سعود الدرمكي (1958 – 2020) وجهٌ عماني للدراما والكوميديا والمسرح .. يُسدل الستار

– من مؤسسي فرقة مسرح الشباب في سبعينيات القرن الماضي


– حقق الكثير من الجوائز نظير أعماله الفنية الإذاعية والتلفزيونية


– شارك في عمل سينمائي إماراتي بعنوان (ضحي في تايلند)


– أدى شخصيات فنية متعددة أبرزها وأقربها للجمهور (سلوم الحافي)


– كان غيورا على الدراما العمانية وتمنى أن تعود إلى عهدها السابق.

الفنان الراحل سعود الدرمكي بعدسة عمان

 


كتب – عامر بن عبدالله الأنصاري

خبر مفجع رحيل الفنان العماني القدير سعود بن سالم بن سعيد الدرمكي اليوم الثلاثاء الموافق 14 أبريل 2020 عن عمر ناهز 62 عاما، رحمه الله بواسع رحمته، ونبأ محزن خيَّم على الساحة، فمن منا -كمجتمع عماني وخليجي- لا يعرف الفنان سعود الدرمكي، أبا معن، الذي رسم الابتسامة على وجوه الجميع في شخصيات وكركترات جسدها منذ سنوات خلت وما زالت إلى اليوم حاضرة في الذاكرة الجمعية في السلطنة، هو (سلوم الحافي) الذي كان نجم المسلسل التلفزيوني (يوميات سعيد وسعيدة) الذي أنتج في عام 1991، وبهذه الشخصية أضاف الضحكات على كل بيت عماني دخله ضيفا عبر الشاشة الصغيرة آنذاك، وما زالت تكبر تلك الشاشة المنزلية مع مرور الأعوام والسنين حتى غدت شاشات مسطحة وأكبر حجما، ومع تلك الشاشات وتطوراتها لم يغب (أبو معن) عنها، فظهر في أعمال تلفزيونية كثيرة، كوميدية ومنها درامية، وبأكبر من شاشات التلفاز، فقد صعد منصة السينما، ليشارك بعملين سينمائيين، وبصوته ذي البصة الخاصة ظهر كثيرا على الإذاعة في مسلسلات إذاعية شارك فيها خلال فترة حياته المهنية والفنية، وأما خشبة المسرح فقد كان له فيها صولات وجولات منذ أن شب عوده واتضح هواه بعالم الفن، فهو المؤسس لفرقة (مسرح الشباب) مع جملة من الفنانين العمانيين، رحل منهم عدد من الأسماء، وأسماء أخرى تبكي سعود الدرمكي اليوم فحق لنا أن نوجه لهم خالص العزاء والمواساة لفقد صديق وأخ كريم، وعزاء أسرة (عمان) موصول لأهل الراحل (أبي معن) وذويه وكل من يعز عليه.
زرناه قبل فترة، بمعية المكرم المهندس سعيد الصقلاوي والأديب عبدالرزاق الربيعي، ولحقنا في الزيارة بعد دقائق الفنان صالح زعل، استقبلنا الدرمكي حينها بالقبلات وهو ممددٌ على سرير البيت، وعبارات الترحيب تداخلت في بعضها من فرط سعادته بزيارتنا، كان -رحمه الله- يسأل عن الجميع، ويوصينا أن ننقل تحياته وأخباره لكل من يسأل عنه، كان متأملا أنه سيعود كما كان وأحسن، ولكن مشيئة الله قضت وحكمت، وما يقضيه الله خيرٌ، وهنا استحضر دعاء تردد كثيرًا يقول (اللهم اجعل الموت راحة لنا من كل شر)، فها هو الدرمكي استراح من معاناته مع المرض، وانتقاله بين حين وآخر إلى أَسرَّة المستشفى وحُقَنُ المغذي وإجراءات العلاج التي قد تكون مؤلمة في كثير من الأحيان، ترك الدنيا مستريحا، وفي رحمة الله تعالى.

