الاتحاد الأوروبي في مواجهة عاصفة كورونا

صلاح أبونار –

لم تحمل عاصفة كورونا معها فقط المرض والموت والشلل الجماعي والشعور المرير بالعجز، بل حملت أيضا شكا عميقا في الواقع وصيغه المؤسسية والعقلية المبررة والمقننة، وتساؤلات حول حدود قدرة تلك الصيغ على البقاء، والإجابات والتوجهات التي ينبغي العمل على تشكيلها في مواجهة حالة الانكشاف التي أوجدتها العاصفة. وهكذا تقدمت تساؤلات عديدة حول التوجهات السياسية والفكرية والهياكل والصيغ المؤسسية السائدة، من أول مفاهيم مثل السوق والنظم الديمقراطية مرورًا بسياسات الرعاية الصحية وانتهاء بواقع ومستقبل قوى ومؤسسات ونظم مثل: الصين والولايات المتحدة والنظام الدولي والتنظيم الدولي. وفي هذا السياق سنجد الاتحاد الأوروبي في بؤرة النقاش.
تشكل دول الاتحاد الأوروبي الآن مركز الوباء وضحيته الأكبر، بعد الانسحاب الصيني الناجح من بؤرة الوباء. في التقرير الميداني اليومي لمنظمة الصحة العالمية بتاريخ 7 أبريل، كان عدد الإصابات العالمية المؤكدة 1.279.722 والوفيات 72.614، وجاء نصيب الإقليم الأوروبي منها 686.338 إصابة والوفيات 52.809، أي 53.6% من الإصابات و72.72% من الوفيات، والبقية موزعة على ستة أقاليم: الباسفيكي الغربي وجنوب شرق آسيا وشرق المتوسط والأمريكيتين وإفريقيا. وبمراجعة جدول إصابات موقع وورلدميتر في 8 أبريل، والذي يرتب الإصابات من الأعلى للأدنى، سنجد 7 دول اتحادية من ضمن أكبر 10 دول و12 دولة من ضمن أكبر 20.
ولكن الأخطر من جسامة الوباء وقوعه في سياق مواجهة الاتحاد لسلسلة من الأزمات الحادة على مدى العقد الأخير. وسوف نجد تلك الأزمات –
أولا – على مستوى علاقته بالنظام الدولي. كما تمثلها الأزمة داخل التحالف الأطلسي، وأزمة الأمن الأوروبي الناتجة عن الانسحاب الأمريكي من معاهدات الحد من الأسلحة النووية، والتمدد الروسي في شرق أوروبا المصحوب بتغلغل في سياسات أوروبا الداخلية، والنزعة الأحادية الأمريكية الراهنة في السياسة الخارجية المصحوبة بعداء مبطن للمشروع الاتحادي الأوروبي.
ثم سنجد تلك الأزمات -ثانيا- على مستوى العلاقات الداخلية للاتحاد. كما تمثلها أزمة الديون السيادية التي انطلقت من 2009 في اليونان وأسبانيا والبرتغال وقبرص وأيرلندا، ثم أزمة المهاجرين إلى أوروبا التي جاءت في ركاب أكثر من مليون لاجئ تدفقوا على أوروبا من جنوب وشرق المتوسط من 2015، وأزمة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي. وأسفرت تلك الأزمات عن اهتزاز عميق للثقة في قيمة الاندماج الأوروبي، ودعم إضافي للنزعات الشعبوية المعادية أو الشكاكة في جدوى الاندماج. الأمر الذي يعنى أن أزمة كورونا جاءت في سياق داخلي مقيد لقدرة الاتحاد ككيان مؤسسي على مواجهتها، ولقدرة الأعضاء ككيانات قومية على إطلاق مبادرات فردية وجماعية للمواجهة.
جاء رد الفعل الأوروبي الأولى في مواجهة تصاعد الأزمة شديد الاضطراب والأحادية. مع استشراء الوباء في إيطاليا انطلقت الدول الأوروبية في موجة إغلاق للحدود الاتحادية أمام التجارة والبشر، وأردفت ذلك بالإحجام عن توفير مستلزمات الرعاية الطبية للدول كثيفة الإصابة حرصًا على أرصدتها منها حال تكاثف الوباء داخلها، بل وقام بعضها بمنع تصدير المواد الطبية.
