لماذا يشعر الكثيرون منا أنهم غير مؤهلين لحياة الحظر؟

جيمس ميك


جيمس ميك
ترجمة: أحمد شافعي


ذهبت، قبل الحظر، لزيارة صديقة تعيش على بعد أميال قليلة جنوبي لندن. مضيت بدراجتي من نانهيد إلى بيتها في بلاكهيذ. وفي الطريق مررت بزحام كبير من أناس مرغمين على الانتظار من أجل دخول متجر أيسلند في نيوكروس. وصلت إلى بناية صديقتي، وصعدت الدرج إلى باب شقتها، فوضعت حقيبتي على السجادة الصغيرة قبالة الباب. فتحت لي وحيَّتني من مسافة بضع ياردات. أخذت البقالة التي طلبت مني إحضارها ـ وهي بعض السلمون وزجاجة زيت زيتون ـ وأبعدتها. ثرثرنا لنحو نصف ساعة، وأنا جالس على السلك في البهو خارج الشقة، وهي واقفة في الطرقة، دون أن يقترب أي منا من الآخر لأكثر من ياردتين. كان زوجها الذي أدى سعاله الهادئ قبل بضعة أيام إلى ذلك العزل الذاتي مجرد صوت من خارج الخشبة. كنت وصديقتي قد اعتدنا منذ زمن بعيد على تبادل القبلات دائما في الترحاب وفي الوداع، فنحن نعرف أحدنا الآخر منذ عشر سنين. إلا في هذه المرة. رجعت إلى نانهيد، لأصطف من أجل شراء مزيد من الطعام للأسرة ـ وكانت الصفوف تمتد خارج متاجر الجزار وبائع السمك والخضري ـ ثم رجعت إلى البيت فغسلت يديّ.
هي المهام الضرورية الصغيرة، هي التي تمضي بك في هذا الوضع الاستثنائي: التكاليف والمهمات وشؤون الطعام. هي التي تكسر الخوف وإحساس الغرابة في الحالة الطارئة الكبيرة، تحيلها إلى قضمات صغيرة يسيرة على المضغ، قضمات من وقت شخصي، فيتسنى لنا أن نرى ما علينا القيام به، ويتسنى لنا القيام به. ونحن كلما تحتمت علينا مواجهة ضخامة التغيرات المحيطة بنا، ومواجهة ضعفنا وقلة حيلتنا وعجزنا عن تغيير تيار الأحداث، رجح احتمال أن ننهار أو نصاب بالشلل. ولكن من المفارقات الرحيمة في مثل هذه الأزمات أنها تخلق الكثير من المهام والواجبات الجديدة، فإذا بالصعوبة (أو الإبداع في بعض الأحيان) اللازمة للتعامل مع كل خطوة تحتل ذلك الجزء من عقلنا الملهوف على معرفة ما الذي يجري ويفعل فيه شيئا.
واقع مريع وهائل، من قبيل تزايد قائمة الموتى بسبب مرض وبائي بلا علاج، وانهيار الاقتصاد العالمي، وانهيار الحميمية الطبيعية مع العائلة والأصدقاء، وحقيقة أنه لا أحد يعلم مطلقا وماذا بعد ـ ذلك الواقع كله يأتي في مرتبة تالية للمهام البسيطة المباشرة. كيف أستطيع اليوم أنا و”س” أن نسلي طفلنا ذا السنوات الأربع؟ هل لدينا حليب كاف؟ كيف أستطيع أنا وإخوتي أن نساعد أبوينا في سكتلندا، وقد تجاوز كلاهما الثمانين، ونحن لا نستطيع أن نذهب إلى هناك؟ هل أنا على بعد مترين من ذلك الشخص؟ ما مقدار السلمون اللائق وضعه في علبة طعام أذهب بها إلى صديق؟ هل أستطيع صعود التل بالدراجة إلى بلاكهيذ، أم أترجل وأمشي؟
عرفت في الماضي ما في المهام الشخصية العاجلة من قوة، وذلك حينما كنت أذهب لتغطية الحروب. كان أمرا مخيفا أن تمضي إلى مكان فيه حرب قائمة: لا تعرف كيف ستتمكن من القيام بوظيفتك في وضع مجهول، وإمكانية أن تؤسر، واحتمالية أن تتعرض للأذى (وإن تكن بعيدة للغاية). لكنني اكتشفت أنني كلما اقتربت من موضع الحرب، قلَّ الخوف في نفسي. وانكسر إلى سلسلة من المهام الشخصية الصغيرة الممكنة، الممكنة دائما بعون من طيبة الغرباء والنقود. التنقل، الحصول على الهوية المناسبة، الطعام، مكان النوم، العثور على أشخاص لإجراء حوارات معهم، محاولة عبور نقاط التفتيش بالكلام، التوصل إلى طريقة في عالم ما قبل المحمول وما قبل الإنترنت للتواصل مع الوطن: كانت رؤية تلك المشكلات والاضطرار إلى التغلب عليها تبسط مجموعة من الحجارة يمكن التنقل عليها عبر الفوضى.