الزميلة شذى البلوشية أثناء حوارها مع الراحل


ذاكرة (عمان) ليست البعيدة اقتربت من الفنان سعود الدرمكي -رحمه الله- فكان للزميلة شذى البلوشية فرصة طويلة للحديث معه -قبل عامين تقريبا- في حوار مطول تحدث فيه الراحل عن شتى مجالات التمثيل وتاريخه الطويل الذي بدأ منذ منتصف السبعينيات، وعدسة (عمان) بأنامل المصورة هدى البحرية التقطت له العديد من الصور في ذلك الحوار ولم تغفل عن اقتناص ابتسامته الجميلة التي انطفأت اليوم في الواقع، وما زالت حاضرة في الذاكرة.


حياته

فاز الفنان سعود الدرمكي مؤخرا بجائزة الشارقة للإبداع المسرحي العربي، هو وزميله ورفيق دربه الفنان القدير صالح بن زعل الفارسي، وذلك في النسخة الأخيرة من الجائزة بدورتها الرابعة عشرة، وتلك المرة الأولى للجائزة التي أعلنت اختيار اسمين للفوز بالجائزة، ونظير هذا الفوز، تم الاتفاق مع دائرة الثقافة بالشارقة على أن أُعد كتابا يحكي سيرة الفنانين، وكان الكتاب ذا ثلاثة فصول، ومنه فصل مخصص للراحل سعود الدرمكي، وما جاء في الفصل خيرٌ أن يسرد في هذا الموضوع، حيث تناولت فيه زوايا متعددة -قدر الإمكان- من حياة الفنان الراحل الدرمكي -رحمه الله- ومما جاء في الفصل أن (أبا معن) من ولاية إزكي، إلا أنه ولد في محافظة مسقط عام 1958 وترعرع بها، أحب التمثيل منذ طفولته، وكانت بداية مسيرته الفنية الموثقة في عام 1975، عندما بدأ خطوة حقيقية في تأسيس أول فرقة مسرحية أهلية، هي فرقة مسرح الشباب، برفقة عدد من الأسماء الفنية منها الفنان صالح زعل.

 

سعود الدرمكي في المسلسل الكوميدي (الجيران)


عمل سعود الدرمكي في تلفزيون سلطنة عمان، وتركز عمله لسنوات طويلة في الإخراج والتمثيل الإذاعي، خاصة الأعمال التاريخية.
شارك سعود الدرمكي في أعمال تلفزيونية وإذاعية وسينمائية كثيرة، على المستوى المحلي لسلطنة عمان وعلى المستوى الخارجي، ومن أهم أعماله التلفزيونية التي قدمها فوازير (مسافر خانه) في النصف الأول من الثمانينيات، وأول عمل مسرحي قدمه (تاجر البندقية) عام 1981.
أما المسلسلات الإذاعية، فقد قدم خلال مسيرته الفنية الكثير منها، ومن أهمها وأولها المسلسل الإذاعي (الشوامخ) عام 1988، وآخرها المسلسل الإذاعي (راعي الطبع) عام 2018، وما بين هذين العملين أعمال إذاعية كثيرة عمل بها ممثلا ومخرجا.
شارك الفنان سعود الدرمكي في أعمال سينمائية، منها الفيلم السينمائي العماني (البوم) عام 2006، كما شارك بالعمل السينمائي الإماراتي (ضحي في تايلند) الذي تم تصويره في تايلند عام 2017.
الفنان العماني القدير سعود الدرمكي جدير بأن يوصف بـ(القدير) للتاريخ الفني الذي صنعه لسلطنة عمان بوجه عام، وللدراما العمانية بشكل خاص، ولاسمِهِ بشكل أخص، فأي مطّلع على الشأن الفني وفنون التمثيل المسرحي والدرامي في السلطنة لا يلبث إلا أن يسطع نجم سعود الدرمكي قُبالته، وبجانبه بالطبع نجوم آخرون شاركوا في العديد من الأعمال الفنية منذ بداية مسيرتهم الفنية التي بدأت في السبعينيات، وما زال عطاؤهم يفيض بالحب والفن والإمتاع، تمنعهم الظروف أحيانا عن مواصلة المسير، وفرصة التعبير والحديث عن منجزاتهم ورصيدهم الفني، إلا أنهم لا يتوانون أبدا في تقديم المفيد والممتع متى ما سنحت الظروف.

