الانتخابات الثالثة تفضح أزمة النظام السياسي الإسرائيلي

صلاح أبونار –

جاءت انتخابات الكنيست الأخيرة لكي تفضح أزمة النظام السياسي الإسرائيلي. فعلى مدى عام واحد شهدت إسرائيل ثلاثة انتخابات تشريعية متتالية، انتهت الأولى والثانية منها بالعجز عن تشكيل الحكومة، وها هو التكليف الأول لبني جانتس بتشكيل الحكومة بعد الانتخابات الثالثة ينتهي بالفشل، ليبدأ من بعده التكليف الثاني لنتانياهو الذي سيفشل بالضرورة، لينتهي الأمر بانتخابات رابعة.
وهكذا وجدت إسرائيل نفسها في مواجهة مفارقة تاريخية، ففي الوقت الذي تشهد فيه نمو الشرعية الإقليمية التي سعت من أجلها طويلا، واعتراف أمريكي غير مشروط بكل مطامعها في الأرض العربية المحتلة، تجد نفسها في مواجهة مكشوفة مع أزمة نظامها السياسي التي تمنعها من تكوين حكومتها بعد ثلاثة انتخابات متتالية.
تتعدد مظاهر أزمة النظام السياسي الإسرائيلي، وتغرينا العلاقة الموجودة بين مختلف مظاهرها وتجلياتها بردها إلى أصل واحد، هو تطور اليمين الإسرائيلي عبر شكليه السياسي والديني. وتحمل هذه النظرة قدرا كبيراً من الصحة، فأغلب تجليات الأزمة يمكن ربطها بنمو التيار اليميني. غير أنها تتجاهل أن نمو هذا التيار نفسه يشكل أحد تجليات التناقض الكامن في تكوين الدولة الإسرائيلية ذاتها، الذي شكل بدوره امتدادا للتناقض في المشروع الصهيوني نفسه.
استهدفت الصهيونية تحرر واستقلال اليهود في الغرب من الاضطهاد الاجتماعي والإقصاء السياسي، كمشروع بديل لما اعتبر فشلاً للمشروع التحرري السابق الذي ظهر في سياق حركة التنوير والثورة الفرنسية، عبر السعي لاندماج اليهود في مجتمعاتهم على قاعدة المواطنة والحقوق المتساوية. ولكن الأفق التحرري للصهيونية ولد محملا بنقيضه. فلقد ولد محملا بمفهوم ديني للوطن، يتحدث لغة الحقوق الدينية والشعب المختار والأرض الموعودة، وبالتالي يتناقض مع النشأة العلمانية للصهيونية. كما ولد في سياق التوسع الاستعماري الأوروبي ومتحالفا معه متخذا شكل الاستعمار الاستيطاني، وبالتالي يتناقض مع الهدف التحرري الأصلي الذي ولد من رحمه.
وكان من المستحيل للدولة الإسرائيلية أن تنجو من هذا التناقض، فلقد تأسست كدولة حديثة علمانية تقوم على المواطنة والسيادة السياسية وحق المواطنة المرتبط بالإقامة بالإقليم، ولكنها أيضا تأسست كإحياء للدولة اليهودية القديمة يرتكز على الحق الديني المقدس والأرض الموعودة وتميز في تطبيقها لحقوق وسياسات المواطنة على أساس الدين، وتمنح حق المواطنة لأي يهودي في العالم بينما تحرم الفلسطينيين من حق العودة لوطنهم.
كان اليمين الإسرائيلي دائما حاضرا بقوة في السياسات الإسرائيلية منذ انتخابات الكنيست الأول، وإذا نظرنا لتكوين الكنيست الأول 1949 -1951 سنجد داخله أحزاباً دينية على رأسها «الجبهة الدينية المتحدة» المكونة من أربعة أحزاب، التي تحالفت مع بن جوريون في تكوين حكومة إسرائيل الأولى مارس 1949 – أكتوبر 1950، وكان خلافها معه حول عدة موضوعات من ضمنها التعليم الديني سبب السقوط السريع للوزارة. لكن هذا اليمين سيظل بعيدا عن الصدارة السياسية، التي احتلتها أحزاب اليسار من الوزارة الأولى حتى الوزارة السابعة عشرة 1949 – 1978، وإن تمكن عدة مرات من أن يكون جزءا من التحالف الحاكم. وسيبدأ اليمين في احتلال الصدارة مع أول وزارة لليكود في 1977 ليتبادل السيطرة مع اليسار حتى 1995، ومن هذا العام سيطر تماما على الحكم عبر ثماني حكومات متتالية مرتكزا على تحالف يميني واسع.