والأمر لا يفلح كل مرة. لو أن الفوز في كل هذه المعارك الشخصية مستحيل ـ لأنك قضيت نوبة من أربع عشرة ساعة في المستشفى وما من طعام في السوق، ولأنك لم يعد لديك مال، أو لأنك أم عزباء معها طفل صغير وأصابك المرض فجأة، أو لأنك لم تلحق باتصال رقم طوارئ الصحة الجديد الذي انتظرته طوال اليوم، أو لأن النضالات التي قهرتها هي جميعا نضالات في وظيفتك ووظيفتك نفسها اختفت ـ فإن القلق على الصورة الكبيرة يسارع إلى التراجع وراء فضاء فارغ لأي مهمة لم يتم إنجازها.
أو لعلك تجد نفسك مدفوعا باحتياج إلى الشعور بانتصار شخصي في مشاريع أضخم. حدث في بداية سلسلة الحروب التي دمرت الشيشان في محاولاتها الانفصال عن روسيا أن صادفت جيشا من المتطوعين، المنتمين إلى كتيبة الطبقة العاملة من متوسطي العمر، ومن النساء الروسيات أو الأوكرانيات إثنيا، ممن كانوا يعملون في الأعمال البلدية اليدوية في أواخر العهد السوفييتي. كانوا يحاولون، بأيديهم العارية تقريبا، إعادة بناء محطة سكك حديدية في وسط العاصمة الشيشانية جروزني، مستعملين طوبا من المحطة القديمة التي أحالتها القذائف إلى ركام. أرجِّح أنهم كانوا يعلمون في سرائرهم أن عملهم هذا لن يدوم ـ وتبين لاحقا أن أسوأ القصف لمدينتهم كان لم يزل رهن المستقبل ـ ولكن ذلك هو ما جعل عملهم المبتهج الواعي عملا شديد التأثير: لقد بذلوا جهودا محمومة في لحظة الأزمة لتخفيف مخاوفهم تجاه المستقبل.
لا أريد أن أبدو واثقا من معرفتي كيفية تجاوز الظرف. فقد كان يوم ذهابي بالسلمون إلى بلاكهيذ هو أيضا يوم إدراكي أن خبرتي قليلة القيمة. لقد عشت في كييف السوفييتية عندما انهار الاتحاد السوفييتي، وأعرف بخبرتي المباشرة ما معنى نقص المؤن واستعار التضخم والسوق السوداء. قضيت سنتين في عالم لا وسيلة فيه للحصول على وقود لسيارتك إلا شراء الحصة الرسمية المخصصة لسائق سيارة أجرة. ويوما ما كان الباقي الذي حصلت عليه بعد شراء زجاجة شراب عبارة عن رزمة من الأوراق النقدية بحجم قالب طوب. اصطففت لشراء الخبز. اصطففت لنصف ساعة انتظارا لما بدا لي بلا أدنى شك أكثر الجبن المتبقي في السوق جفافا، ثم رأيت آخر كيلوجرام تشتريه المرأة التي تسبقني في الصف مباشرة. كذلك قضيت كثيرا من السنوات الست الماضية أكتب رواية تدور أحداثها في إنجلترا عند تفشي طاعون عام 1348.
وبرغم ذلك وجدت نفسي في بريطانيا 2020 أدرك أن مواطني بلدي الذين لم يعش أي منهم في بلد ينهار ولم يبد أحدهم يوما اهتماما بالسوق السوداء، أبرع مني تماما فيما يتعلق بالحصول على المؤن ـ بمعنى أن كل متجر إلكتروني في البلد استنفد مخزونه من الباراسيتامول والثلاجات الصغيرة والكاميرات الإلكترونية الرخيصة. تنبئني الخبرة والحس السليم أن الشراء بدافع الذعر خطأ. لكن لو أن خبرتي كانت خبرة مشارك في أزمة، لا خبرة شاهد عنده دائما خيار الرجوع إلى بلد طبيعي آمن، فلعلها كانت لتمنحني نصيبا بديلا من الحكمة: لا تكن آخر من يصاب بالذعر.
