المدينة المنورة.. دار الهجرة وأول عاصمة لدولة الإسلام

سلسلة حلقات يكتبها – عماد البليك

بعد أن تجولنا في رحاب مكة المكرمة ننتقل على بعد 400 كيلومتر منها في الاتجاه الشمال الشرقي لنحط الرحال في عاصمة المسلمين الأولى، التي شكلت مفهومًا جليًا لفكرة التمدن والتحضر والتعايش والتنوع وبناء المجتمع الجديد الذي أسس له نبي الإسلام.
وقد ارتبطت المدينة المنورة في ذاكرة المسلمين بكونها البلد الذي هاجر إليه النبي -عليه السلام- لتبدأ حقبة جديدة من تاريخ الإسلام، حيث كان للدعوة الإسلامية أن تجد الزخم والانتشار في فجاج الأرض بناء على تأسيس الدولة في مجتمع المدينة.
كانت المدينة المنورة، تعرف ما قبل الهجرة باسم «يثرب»، وقد ورد ذكر هذا الاسم في القران الكريم في سورة الأحزاب – آية 123 «وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فأرجعوا». غير أنه بهجرة النبي تغير اسمها إلى المدينة، حيث ضم أهلها المهاجرين واستقبلوهم خير استقبال، وأقام بها النبي إلى وفاته.
من حيث النشأة ربما يصعب معرفة البداية، لكن اسم يثرب يقال إنه يعود لحقبة العماليق من سكان الجزيرة الأوائل الذين تعرضنا بالذكر لهم في الحديث عن مكة المكرمة، وأنه يعود لواحد من زعماء أو رؤساء هؤلاء القوم، وهناك روايات أخرى تعيده إلى التثريب التي تعنى الفساد، وقد نهى النبي عن استخدامه وأبدله بطيبة، لكن بشكل عام فقد تعددت أسماؤها التي وصلت إلى أكثر من تسعين اسمًا، منها العذراء وذات النخيل ودار الهجرة وغيرها.
ويرد في بعض الكتابات التاريخية القديمة ما يشير إلى قدم هذا الموضع، حيث كان الإغريق يعرفونه وقد أشار إليه بطليموس باسم “لاثريب”.
وقد كانت موطنًا للعرب، واليهود كبني قريظة وبني النضير، ومن أشهر القبائل العربية الأوس والخزرج الذين وصلوها بعد أحداث انهيار سد مأرب عند منتصف القرن السادس الميلادي.
وقد تميزت المدينة بموارد داخلية من مياه الآبار الجوفية وحفتها البساتين، وكانت أيضًا تميزها الحصون والأبنية التي تعرف بالآطام، حيث يحتمي فيها السكان أيام الحروب بين القبيلتين العربيتين التي امتدت إلى أن جاء الإسلام.
ونسبة لأنها تمثل تقاطعًا لعدد من الأودية فقد نكبت بالأمطار الغزيرة في مرات عديدة، حيث حدث ذلك في عهد عثمان بن عفان وأيضًا في العصر العباسي أيام أبو جعفر المنصور، والعادة أن السيول تجري شتاء مع سقوط الأمطار فيها، وهذا جعلها بالإضافة لاعتدال الجو فيها، أرضًا زراعيةً، حيث يزرع فيها النخيل الذي يميزها ومنتجات أخرى من الفواكه والخضروات.
شكّل الإسلام تحولًا كبيرًا لأهل يثرب المتخاصمين، حيث وحّد بينهم، فتحولت البغضاء إلى ألفة وأصبح يلقبون بالأنصار، حيث ناصروا الدعوة الإسلامية واستقبلوا الرسول خير استقبال، وقد وصل النبي المدينة في الثامن من ربيع الأول الموافق 2 يوليو 622م.
وقد كان أول الأعمال التي أسس لها الرسول في المدينة المنورة أن أقام المسجد الذي كان يشكل مرتكزًا للدعوة والمكان الذي تدار منه الحكومة.
كان المسجد الأول في تاريخ الإسلام مسجد الرسول، بسيطًا، وقد بني في وسط المدينة بمجاورة الجانب الشرقي منها، وجاء شكله مستطيلًا بطول 70 ذراعًا وعرض 63 ذراعًا، وقد كانت المواد التي شيد بنها هي الحجارة والطين فيما قامت أعمدته على سيقان النخيل التي كانت متوفرة بالمدينة، مع سقف الجريد. ومن حول المسجد فقد قامت المباني الأخرى كبيت النبي ومنازل الصحابة والعديد من الدور الأخرى.
يشار إلى أن عمارة مسجد الرسول خضعت للتطوير في فترات متفاوتة منها في أيام عمر حيث خضع للتوسعة وكذلك في أيام عثمان، حيث استبدلت أعمدة النخيل بالحديد واستبدل السقف من الجريد إلى الخشب، وتم توسيع مساحة الصلاة وغيرها من الإضافات، كما أعيد البناء في أيام خلافة الوليد بن عبدالملك وتوسع ليصل إلى 200 ذراع.
واستمر أمر التوسعات والإضافات والتجديد في فترات مختلفة من التاريخ الإسلامي ليتطور المسجد من حيث العمارة، مع الإشارة إلى تعرضه لحريقين الأول في عهد المستعصم بالله عام 654هـ الموافق 1256م حيث أعيد بناؤه كاملًا، والثاني في عهد المماليك في 886 هجرية الموافق 1481م.
هكذا شكلت المدينة المنورة دارًا للهجرة وللإسلام في مرحلته الثانية ما بعد الدعوة الأولى في مكة المكرمة، واستمرت العاصمة إلى أن غادرها علي بن أبي طالب قبل موقعة الجمل، بعد أن كان قد تلقى البيعة في مسجدها، ومن ثم انتقل إلى الكوفة. لكن المدينة بقيت مركز إشعاع معرفي وديني لصحابة النبي والتابعين يقصدها العلماء والفقهاء وغيرهم من رجالات المعرفة الدينية. ومنها انطلق حملة العلم من الرواد إلى مدن الإسلام الأخرى مثل: الكوفة والبصرة ودمشق وغيرها.
ورغم أن النبي -عليه السلام- دخل مكة إلا أنه بقي بالمدينة محبًا لها واتخذها داره ومستقره إلى وفاته في السنة الحادية عشرة هجرية، الموافق 8 يونيو 632م.
إلى اليوم فإن مدينة الرسول العظيمة تتمتع بذلك الحب الكبير لدى المسلمين، إذ يزورها الحجاج بعد قضاء فترة الحج في مكة المكرمة، فهي تحمل ذكرى تلك البدايات وتأسيس دولة الإسلام وقيام صحيفة ودستور المدينة الأول الذي شكل لبنة للتعايش السلمي والأخوي بين العرب واليهود وسائر المعتقدات، وحمل الجميع إلى مغزى رسالة الإسلام القائمة على المساواة بين الناس والعدل والتعاون.