خلال هذه الفترة التي تقارب ربع قرن انطلق التوغل اليمينى من المجال الحزبي إلى المؤسسات السياسية والاجتماعية، ليصبغ مساحة واسعة من المجتمع بطابعه. ولكن هذا التغلغل أضحى يواجه عدة مشاكل. فالأغلبية التي كان يحققها في الانتخابات أخذت في التناقص، من 67 مقعدا في انتخابات 2015 إلى 63 في انتخابات سبتمبر 2019 . والتحالف الذي كان يرتكز عليه لخوض الانتخابات وتشكيل الحكومات، فقد القدر الذي كان يتمتع به من تجانس ووحدة ونمت داخله التحزبات الضيقة والفئوية وازداد ثقل الزعامات الفردية فيه، الأمر الذي زاد من صعوبات وتكلفة تكوين التحالف المطلوب للحكم.
وأخيراً لم يتقدم القطب النقيض بخطى سياسية قوية، ووجد نفسه مضطرا في الانتخابات الأخيرة لتوظيف العباءة العسكرية عبر تحالف «أزرق وأبيض» من أجل بناء قدر من النفوذ الجماهيرى، ورغم مكاسب هذه الخطوة لم يستطع التقدم بخطى تمكنه من اكتساب المساحة التي ينحسر عنها المد اليميني. وهكذا انتهت انتخابات مارس وسبتمبر 2019 ومارس 2020 باستقطاب حاد، عجز الجانبان عن تخطيه لتصبح إسرائيل على أبواب انتخابات رابعة.
وتذكر الباحثة الإسرائيلية المرموقة داليا شيندلين أنه منذ نهاية انتخابات سبتمبر2019 أجرى 60 قياسا للرأي العام الإسرائيلية، أظهر 59 منها عجز تكتل اليمين وتكتل اليسار والوسط عن الحصول على أغلبية 61 مقعدا تمكنه من تشكيل حكومة، وتراوح عدد مقاعد كل كتلة بين 55 و58 مقعدا.
وسوف نجد البعد الثاني لازمة النظام الإسرائيلي فيما تدعوه داليا شيندلين تأكل القيم والمؤسسات الديموقرطية للنظام. ترى شيندلين أن هذا التآكل قد تصاعد خلال العقد الأخير، وأن نتائج مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية عامي 2003 و2017 ، تؤكد التراجع في مجالات الحقوق السياسية والحريات المدنية وحرية الصحافة والديمقراطية التشاركية والديمقراطية المساواتية.
يجري هذا التآكل عبر عدة آليات مخططة. توطيد مفهوم حكم الأغلبية على حساب حقوق الأقليات والاعتراف بهم، وأضعاف الكوابح والتوازنات المنظمة لعلاقات السلطة بالمجتمع المدني، والدعم المتصل للنزعة الدينية – العرقية على حساب النزعة الليبرالية الكونية، ونشر خطاب عام يفيد أن ما يجري من تدمير للمؤسسات والقيم هو نفسه حماية لها. وكان لبعض تلك الآليات السياسية تجلياتها القانونية. مثل قانون المقاطعة، وقانون لجنة تصريحات الإقامة في المستوطنات اليهودية، وقانون النكبة، وقانون شفافية منظمات المجتمع المدني، وقانون الدولة اليهودية الشهير.
وتضيف شيندلين أن هذا التحول في جوهرة يعبر عن السعي المخطط لضم الأراضي العربية المحتلة وإعادة تشكيل حدود إسرائيل، الذي يفرض معه إعادة تشكيل طبيعة وبنية الدولة في اتجاه تسييد المفهوم العرقي والديني عليها ومعه مفهوم ديمقراطية الأغلبية.