سعود الدرمكي في مسرحية (الخادمة)


تاريخ

لم تكن النشأة الفنية للفنان سعود الدرمكي وليدة الصدفة وحدها، بل هي صدفة صُقلت بالدراسة منذ بداية الطريق، فقد التحق فناننا الدرمكي بالمعهد العالي للفنون المسرحية في جمهورية مصر العربية، ودرس التمثيل والإخراج، وذلك في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي، وقد أثمرت دراسة الفن الذي كان يحبه، اشتغالَه بعمل فني كبير جمعه بالمخرج المصري الكبير أحمد طنطاوي -رحمه الله- فاشتغل عملا بعنوان (الكعبة المشرفة) أثناء دراسته في القاهرة، وكان هذا العمل فاتحة خير على الدرمكي المبدع، حيث توالت إثر ذلك سلسلة الأعمال الفنية المتميزة.

 

سعود الدرمكي في مسلسل (عمان في التاريخ) عام 1995


عمان في التاريخ

(إنه عمل كبير ويعتز به العمانيون).. هكذا وصف الفنان سعود الدرمكي -في أحد اللقاءات- المسلسل العماني الشهير (عمان في التاريخ) الذي أنتج عام 1995، وكان أبرز الأعمال وأحبها إلى قلب سعود الدرمكي، تم تصوير العمل داخليا في المملكة الأردنية الهاشمية، بينما كانت كل المشاهد الخارجية من بيئة سلطنة عمان، أبرزَ العملُ مراحل التاريخ العماني العريق ومحطاته المهمة، وما تزخر به السلطنة من قلاع وحصون، وإرث حضاري كبير، ارتبط فيه الإنسان بالأرض، حيث شق فيها الأفلاج وجعل منها قنوات للمياه سقت الأرض والإنسان فأثمرت حضارة وازدهارا، وكأن لسان حال الدرمكي يقول إن الأرض التي احتضنته وكانت مصدر حب وأمن وأمان يجب أن يعمل الجميع من أجلها، كُل حسب طاقته ومجاله وفنه ووتره الذي يعزف عليه، فبـ(عمان في التاريخ) عزف الدرمكي وفريق العمل آنذاك أنغامًا مرئية تسيل عذوبة من عذوبة الأرض والمكان والزمان، وأدى الدرمكي في المسلسل أكثر من شخصية، ومنها شخصية السلطان سعيد بن تيمور آل سعيد، ووليم الرابع، والإمام ناصر بن مرشد اليعربي، وغيرها من الشخصيات.

الإخراج

شغل الفنان سعود الدرمكي وظيفة رئيس قسم الإخراج الإذاعي في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بسلطنة عمان، وكان دوره الإشراف على جميع الأعمال الدرامية بالهيئة، وتخصص بشكل أدق في إخراج الدراما التاريخية، واستمر في مسيرة الإخراج لأكثر من 18 عاما.
الأعمال التي أشرف على إخراجها الفنان سعود الدرمكي كثيرة ومتعددة، وبعضها كان مؤهلًا للدخول في منافسات على المستوى العربي ليحقق العديد من الإنجازات، ومن بين تلك الإنجازات التي حصدها الفنان سعود الدرمكي الميدالية الذهبية في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون عن عمل للأطفال بعنوان مسلسل (ألوان) وبه حلّق عاليا بالفرح، ورفرف علم عمان عاليا في ذلك المهرجان لما يحمله الإنجاز من معنى كبير حيث المنافسة كانت على مستوى الوطن العربي بأكمله.
وفي مهرجان قرطاج للإذاعة والتلفزيون سجل سعود الدرمكي بصمة له ولأمه عمان، حيث فاز عمل من إخراجه وهو سهرة درامية شعرية فنية، وسوى ذلك الكثير من الإنجازات.

