خبراء ومستهلكون: جائحة كورونا ستؤثر على سلوك المستهلكين على المدى الطويل

الادخار وقاية وحماية خلال الأزمات .. وهو من أهم الدروس

 

الجاهزية الحكومية للتعامل مع تدفق السلع في الأسواق تم اختبارها وأثبتت نجاحا كبيرا

محمد العريمي: الجهات المعنية بذلت جهودًا استثنائية لمواجهة التداعيات والتعامل معها

بدرية الشماخية: التدابير التي تمت طمأنت الجميع .. وعلى المواطن أن يكون واعيًا في استهلاكه

مريم الوائلية: ثقافة الاستهلاك ستتغير وسيدرك كثيرون أنه لا داعي للإفراط في الشراء

غيداء اللواتية: السلوكيات خلال هذه الفترة انعكاس لطريقة التفكير وطبيعة الشخصية في الأوضاع الطبيعية

ناصر الغيلاني: الوعي بأهمية التباعد الاجتماعي أدى للبقاء في المنزل غالبية الوقت وعدم الخروج إلا للضرورة

 

تدفق السلع يطمئن المستهلكين

 

 

استطلاع – أمل رجب
في الكثير من جوانب الحياة أصبح ما قبل تفشي جائحة كورونا يختلف تماما عما بعده، ومن أكثر الجوانب التي برزت في الوقت الحالي التغيرات التي طرأت على سلوك المستهلكين، فبينما أدت الأوضاع الحالية إلى حالة من الذعر والتكالب على الشراء لدى البعض، فقد أبدى الكثيرون ترشيدًا كبيرًا في سلوكهم الاستهلاكي من خلال الوعي بشراء الضروريات والسلع التي يحتاجون إليها فقط موقنين بأن جاهزية الجهات المعنية للتعامل مع تدفق السلع في الأسواق هي جاهزية تم اختبارها بالفعل وأثبتت نجاحها.
من جانب آخر يتوقع الخبراء أن ما تشهده الفترة الحالية من متغيرات كبيرة في عادات التسوق والإنفاق الاستهلاكي ستكون لها آثار طويلة المدى على السلوك الاستهلاكي خاصة ما يتعلق بإدراك أهمية الادخار في الوقاية والحماية خلال الأزمات، وأن كثيرا من العادات الاستهلاكية يمكن الاستغناء عنها بالفعل وهو ما بات واضحا حين تم إغلاق الجانب الأكبر من الأنشطة التجارية تنفيذًا لقرار اللجنة العليا المكلفة بآليات التعامل مع تداعيات فيروس كورونا المستجد، وفي هذا الاستطلاع الذي أجرته (جريدة عمان)، أجرينا مقابلات مع متخصصين ومستهلكين وخبراء ليسلطوا الضوء على السمات الأساسية لسلوك المستهلكين خلال انتشار جائحة كورونا، وما هو متوقع بعد انتهاء الجائحة.

د. محمد العريمي

وقال الدكتور محمد بن حمد العريمي الخبير الإعلامي بالهيئة العامة لحماية المستهلك: إنه من المعروف أنه عندما تمر المجتمعات بأزمةٍ سواء سياسية أو اقتصاديةٍ أو اجتماعية فإن كثيرًا من الموازين والمعايير المتعلقة بالتفاعل المجتمعي، وأنماط المعيشة، والحراك الاقتصادي والاجتماعي داخل تلك المجتمعات تتغير، وتظهر تحديات كثيرة بحاجةٍ إلى تعاملٍ مختلف عمّا كانت عليه الأمور أثناء استقرار الأوضاع، ويصبح الرهان على وعي المواطنين هو أهم الأسلحة وأمضاها في مواجهة تلك التحديات.
وتبذل الجهات الحكومية المعنية بمتابعة الجائحة لدينا بالسلطنة جهودًا استثنائية لمواجهة التداعيات والتعامل معها في ظل تحديات عجزت عن التعامل معها دولٍ أخرى أضخم أسواقًا، وأقدم خبرة في مجال العمل الصحي والرقابة على الأسواق، وحتى الآن نرى الأسواق المحلية مستقرة، ولا تزال الأسعار كما كانت من قبل، رغم بعض التجاوزات البسيطة، وفيما يتعلق بجهود مراقبة ومتابعة الأسواق فهي تتواصل بشكل حثيث، وكل يوم نتابع خبرا عن ضبطية أو مخالفة لقانون حماية المستهلك، أو قرارًا جديدًا يضاف إلى عشرات القرارات السابقة التي أسهمت في توفير الحماية للمستهلك وصحته وسلامته، كما نتابع أيضا ما يتم نشره وإعلانه من مواد إعلامية توعوية هدفها الارتقاء بوعي المستهلك.
وأعتبر الدكتور محمد العريمي أن الظروف الحالية تعد فرصة مناسبة ومثالية لمراجعة وإعادة تقييم الثقافة الاستهلاكية لدى كل فرد منا، وتعديل بعض السلوكيات الاستهلاكية السلبية بشكل مستمر وليس في وقت الأزمات فقط، وعلى المستهلك التفكير جيدا قبل اتخاذ قرارات الشراء، ومراجعة سلوكياته أثناء عملية الشراء وبعدها من حيث نوعية السلع التي يشتريها، وكمياتها، ومدى تناسبها مع احتياجاته، وكيفية تخزينها، ومدى اهتمامه بالحصول على الفواتير والضمانات المتعلقة بالسلع.
وأكد على أنه في مثل هذه الأزمات تظهر أهمية قيمة الادخار الذي يمكن أن نعرّفه بأنه (القدرة على إدارة موارد الأسرة بما يلبي احتياجاتها في الحاضر والمستقبل)، فهو ينمي لدى الإنسان الوعى بتنظيم أوجه إنفاقه ومن ثم ينمي لديه القدرة على التخطيط لحياته ومستقبله، ويجعل الفرد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وعلى الرغم من ازدياد متطلبات الحياة، والتسارع التكنولوجي الذي يفرض علينا التعايش معه ومواكبته فيما يعد تحديًا كبيرًا تجاه رغبة الفرد في الادخار، إلا أنه بالتخطيط الجيد، وإعداد موازنة تراعي الظروف والمناسبات المختلفة التي تمر بها الأسرة يمكن الوصول إلى عدم إرهاق الميزانية في بعض المناسبات، فالادخار والتخطيط المالي ثقافة وسلوك، وطريقة تفكير، وخطة حياتية مرتبطة بترتيب الأولويات. وأخيرًا على المستهلك أن يعي أنه شريك أساسي في حماية نفسه، وشريك كذلك في حماية مجتمعه، فتهافته على شراء ما لا يلزمه أو ما يزيد عن حاجته من السلع بحجة الخوف من نفادها وعدم توافرها، وعدم ترشيده في استهلاكه اليومي، وعدم قيامه بتوجيه الآخرين القريبين منه ممن يرى سلبية في سلوكهم الاستهلاكي، كل هذه سلوكيات سلبية تزيد العبء على الجهات المعنية بتنظيم وحماية الأسواق، والمسؤولية مشتركة بين الجميع في سلوك استهلاكي واعٍ بما يحافظ على المخزون المتوافر من السلع والمواد الضرورية، كما أنه من المهم إدراك ما لهذه الأزمة من تأثير، وأن ما يحدث هو أمرٌ استثنائي تمر به كثيرٌ من الدول ونحن منهم، وأن ارتفاع أسعار بعض السلع، أو حدوث تجاوزاتٍ طفيفةٍ هنا أو هناك هو أمر وارد، فعملية الاستيراد نتيجةً للظروف التي يمر بها العالم حاليًا لم تعد كما هي، ومن الطبيعي أن يقل توافر بعض السلع، أو ترتفع أسعار بعضها.