ولم تصدر قرارات إغلاق الحدود من سلطات اتحادية، بل كانت أحادية افتقرت للتنسيق الجماعي. وفي مرحلة تالية جاءت موجة قرارات الأغلاق الاقتصادي والتباعد الاجتماعي، ومرة أخرى دونما تنسيق اتحادي وبقرارات قومية لا يربطها تشاور يعكس استراتيجية موحدة. ولا تمنحنا وطأة الوباء سوى تفسير محدود، وسنرصد التفسير الأقوى في سطوة النزعة القومية التي لم ينجح الوعي الأوروبي بعد في تفكيكها، وفي نمط الاندماج الأوروبي الذي لا يزال يضع مسؤولية السياسات الصحية بالكامل في أيدي الدول القومية. شهدت الأسابيع التالية على هذا المشهد الافتتاحي الأليم تطورات مغايرة أخذت مسارين. بعد الصدمات الأولى واستعادة الدول القومية لشيء من توازنها أخذت مبادرات الدعم المتبادل في الظهور، وهكذا رأينا ألمانيا وفرنسا ترسل معونات طبية إلى إيطاليا وتستقبل مرضى إيطاليين في مستشفياتها. ويمكن رصد أشكال دعم مماثلة من بلدان أخرى مثل المبادرة البريطانية لتصنيع أجهزة التنفس، وسعى مجموعة من الدول لبناء نظام توزيع متكافئ للموارد الطبية. وحدث هذا في الفترة نفسها التي بدأت تتدفق فيها المعونات والكوادر الطبية من بلدان بعيدة مثل: الصين وكوبا وروسيا، والتي بدأ فيها الاتحاد الأوروبي في مناقشة الدعم المؤسسي للبلدان المنكوبة. وكما هو متوقع اتجهت القرارات مؤسسات الاتحاد الأوروبي، صوب دعم القطاعات الاقتصادية والاجتماعية المتضررة، علاوة على قطاع المواجهة الأساسي الصحي.
وفي هذا السياق قررت اللجنة السياسية للاتحاد تخصيص مائة بليون يورو لحماية الوظائف والقوى العاملة المتأثرة بالوباء و50 مليون يورو لدعم إيطاليا طبيا، وقرر البنك الأوروبي المركزي إعداد خطة لمساعدة قطاعات الاقتصاد الأوروبي المتضررة تصل قيمتها إلى 750 بليون يورو. وستظهر أمامنا عناوين لمبادرات اتحادية أخرى، مثل تلك المخصصة لتمويل البحث الأوروبي في مجال اللقاح الواقي، ومثل سياسة حماية «الأصول الاستراتيجية الأوروبية» في مواجهة هجوم الاستثمارات الأجنبية، والتي ظهرت كدعم للرفض الألماني لعرض ترامب شراء شركة ألمانية تعمل على تطوير لقاح لكورونا.
إلى أي حد يمكن النظر إلى تلك السياسات كمواجهة اتحادية ناجحة لأزمة كورونا؟
لا يمكن للإجابة الصحيحة أن تنطلق من تحليل السياسات ذاتها، بل يجب لتقييمها أن نأخذ في اعتبارنا ما يلي:
كانت تلك الخطط في جوهرها خطة إنجاز عاجل لعلاج الأضرار المباشرة للوباء، وليس خطة إنعاش استراتيجي للاقتصاد لتدارك تداعيات الوباء الأعمق والممتدة، وبالتالي لم تستثر خلافات تذكر. وعندما انتقل النقاش الاتحادي لمرحلة الإنعاش الاستراتيجي ظهر بوضوح العجز عن الوصول لإجماع اتحادي، يأخذ في اعتباره الوفاء باحتياجات الدول الأكثر تضررًا تبعًا لتفاوت الضرر عبر علاقته بتفاوت القدرات. وهكذا انقسمت دول الاتحاد إلى فريق مكون من إيطاليا وأسبانيا وآخرون منهم فرنسا، وفريق آخر يقف على رأسه ألمانيا والنمسا وهولندا.
