مكة المكرمة.. سيرة (البلد الأمين) من عهد إبراهيم إلى ظهور الإسلام

حلقات متسلسلة يكتبها – عماد البليك

بعد أن استعرضنا تقديمًا في اليوم الأول لهذه المادة عن مدن الحضارة الإسلامية والهدف منها، نبدأ اليوم في هذه الحلقة الثانية مع مكة المكرمة أو بكة (أم القرى) التي جمعت خصائص القرى والمدن، تلك القبلة التي تجمع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، حيث بيت الله الحرام، وأول بيت وضع للناس، كما جاء في قول الحق عز وجل في الكتاب الكريم.
حسب معتقد المسلمين، يعود تاريخ نشأة مكة إلى عهد النبي إبراهيم -عليه السلام- حيث وصل هذه المنطقة صعبة التضاريس في رحلة محفوفة بالمخاطر قادمًا من الشمال، وأنزل هناك زوجته هاجر وابنه إسماعيل، وبدأت في تلك المرحلة عملية رفع قواعد الكعبة الشريفة. وهناك من نسب بناء الكعبة إلى آدم ولكن لا يوجد سند كبير لذلك.
وقد تعددت أسماء مكة حتى قيل إنها وصلت الخمسين اسمًا كما اختلفت دلالات الاسم نفسه، وفي القرآن الكريم أشير لها بـ(البلد الأمين)، وثمة إِشارة إلى ما يفيد باسم مكة في الآية (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية).
والمكاء هو الصفير كما يرد في تفسير الطبري، في إشارة إلى ما كان يتم في الجاهلية من عادات العرب وهم يطوفون بالكعبة، وهو مأخوذ من طائر بهذه الصفة يسمى (المكّاء). ويشار إلى أنه في القرآن لم يرد اسم مكة إلا مرة واحدة. وهناك الكثير من التأويلات حول الاسم وتبقى الحقيقة أن مكة كانت من أهم الأماكن التي يلتقي فيها العرب في فترة ما قبل الإسلام فيما يجمع بين الأهداف الدينية والتجارية والثقافية.
يمكن القول: إن تفجر زمزم أو مورد الماء كان بداية لالتئام الحياة حول هذا الوادي القاحل الذي لم يعرف الزرع، الذي سوف ينمو تدريجيا مع الزمن، ليصبح مركزًا حضاريًا، وقد كان أول من سكنها من سكان الجزيرة العربية الأوائل قوم عرفوا بـ(العماليق) الذين يطلق عليهم (الجبابرة) وينسبون لذرية نوح من أحد حفدته (عمليق)، وهذا أشار له المسعودي، غير أن الأكثر وضوحًا أن قبيلة (جرهم) هي أول من سكن المكان، وأعقبهم قبيلة خزاعة في السيطرة على مكة ما بعد القرن الثالث الميلادي إلى ثلاثمائة سنة، الذين وفدوا بعد انهيار سد مأرب وأصبحت لهم شوكة بمرور الزمن.
لكن هذه البقعة ظلت بشكل عام بمثابة المكان الذي يستقبل الجميع بوصفها مقدسة ولها زخم خاص ربما يحتاج سبر أغواره إلى المزيد من الأبحاث، ثم يمضي بنا الزمان إلى أن نصل إلى قبيلة كنانة فقريش التي تفرعت عنها، التي كان سيدها (قصي بن كلاب) الجد الرابع للنبي -عليه السلام- الذي كان يعرف بسيد قريش.
وتبرز قريش في عهد قصي بن كلاب كقبيلة مهمة ذات صيت ومجد ومال، وهي التي نقلت مكة على الإطار السياسي والمنعة والقوة، لتصبح بها دار الندوة التي يجتمع فيها السادة وعلية القوم النافذون، وحيث أشرف القريشيون على الاهتمام بجوانب رعاية البيت الحرام، الذي كان يشكل عنصرًا مهمًا في مكة من حيث البعد المقدس وأيضًا الجانب الاقتصادي، وفي القرآن الكريم هناك إشارات لذلك في ما يعرف بـ”الإيلاف” وحيث مثلت مكة موضعًا للقاء بين الشمال والجنوب في رحلتي الشتاء والصيف ما بين الشام واليمن، وقد استن هذه الرحلات قصي بن كلاب.