الأعمال التاريخية

ليس من السهل أبدًا العمل في النصوص التاريخية، وإخراجها للناس على شكل دراما إذاعية أو تلفزيونية، لذلك كان الدرمكي يقرأ النص قراءة متأنية، ويعيد القراءة مرة ومرتين، بل خمس مرات، حتى يتمقص مختلف الشخصيات، ويضع كل فنان في مكانه الصحيح بما يتلاءم مع تركيبته الصوتية وشخصيته النفسية، فأحدهم يؤدي دور عالمٍ من علماء عمان، وآخر دور ملاح، وثالث يؤدي دور شاعر والرابع دور شيخ جليل، هكذا كان سعود يوظف شخصيات العمل الدرامي الإذاعي، كمحترف في لعبة شطرنج، رغم أن بعض الأعمال يتجاوز التسعين حلقة، يصنعها باحترافية فنية، وبمهارة إبداعية، لتستمر في الرتم نفسه من الإتقان، منذ الحلقة الأولى وحتى الحلقة التسعين.
سافر الفنان سعود الدرمكي في مسيرته الإخراجية من محيط السلطنة، إلى محيط الدول العربية، لما ولّدته أوجه التعاون بين السلطنة وجمهورية مصر العربية من أثر كبير في نفس الدرمكي، وأضافت إلى مهاراته وخبراته، وجعلته يلتقي بقامات فنية من مصر وسوريا والأردن ولبنان، وفتحت له آفاقا من التعاون، وجنى منها ثمار حب العمل والإتقان فيه، فأصبح معتزا بتلك المسيرة الفنية وما ينتجه ويعمل عليه من أعمال، ويرجع إلى ذاكرته فيتذكر أيام دراسته في جمهورية مصر العربية، وذلك التعاون الذي كان بين السلطنة وبين إذاعة صوت العرب، والأعمال التي اشتغل عليها مع الفنانين المصريين ومنهم عبدالله غيث، وحمدي غيث، وكانت أعمالا تاريخية، شُغف بحبها وتولع بها، إلى درجة دفعت به إلى التخصص والتركيز على مجال الأعمال الدرامية التاريخية، إضافة إلى كونه فنانا كوميديا صاحب روح مرحة عرفه بها العمانيون وغيرهم ونُحتت في ذكرياتهم شخصية (سلوم الحافي).

سعود الدرمكي في المسلسل الكوميدي (حارة الأصحاب)


عودة الدراما

كان الدرمكي -رحمه الله- غيورا على الدراما العمانية، فقد كان يأمل الفنان أن تعود، وكان يرى أنها ستعود من خلال عدة أمور، النص الجيد، والمخرج الجيد، والممثلون الجيدون، ولم يكن الدرمكي يرى أهمية للإمكانيات الضخمة، فلم تكن تلك الإمكانيات حاضرة في أيام الثمانينيات، وفي وجهة نظره أن الإمكانيات المتوفرة جيدة لصناعة دراما حقيقية، وينتقد كذلك الاستعجال في الأمور، وأكد على ضرورة أن يُمنح كل شيء وقته الكافي، وانتقد أن يتم تصوير أي عمل قبل عرضه بـ40 يوما أو 45 يوما، فالعمل يجب أن يتم تصويره قبل 4 أشهر على أقل تقدير حتى يخرج العمل جميلا، ويكون له وقت لإعادة التصوير وتصحيح الأخطاء، وكان رجاءه لشركات الإنتاج الاهتمام بالدراما العمانية، وبذلك -في وجهة نظره- تعود الدراما العمانية لعهدها السابق.
رحم الله سعود الدرمكي، هذا الفنان الجميل، الذي ترك الدنيا راحلا إلى جنة عرضها السماوات والأرض -بإذن الله تعالى- تاركا لنا أن نرفع أيدينا بالدعاء له بالمغفرة والرحمة والفوز بالجنة، (إنا لله وإنا إليه راجعون).

سعود الدرمكي في مسلسل (مكان في القلب)