ليالي رمضان

يسرية آل جميل

كُنا صغاراً
أعمارنا تتفاوت بين الخامسة والسادسة
صبياناً وبنات
سنوياً كان والدي – رحمه الله –
يمنحنا فرصة قضاء شهر رمضان
في القاهرة الحبيبة
كُنت وقتها صغيرة جداً
لا أفقه كثيراً لتفاصيل شهر رمضان الدقيقة
ولا مراسم احتفالات العيد المُميزة
في أجواء أم الدُنيا
كانت جدتي – رحمها الله –
مازالت على قيد الحياة
كانت تستيقظ باكراً جداً
حتى في رمضان
على غير عادة الناس
كانت تجمعنا حولها
تصنع لنا أكواب الشاي بالحليب مع الـ”بقصمات”
الذي كانت له نكهة خاصة
تميزه عن غيره من أنواع الشاي
كانت تحكي لنا عن فانوس رمضان‪ ‬ونشأته‪ ‬وقصته
وكيف أن الفوانيس لها ارتباط كبير
بشهر رمضان الفضيل
لدرجة أنها كانت سنوياً
لا بُد أن تشتري لنا جميعاً فانوساً
لكل واحدٍ منا
تُسميِّه بأسمائنا..
كُنا عندما يأتي المساء
نُشعله
ونغني حوله
” رمضان جانا..وفرحنا به
غنَّوا معانا..أهلاً رمضان”
وكُنا نُغني من قلبنا النقي
أهلاً رمضان
وكُنا نصوم
بأعمارنا الصغيرة
” صيام الأطفال ”
الذي يمنحنا الحق في شُرب الحليب والماء
وإذا تجاوز الجوع حدَّه معنا
كنَّا نأكل ساندويتش الجبنة الرُومي اللذيذ
المُهم أننا كُنا نستشعر
أننا محرومون من وجبة الغداء ، والعشاء
وغرست بداخلنا فكرة الصيام
بطريقتها الجميلة
مع أطفالٍ صغار
كبروا اليوم
وما زالت هذه الذكريات
عالقةً في أذهانهم
فالتفاصيل الصغيرة لا تضيع من الذاكرة
بل تتشبث بها
وتسترجعها كلما أحاطت بها هموم الحياة
ما زلتُ أذكر أيضاً ليلة الثلاثين من رمضان
وكيف كُنا نصنع الكعك مع جدتي
و ننقش الرسوم الصغيرة فوقه
كُنت أميل كثيراً إلى رسمة ” القلب ”
حتى على كعك العيد ‪J‬
لا أدري ما السر في ذلك ..!؟
وكُنا نصُّفُ الكعك في صينية كبيرة
يذهبون بها إلى مخابز الحلويات
في تجمِّعِ عائلي كبير
بين أبناء المنطقة الواحدة
وكان كُل منزل يُوسم ” صوانيه ” بعلامة مُميزة
كي لا يختلط بغيره..
ذكريات جميلة محفورة بداخلي
تسابقت في مخيلتي في أثناء لحظة اختياري
لكتابة هذا المقال
فأنا لا أميل إلى الكتابات التقليدية
في الموضوعات العامة
طلبت من أصدقائي أن يطرحوا علي فكرة
لمقال هذا الخميس
كأوِّل خميس في أيام شهر رمضان الفضيل
ومع تقديري لكامل مقترحاتهم
إلا أني وجدتني أذهب في هذا الاتجاه
-جدتي
-و فانوس رمضان
-وكعك العيد..
” يوووه ”
نسيت أن أحدثكم عن ” المسحرَّاتي ”
عمِّ إبراهيم
الذي كان يومياً يمر من أسفل المنازل
ليوقظنا للسحُور
” اصحى يا نايم وحِّد الدايم ”
هكذا كان يُنادي
وكنا نعِّلمه أسماءنا جميعاً
فكان يُنادينا بها :
اصحي يا ..واصحي يا ..و اصحى يا ..
ونضحك ..
و فوازير رمضان
التي كُنت أحاول أن أقوم بحلِّها
يوماً بعد يوم
أذكر – إن لم تخُّني الذاكرة –
في عام من الأعوام
كانت فوازير الفنانة  “شريهان”
وكانت قصتها أنها تزور كل يوم بلد من البلدان
والمطلوب معرفة اسم البلد
من معالمها السياحية
التي كانت تُظهر في الحلقات..
كُنت أجلبُ ورقة و قلم
وأقوم بترقيمها من (1) إلى (30)
و أدوِّن الحلول ..
ها هو رمضان
يأتي كُل عام في موعده
لا يُخلف أبداً
يجيئني حيثُ أنا هُنا
مُثقلة بسنواتٍ وأشخاص و ذكرياتٍ
لم يعد لهم مكاناً بيننا..
كُل كبار السن في ذاكرتي
قد غادروا الحياة بلا عَودة
جدتي..عمي..والدي ..أخي ..و مؤخراً خالتي
والصغار منهم غادروني
هذا هاجر..وهذا تزَّوج..وهذا فضَّل الابتعاد
لا أعرف من بقي حولي..
الأمكنة
الفانوس
الحكاوى
أتصدقون أنَّه ما عاد يهُّمني من يرحل
فالكثير قد تضاءلوا أمامي
وأسقطتهم الدُنيا من عيني
فتركتُ لهم الباب مفتوحاً
من فضَّل أن يرحلْ..فليرحلْ
ومن أرادَ أن يبقى
فالعينُ والقلب مسكنه..
قلَّة ..لا يُحصونَ على الأصابع
هم الذين أحرصُّ على وجودهم في حياتي
وما خيَّبوا ظني بهم حتى الآن
إليهم أقول :
كُل رمضان وأنتم بخير
بلغَّكم الله أيامه أعواماً عديدة ومديدة..
وأعانكم على صيامه وقيامه وتمامه
آمين..

إليه حيثما غاااااب
•••••••
حبيبي بابا
سجادة صلاتك
قرآنك ..مسباحك
في مكانك الذي لا يخلو منك
علَّمتنا ختم القرآن كُل رمضان
مرة واثنين وثلاث
ونحنُ عاهدناك أن نسيرُ على ذلك
جعلنا الله في ميزان حسناتك
رحمك الله يا أغلى الرجال ..