وسوف نجد البعد الثالث لازمة النظام الإسرائيلي في التراجع المتصاعد لثقة المواطنين في النظام السياسى. يمنحنا «مؤشر الديمقراطية » لعام 2019 الذي يعده «معهد الديمقراطية الإسرائيلي»، المؤشرات التالية الناتجة عن قياس للرأي العام في مايو 2019. أظهر 30% من يهود العينة ثقتهم في الحكومة مقابل 28% من العرب. ويظهر قياس الثقة في مؤسسات النظام الخاصة تمايز الآراء عبر ثلاث مجموعات. مجموعة أولى حصلت على نفس مستوى الثقة العامة المنخفض. وهكذا اقتصرت الثقة في الحكومة على 30% من اليهود و28% من العرب، وفي الكنيست على 30% من اليهود و24% من العرب، وفي الأحزاب السياسية على 14% من اليهود و20% من العرب. ومجموعة ثانية تقتصر على المحكمة العليا حصلت على مستوى ثقة متوسط . أظهر 55% من اليهود ثقته في المحكمة العليا مقابل 56% من العرب. ومجموعة ثالثة حصلت على درجات ثقة عالية من اليهود ومنخفضة من العرب. أظهر 90% من اليهود ثقتهم بالجيش مقابل 41% من العرب، وعبر 71% من اليهود عن ثقتهم بمنصب الرئاسة مقابل 37% من العرب، وأبدى 90% من اليهود ثقته في الشرطة مقابل 41% من العرب.
وسوف نجد البعد الرابع والأخير في توغل النزعة اليمينية داخل الشباب الإسرائيلي، وفقا لما تظهره قياسات الرأي العام التي أجراها معهد الديمقراطية الإسرائيلي. تنبع أهمية توجهات الشباب من قياسها لرؤى الفئات، التي تشكل القوى الاجتماعية والسياسية الديناميكية المرشحة لتصحيح وتجديد التوجهات العامة الراهنة، وأيضا القوى التي ستتولى مسئولية البلاد في المستقبل، وبالتالي تمنحنا مؤشرا على مدى قدرة النظام السياسي على التجديد والتطور. ينتمي 70% من شباب العينة فيما بين 18 -24 سنة وفقا لتعريفهم لأنفسهم إلى اليمين و27,35 % إلى يسار الوسط. ويظل التوجه اليميني في تصويتهم الانتخابي مسيطراً ولكن بنسبة أقل. قبيل الانتخابات الثالثة قال 65% من نفس الشريحة انهم سيصوتون لنتانياهو، ولكن 53,8% فقط صوتوا فعليا لليمين. وفي سياق توجه الشباب اليميني العام ترصد القياسات تناقضات حادة في مواقفهم من القضايا السياسية والاجتماعية. يؤيد 50% فقط من الشريحة المساواة بين الجنسين، بينما ترتفع نسبة التأييد إلى 63,4% في الشريحة 45 – 64 سنة، أي أنهم أكثر محافظة من آباءهم. وتنخفض نسبة تأييد الشريحة للنقل العام خلال أيام السبت إلى 56,7% فقط، بينما ترتفع نسبة المؤيدين إلى62,7% في الفئة 45 -64 سنة و72,1 % في الفئة أكبر من 65 سنة، أي أن الشباب أقل علمانية من آبائهم وأجدادهم. وأيد 29,6% حل الدولتين وعارضهم 59% منها، بينما أيده 62,5% من شريحة فوق 60 سنة وعارضه 29,5%. ومن منظور مقارن يعتبر الشباب الإسرائيلي من أكثر شباب العالم يمينية. في دراسة إسرائيلية مقارنة نشرت 2018 تناولت عينات من شباب 23 دولة، احتل الشباب الإسرائيلي المرتبة الأولى في مؤشر الاتجاه اليمينى والمرتبة الثانية في مؤشر التدين. وفي منظور تاريخي تزداد سيطرة النزعة اليمينية على الشباب الإسرائيلي.
وفقا لمسوح الرأي العام الدورية، التي تجريها مؤسسة فريدريش دورينمات للشباب الإسرائيلي، ارتفعت نسبة من عرفوا أنفسهم كيمين من 56% عام 2004 إلى 67% عام 2018.