طالب الفريق الأول الأكثر تضررًا بآلية مالية جديدة لتمويل خطط الإنعاش الاستراتيجي دعاها «سندات الكورونا»، لتوفير قروض تمويل واسعة ومنتظمة ومنخفضة الفائدة وطويلة السداد، تدار من خلال آليات الاتحاد وبضمانته. بينما رفض الفريق الثاني الفكرة، طارحا تمويل الإنعاش الاستراتيجي وفقًا لشروط صارمة عبر آلية اتحادية موجودة، هي «آلية الاستقرار الأوروبي» التي أنشئت واستخدمت خلال أزمة الديون السيادية. ومن الواضح أن مؤسسات الاتحاد منقسمة بين الفريقين، وهكذا صرحت رئيسة اللجنة السياسية للاتحاد أنها تؤيد السندات لأن مسؤولية الأزمة لا تقع على عاتق أحد، وأن خبراء الاتحاد يعكفون على تطوير الاقتراح لطرحه مجددًا على القمة القادمة، وصدرت تصريحات مؤيدة للسندات من بعض قيادات البنك الأوروبي المركزي. وجاء رد فعل الفريق المؤيد عاصفا ومنذرًا بخطورة التداعيات إذا لم يتم الوصول لحل وسط، فصرح رئيس وزراء إيطاليا: «إذا لم تنهض أوروبا لمواجهة هذا التحدي غير المسبوق، فهناك خطر أن يفقد البيت الأوروبي أسسه في أعين مواطنيه». وصرح الرئيس الفرنسي أن الفشل في الوصول لاستجابة سريعة للأزمة، يمكن أن يقود إلى تفكك وانهيار الاتحاد الأوروبي. ويصعب اعتبار تلك الخلافات محض خلافات بين قادة دول. قامت مجموعة من رجال الأعمال والسياسيين الإيطاليين بنشر بيان على صفحة كاملة من صحيفة ألمانية، يذكر الألمان أنهم لم يدفعون أي فوائد علي قروضهم بعد الحرب الثانية. وأعرب فريق من الاقتصاديين الأوروبيين عن تأييده للسندات، طارحًا أن «آلية الاستقرار» لا تصلح لمعالجة الأزمة الراهنة؛ لأنها مصممه لعلاج نمط آخر من الأزمات.
يقودنا التحليل السابق إلى سؤال منطقي: ما هو تأثير تلك الأزمة على مستقبل الاتحاد الأوروبي؟
جاءت الأزمة لكي تؤجج حضور القطب الأحادي القومي الذي لا يزال حاضرًا قويًا داخل المشروع الاتحادي، والذي لم يتصور هذا المشروع يوما إمكانية إزاحته من المجال السياسي. ولكن علينا أن نلاحظ أن قوة هذا التأجج، ليست بالضرورة تعبيرًا أمينًا عن حضوره الفعلي، بل الأرجح أنها في مساحة منها تعبيرا عن فجائية الأزمة وتحدياتها غير النمطية، الأمر الذي أولد ردود فعل تنطوي على تطرف قومي وتخبط سياسي. ولكن الأزمة أيضًا جاءت معها برد فعل مؤسسي يحمل معه روح القطب الآخر الأوروبي للمشروع الاتحادي. ومن الصحيح أنه تعرض لانتقادات صدرت من كبار قادة أوروبا تراه مهددًا لوجود المشروع نفسه، ولكن الصحيح أيضًا أن هذا القصور ليس مجرد ترجمة لحدود قوة القطب الأوروبي، بل يشكل أيضًا ترجمة لعوامل أخرى. ونعنى بها تلك الأزمات التي سبق أن رصدناها، والروح التفاوضية التي يجب أن ترافق حلولًا من هذا النمط وبمثل تلك التكلفة الباهظة والامتداد الزمني، وأخيرًا روح التحفظ الطبيعية التي لا مفر من وجودها لدى فاعلون سياسيون يواجهون أزمة غير مسبوقة. وفيما نتصور سينبع التحدي الحقيقي للمشروع الاتحادي من عوامل أخرى، ستنبثق من قلب الدمار الذي ستخلفه العاصفة بعد نهايتها. ونعنى بها تصاعد الاتجاهات الشعبوية المعادية للمشروع الأوروبي، والقيود التي ستفرض على حركة الانتقال البشرى فيما بين دول الاتحاد تبعًا لضيق أسواق العمل، ونمو النزعات التسلطية المعادية لمنظومة القيم الديمقراطية التي تشكل أحد أسس المشروع الاتحادي في وسط وشرق أوروبا، وتحديات التعامل مع نظام دولي سيشهد تغيرات جذرية وسريعة في ظل غياب سياسة أوروبية دولية موحدة.