دمشق الوارفة.. عاصمة الأمويين وملتقى التجارة منذ القدم

سلسلة حلقات يكتبها – عماد البليك

نواصل اليوم مع مدينة دمشق العاصمة الثالثة في الإسلام، بعد المدينة المنورة والكوفة التي كان قد اتخذها الخليفة الرابع علي بن أبي طالب عاصمة له، ومن ثم كانت دمشق عاصمة الأمويين في حكمهم الذي استمر في الفترة من إلى 41 هـ إلى 132 هجرية، الموافق 662 إلى 750 ميلادية.
بعد سقوط النظام الأموي وانتقال العاصمة إلى بغداد ظلت لدمشق قيمتها كعاصمة إقليمية تداول عليها العباسيون والفاطميون والسلاجقة إلى عهد صلاح الدين الأيوبي الذي انطلق منها لتوحيد بلدان المشرق، أيضا المغول والمماليك والعثمانيون، إلى فترة الاحتلال الفرنسي في العصور الحديثة إلى أن كان الاستقلال في عام 1946م.
تعني دمشق الأرض المسقية، وقد سميت بذلك نسبة لأنها سهل خصيب يرويه نهر بردي الذي ارتبط بها، وتقول بعض الروايات بأنها سميت نسبة إلى القائد اليوناني دماس الذي أسس المدينة، وثمة من يرى أن هذا الاسم أصله أشوري ويعني “الأرض الزاهرة”، وهي تسمى أيضا الشام وهنا يقال بأن هذا الاسم في الأساس جاء من سام ابن نوح وتم تحريف الاسم لينطق شام.
وكالعادة كما رأينا في مدن سابقة، فإن أي مدينة تاريخية يكون لها العديد من الاسم المتناقلة عنها، وهنا فدمشق لها أسماء كثيرة منها ذات العماد ونورام وديمترياس وجلق وكدينة الياسمين وغيرها.
من ناحية الجغرافيا والطبوغرافيا فإن دمشق مدينة داخلية تتكون من سهل خصيب “بردى” وفروعه العديدة حيث تشكل ما يعرف بغوطة دمشق، ويبرز فيها جبل قاسيون الذي يشكل أعلى نقطة في المدينة وهو معلم مهم بالمكان عبر تاريخه، وترتفع هضبة دمشق عن سطح البحر بحوالي 690 مترا.
من الصعب تحديد تاريخ بداية هذه المدينة غارقة القدم في التاريخ التي يرى باحثون أنها تعود إلى تسعة آلاف سنة قبل الميلاد وفق الحفريات التي تم العثور عليها، لكن الأقرب أن نشأتها منذ 6300 ق.م أي ما بين الألف السادس والخامس قبل الميلاد.
وعبر قرون ممتدة قبل أن تصبح عاصمة للدولة الإسلامية، كانت قد استوطنت وحكمت بواسطة الآموريين والكنعانيين والآشوريين والآراميين والبابليين والفرس والسلوقيين والبطالمة والأنباط، إلى العصر الروماني حيث حكمتها الإمبراطورية الرومانية التي تركت عليها أثرا لا يزال قائما إلى اليوم، من ثم كانت فترة الأنباط والبيزنطيين إلى أن صارت عاصمة بني أمية.
في البدء كان قد فتحها خالد بن الوليد في سبتمبر من عام 635م بعد حصار استمر لمدة ستة أشهر، وفي عام 636م كان أن وقعت معركة اليرموك الشهيرة والحاسمة في معارك المسلمين في الشام حيث انتقل بعدها ولاة المسلمين للسكن في دمشق وأصبحت هي العاصمة بدلا من أنطاكية سابقا. وقد عين معاوية بن أبي سفيان واليا عليها الذي استقل بحكمها لاحقا لتكون نواة عاصمة الأمويين، وقد حكمها معاوية أربعين عاما، منها عشرين كوال وعشرين في الحقبة الأموية.
