيه اسم بغداد “بجدادا”.
وثمة من ينسبها إلى أصل كلداني وفارسي إذ يشير الاسم إلى بستان بناه كسرى أنوشروان ملك الفرس يسمى “بغ دادي”، ويشير ياقوت الحموي في معجم البلدان إلى أن الاسم يعني بالفارسية “عطية الملك”.
تقع المدينة شمال موقع مدينة بابل الأثرية على ضفتي نهر دجلة، على بضع كيلومترات شمال غرب مدينة قطيسفون التاريخية أو المدائن، التي تعود إلى العصر الإغريقي وهم من بنوها ومن ثم آلت إلى الفرس، وقد استمرت كمركز للبلاد إلى أن حلت بغداد محلها في القرن الثامن الميلادي.
لعل أهميتها تنبع من موقعها حيث وفرة المياه وتناقص أخطار الفيضان، الأمر الذي ساهم في توسعها لاسيما مع ارتباط جزئيها عبر نهر دجلة بالجسور بين الضفتين حيث يسمى الجزء الغربي بـ “الكرخ” والشرقي بـ “الرصافة”.
وقد عرفت بغداد بالعديد من الأسماء الأخرى ومنها المدينة المدورة والزوراء ودار السلام نسبة إلى نهر دجلة الذي يطلق عليه “وادي السلام”، واستمر اسم السلام لفترة تيمنًا بالفردوس.
اختارها أبو جعفر المنصور عاصمة لأسباب أمنية وأخرى صحية وبيئية، ويبدو أن ذلك تمّ بعناية كبيرة وفق المرويات حول هذا الموضوع، وسميت بمدينة المنصور في البدء، وقد بنيت في الفترة بين عاميّ 762 و764م الموافق 145 و147 هجرية.
كان تخطيطها دائري الشكل لهذا قيل “المدينة المدورة”، وكان ذلك اتجاها جديدا في تخطيط المدن التي عرفت عادة بالاستطالة والأشكال المنتظمة، ومن ناحية تحصينية فقد كان لها سور وله أربعة أبواب سميت باسم البقاع أو المناطق التي تطل عليها، وهي باب خراسان والشام والكوفة والبصرة.
ومنذ ذلك الحين صارت ذات صيت ومجد وتطورت مع خلفاء بني العباس حيث بلغت ذروتها في عهد الخليفة العباسي الخامس هارون الرشيد الذي ارتبطت باسمه في الآداب والفنون كما في كتاب ألف ليلة وليلة، وتحولت لتصبح عاصمة العلم والأدب والترجمة والفنون وعمرها الناس من كل الجهات، بحيث أصبحت تستقبل كل الموهوبين والمبدعين، فأنشئت فيها دور الثقافة والمعرفة وعلى رأسها بيت الحكمة، وهذا جعلها نموذجًا لذروة الحضارة والمدنيات الإسلامية.
وقد بني فيها أكبر مستشفى (بيمارستان) في عصره تقريبًا بناه هارون الرشيد وسماه باسمه ضمّ أكبر وأشهر كوادر الطب في ذلك العصر، ما جعلها أيضا عاصمة للطب والاستشفاء يقصده الناس من كل مكان.
كما شهدت كذلك نهضة في كل قطاعات الحياة لاسيما في الصناعات كصك العملة والنسيج والصباغة، كما أنشئ أول مصنع للورق في بغداد، لرفد العلم، واشتهرت بالورق الراقي الذي عرف باسمها.
بالإضافة لذلك فقد اهتم الرشيد ببناء القصور الفخمة في بغداد، والمساجد الكبيرة، وفي عهده استعملت القناديل لأول مرة في الطرقات والمساجد بحيث اكتست المدينة بثوب غير مسبوق من البهاء، مع الاهتمام كذلك بالزراعة والبستنة وبناء القناطر والجسور وغيرها من معالم العمارة المميزة التي جعلت لها مشهدًا فريدًا.
بيد أن كل هذه المكانة الكبيرة انتهت مع هجوم المغول والتتار بقيادة هولاكو على بغداد في العاشر من فبراير عام 1258م ذلك الحدث الذي لا ينسى في التاريخ، الذي غابت فيه كنوز من المعارف والكتب التي أغرقت في نهر دجلة.
وساهمت الفتن الداخلية في السقوط المدوي للمدينة بعد حصار استمر لاثني عشر يومًا، حيث قتل الخليفة المستعصم وحاشيته واستبيحت بغداد لفترة من الزمن بواسطة حفيد جنكيز خان وجنوده.
يرى المؤرخون بأن هذا السقوط الكبير لبغداد شكل خسارة فادحة للحضارة والثقافة الإسلامية بغياب ما لا حصر له من الكتب والمؤلفات القيمة في مختلف ضروب المعرفة، حيث أضرمت النيران في بيت الحكمة الذي كان مستودعًا لهذه الكنوز الكبيرة حيث أكبر مكتبات العالم في زمانها.
لكن بغداد ظلت عبر التاريخ مدينة الثقافة والمتاحف والمكتبات والمسارح، وهي عامرة بالآثار الإسلامية المتعددة التي تصور حقبًا من التاريخ المتسلسل منذ ظهورها في عهد المنصور إلى الوقت المعاصر عبر كافة العصور.
ويستدعى التوقف مع تاريخ بغداد مراجعة بيت الحكمة الذي شكّل أكبر المراكز العلمية في العالم وقتذاك، حيث كسب شهرة شرقًا وغربًا، ولعب دورًا في نشر العلوم والترجمة والمعرفة عامة. وقد بدأ تشييد هذه الدار في عصر الرشيد حوالي 170هجرية الموافق 786م.
بيد أنها ازدهرت في عصر ابنه المأمون الذي كان شديد الرعاية والاهتمام بالعلوم والفلسفة الإغريقية بحيث نقل جلها إلى العربية من اللغة اليونانية في ذلك العصر، أيضا كان هناك اهتمام كبير بالهندسة والطب والفلك وحيث استقدم لبيت الحكمة العلماء من شتى المضارب من بلاد الروم والهند وفارس، وهناك من يرى أن بيت الحكمة كان بمثابة جامعة أو أكاديمية كبيرة.
في بداية القرن السادس عشر للميلاد تنازع على بغداد كل من الصفويين والعثمانيين، ثم صارت تحت حكم العثمانيين في عام 1535م إلى أن وقعت تحت الاحتلال البريطاني عام 1917م وأصبحت عاصمة المملكة العراقية عام 1921 وعاصمة الجمهورية عام 1958م لتظل تحمل إلى اليوم عبق تاريخ عظيم يؤرخ للحضارة الإسلامية.