لقد شكلت دار الندوة بمثابة مقر الحكومة أو قصر الحكم في مكة، حيث تدار منها عمليات رعاية الكعبة والسقاية وأيضًا تبرم معاهدات السلم والحرب بين القبائل، أيضًا كان لمكة أن تصبح قبلة الشعراء والخطباء، وغيرهم من رجال “اللاهوت” في زمانهم، وبعد وفاة قصي كاد أن ينفرط عقد قريش قبل أن توزع المهام بين أبنائه ومضى الأمر هكذا إلى ظهور الإسلام، ومن الإنجازات الكبيرة لقبائل قريش إنشاء ما يعرف بـ”حزب الفضول” الذي أقر بأن تكون مكة أرض السلام التي لا يظلم فيها من أحد.
وتاريخيًا لم تسلم مكة من المطامع، كما حدث من تعرضها لحملة أبرهة عام 570م وأدى فشل الحملة المدعومة من نجاشي الحبشة وإمبراطور بيزنطة إلى تعزيز مكانة مكة وسطوتها وإشعاعها المقدس وريادتها – وقد وردت إشارة لذلك في سورة الفيل – الأمر الذي انعكس أيضا على مكانة قريش بين القبائل العربية الأخرى في الجزيرة.
وقد عرف أهل مكة بالثراء، حيث كان فيها كبارات أُثرياء العرب كالوليد بن المغيرة، وساعد موقعها بين الأسواق المختلفة في الجزيرة العربية على أن تعزز دورها الاقتصادي بالإضافة للمكانة المقدسة.
مع مولد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- فإن هذا البلد سوف يصبح له شأن عظيم في التاريخ، يضاف لكونه تلك القبلة المباركة، لتعزز المكانة التي بدأت في عصر الجاهلية، حيث كانت الكعبة مليئة بالأوثان، ثم استبدل ذلك بعبادة الله الواحد الأحد مع الإسلام.
وقد شكل فتح مكة وعودة النبي إليها في العام الثامن من الهجرة الموافق 630م، حدثًا كبيرًا في التاريخ الإسلامي، أعلن عن مرحلة مهمة في مسيرة الرسالة المحمدية.
ويجب التنويه هنا بأن هناك من العرب من ظل على دين إبراهيم عليه السلام “الحنيفية” وهم أيضًا كانوا يحجون إلى مكة وبيتها الحرام.
في العصر الإسلامي برغم أن مكة لم تعد عاصمة الدولة، حيث كانت في المدينة المنورة، ومن ثم دمشق فبغداد، إلا أنها ظلت تحمل مكانتها الروحية العظيمة التي ما زالت قائمة إلى اليوم، معبقة بهذا التاريخ الثري الذي يتطلب المزيد لفهمه بطريقة أكثر نضوجًا وعمقًا.
وقد شهدت مكة تطويرًا عمرانيًا بلغ زخمه في العصر الحديث، إلا أنها في العصر العباسي وجدا اهتماما لاسيما منطقة الحرم، حيث رصفت بالرخام وزينت السقوف والجدران بالنقوش.
ومن الأحداث المهمة التي تعرضت لها هجوم القرامطة في 317 هجرية الموافق 929 ميلادية بقيادة أبو طاهر القرمطي.
أخيرًا، فإن مكة هي أرض النبي -عليه السلام- وحيث فيها يختزن ذلك التاريخ الروحاني الكبير، وحيث تحكى أكثر من حكاية ورواية عن ذلك الموضع الذي اتصلت فيه الأرض بالسماء.