ومن أعظم ما كتب عن دمشق وأرخ لها ما سطره ابن عساكر في كتابه الضخم “تاريخ مدينة دمشق” الذي يقع في ثمانين مجلدا، الذي يعتبر من المؤلفات الكبيرة وغير المسبوقة في تاريخ الإسلام. وهو يدل على ما لهذه المدينة من قيمة كبيرة سواء في التاريخ عامة وتحديدا في فترة الحكم الأموي. والكتاب مصنف كنسق كتاب “تاريخ بغداد” للخطيب البغدادي، وقد قيل عنه “إنه يقصر العمر عن أن يجمع الإنسان فيه مثل هذا الكتاب”.
وقد تميزت دمشق بكونها ملتقى قوافل تجارية منذ القدم، حيث كان التجار يقصدونها للتبضع وقد شكلت محطة للقادمين من فارس وجزيرة العرب وتركيا ومصر وغيرها. هذا الجانب أعطاها وضعا انعكس على بناء مكانة ثقافية ومعرفية لها من خلال هذا الحراك المستمر وعبر عصور عديدة أقام بها علماء وأدباء وكتبوا عنها، كما كانت مدفنا لشخصيات بارزة مثل صلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس وابن عربي.
بالنسبة للمعالم الأثرية والتاريخية فيها لعل من أهمها الجامع الأموي، وقد اشتهرت كذلك بالأسواق الشعبية والصناعات اليدوية ويصل عدد الأسواق التقليدية بها إلى 50 سوقا، أيضا يمكن الإِشارة لقصر العظم الأثري الذي يعد من القصور الجميلة، أيضا قلعة دمشق وسور دمشق وأبوابها وغيرها من المعالم، وهناك الكنائس التي تعود إلى عصور قديمة ومنها الكنيسة المريمية وكنيسة الزيتون. ويقدر عدد مساجدها العتيقة بمائتي مسجد وبها 36 كنيسة وعشر كنس يهودية.
أما الجامع الأموي الذي يوصف بأنه رابع مسجد في الإسلام من حيث الأهمية بعد حرمي مكة والمدينة والمسجد الأقصى، فهو قد بني بأمر من الوليد بن عبد الملك وبدأ تشييده عام 705م، وهو من أعظم وأفخم البنايات في المدنيات الإسلامية، وقد شارك فيه أقوام من جنسيات عديدة منهم فرس وهنود وفنانين من بيزنطة، ما جعله ينال المدح من الرحالة والأدباء والمؤرخين، لاسيما سقفه وأرضيات الرخام وجدره الفسيفسائية التي طمس أغلبها إلى أن رمم عام 1928م مجددا، وقد تعرض عبر تاريخه للحريق ثلاث مرات، وأيضا يمكن الإِشارة إلى مئذنته المميزة الشمالية ضمن ثلاث مآذن، التي كانت بمثابة منارة لدمشق. وجزء من بناء الجامع كان مرتبط بكنيسة قائمة هي كنيسة القديس يوحنا المعمدان، التي احتفظت كذلك ببعض آثارها.
بالإضافة لبناء الجامع الأموي، فقد ساعد جمال دمشق الطبيعي في الفترة الأموية على ازدهارها والإقبال عليها ومن ثم تضامن مع ذلك العامل الاقتصادي فصارت من المدن التي تستقطب الناس من كل حدب وصوب، بالحدائق والبساتين والنواعير والأسواق والساحات.
ومما يدل على جمال مدينة دمشق وروعة طقسها ما قاله عنها ياقوت الحموي إذ كتب: “ما وُصفت الجنّة بشيء، إلا وفي دمشق مثله”، وقال عنها ابن حوقل: “هي أجمل مدينة من مدن الشام تقع في أرض مستوية”.
وفي العصر الحديث تغنى بها أمير الشعراء أحمد شوقي ووصف نهر بردي إذ كتب:
سلام من صبا بردى أرق
ودمع لا يكفكف يا دمشق
كما كتب عنها نزار قباني ومعروف الرصافي وغيرهما قديما وحديثا.