لو كان أحد سألني قبل أشهر قليلة لتكهنت بأن شعب بريطانيا غير مؤهل لأزمة صحية عالمية طارئة. وثمة الآن دليل على حقيقة مختلفة قليلا: هي أن عددا غير قليل من الناس لم تصبهم الدهشة إذ انهار كل شيء. حتى لو أنهم لم يعرفوا كيف سيحدث ذلك، فقد كانوا يتوقعونه، وليس رد الفعل هو الاطمئنان إلى منجزات الخطوات المباشرة العملية الصغيرة في الحياة اليومية، بل التصرف على أساس أن الحالتين الوحيدتين الممكنتين للمجتمع هما: الوضع الطبيعي أو القيامة. أنا الآن على يقين من أن أقلية ضخمة من المواطنين يلوذون بمقدرتهم الطبيعية على التحول في طرفة عين من شخصيات البرامج الإذاعية بسيطة الاهتمامات إلى أمثال بطل مسلسل “الطريق” [الذي تدور أحداثه بعد نهاية العالم]، والأكثر إزعاجا من تلك المقدرة هو المقدرة على العكس.
مراوغ هو الحد بين الطبيعي وغير الطبيعي، بين حالتي الأمن الاجتماعي والانهيار الاجتماعي. عادة يكون الوصول في منتصف حرب تخص غيرك، أو كارثة تحل بها حلول أجنبي، هو الوقوع في نوع من الصورة المرآوية للبلد “الطبيعي”، فتصيبك الصدمة من رؤية مجزرة أو انهيار بناء بعنف. أما في البلد الذي يشهد الحرب، أو يواجه خرابا اقتصاديا شاملا، فإن رؤية شاب حسن الملبس ذاهبا إلى العمل في مكتب، أو بناء بناية جديدة، مشهد صادم مثل انفجار. إن ما تفتقده كدخيل على الحدث هو لحظة التحول من حالة إلى أخرى، حيث يتحول بلد طبيعي يتعرض أحيانا لطوارئ إلى بلد مأزوم يتعرض أحيانا لنوبات سلام وسعادة.
حدث مرة في جروزني سنة 1941 أن شهدت هذا التحول كزائر. في اليوم الأول، كانت المدينة الواقعة تحت سيطرة الانفصاليين المحاصرة بالقوات الروسية لم تزل تدير وجهها إلى عالم الحضارة، بمعنى أنه حين كان الروس يقصفون منشأة نفطية كانت سلطات المدينة ترسل سيارة إطفاء، بلا جدوى، لتتعامل مع الحريق، وكأن بوسع الجهد المدني الجاد أن يحاصر الفوضى ويرغمها على الاختفاء. في اليوم التالي، هاجم الروس، وبغض النظر عن تفاصيل ما وقع بعد ذلك، فقد تغير مزاج المدينة. تلاشت شخصيتها المدنية. بدا لي وأنأ أسير قاطعا الميدان الرئيسي في الصباح أنه لم يزل حولي قليل من المدنيين يحاولون الذهاب إلى أعمالهم لكنني حينما رجعت بعد سويعات لم يكن المارة إلا جنودا. غاب سلام المدينة وروحها المدنية. ولم يكن من صوت كلما صمت إطلاق النار إلا صوت النار تأكل عروق الأسطح وحطام الزجاج تحت النعال.
أشعر خلال الأسبوعين الماضيين أنني عشت تحولا مماثلا كمواطن، لكن بدون الدمار المادي الواضح ـ هو نوع مختلف من الوضع غير الطبيعي. أنا لم أعش وباء من قبل، ومع ذلك أجد نفسي أسيرا لذكرى وباء مزيفة. عندما بدأت كتابة رواية تدور أحداثها في زمن الوباء، عاجزا ـ كما كنت أحسب ـ عن زيارة إنجلترا وهي موبوءة، تصورت أن بوسعي على الأقل أن أقطع على قدمي الرحلة التي قامت بها شخصياتي من كوتسولدس إلى وايماوث التي حلّ عليها الموت الأسود أول ما حل. قطعت الطريق في مثل الوقت الذي حل فيها الوباء من العام، أي في يوليو، وكان صيف عام 2013 حارا ومشمسا. تخيلت شخصياتي وهي لا تصدق أن الطاعون يمكن أن يتفشى في أرض خضراء جميلة عامرة بالزقزقات والمنحدرات والزهور. بين جميع ذكريات الحروب، هذه هي الذكرى ـ ذكرى الفكرة المتخيلة لوباء تفشى قبل ستة قرون ـ هي التي تخطر على عقلي في هذه الأيام ذات السماوات الزرقاء الخالية من الطائرات، حيث شجر التفاح والكرز والمانوليا مزدهٍ بالبراعم في لندن، ومصارف المطر مليئة بالبتلات الوردية: كيف يتأتى أن يعاني كل هذا الكم من البشر بينما يبدو العالم جميلا ومسالما إلى هذه الدرجة؟ لكنني في الوقت الراهن لا أستطيع أن أرفع إبهامي طويلا عن الهاتف. ولا أعرف هل كثرت أصوات سيارات الإسعاف أم أنني صرت أكثر انتباها لها لا أكثر. الأصوات التي لا تكف عن تذكيري بأن الناس يعانون، وبأن الطبيعي انتهى.

  • نشرت المقالة في جارديان في 3 ابريل 2020