د. بدرية الشماخية

وأشارت الدكتورة بدرية بنت ناصر الشماخية، أكاديمية وباحثة في الشؤون المالية والاقتصادية، إلى أنه مع تصاعد أزمة جائحة كورونا والخوف من المجهول يمر العالم بمرحلة من الخوف والترقب التي انعكست بشكل واضح على سلوك المستهلك، فقد تزايد تهافت البعض على الأسواق أو أصيبوا بما يدعوه البعض حمى الشراء.
وربما الذعر الذي أصيب به المستهلك بسبب تعرضه للشائعات وعدم الرجوع إلى المصادر الموثوقة لتحري الأخبار، مما يجعله يمر بمرحلة تخبط والبحث عن الأمان بطريقة ما. وندرك كمختصين أن جائحة فيروس كورونا المستجد ليست كالكوارث الطبيعية التي يمكن أن تتنبأ فيها بالحجم والمدى الزمني لاحتياجات الإنسان وغالبا في حالة الكوارث الطبيعية تكون أكبر الإشكاليات تتعلق بنقص الماء والكهرباء ولمدة يمكن التكهن بها، لكن في ظل كورونا، ليس هناك من يمكنه توقع إلى متى قد تستمر الجائحة، لذلك يلجأ بعض المستهلكين إلى شراء ما يتخيلون أنهم يحتاجونه وليس ما يحتاجونه فعليا كرد فعل على شعور القلق وظنًا منهم أنهم يقومون بحماية أنفسهم وعائلتهم بهذه الطريقة.
وأضافت الدكتورة بدرية الشماخية: إنه بالنظر إلى الدراسات البحثية السابقة نجد أن العوامل التي تدفع المستهلك إلى فرط الشراء تصنف إلى نوعين الأول عوامل ديموغرافية كالعمر والجنس والمستوى التعليمي ومستوى دخل الفرد. وهنا نجد أن دخل الفرد يشكل أقوى العوامل في هذا النوع إذ أن دخل الفرد يحتم عليه التفكير مليًا في اختياراته الشرائية التي يجب ألا تؤثر على غيرها من التزامات الفرد المالية. أما النوع الثاني فهو عوامل التأثير على السلوك الاستهلاكي وهي العنصر الإدراكي وفيه نجد أن إدراك الفرد للأزمة يختلف وفق نظرته الشخصية وتقييمه للوضع، أما العنصر العاطفي فهي كل ما يشعر به الفرد من عواطف إيجابية أو سلبية تأتي كنتيجة لإدراكه وبه يحدد السلوك في الشعور بعدم الأمان مما يدفع المستهلك إلى مزيد من الاستهلاك حتى الوصول إلى مرحلة من الأمان والاستقرار.
وأشارت إلى أنه للتعامل مع تداعيات كورونا قامت الجهات الحكومية المعنية بعدة تدابير استهدفت طمأنة الجميع وتوعيتهم وإعلامهم بشكل واضح أن تدفق السلع مستمر وأن المخزون الغذائي متوفر والاحتياطي الغذائي كافٍ وعلى المواطن أن يكون واعيًا في استهلاكه، والمتتبع لأخبار هذه الجائحة في دول العالم الكبرى وما سببته من فوضى عارمة في الشراء سيدرك أن حكومتنا قد أدارت هذه الأزمة بنجاح فيما يتعلق بمراقبة أسعار الغذاء والدواء وتوعية المواطن بحقوقه الشرائية وعدم التهاون في معاقبة المتجاوزين.
وأكدت الدكتورة بدرية الشماخية على أن مساندة الحكومة في تنفيذ قرارات اللجنة العليا للتعامل مع جائحة فيروس كورونا المستجد هي مسؤولية مشتركة للجميع للحد من تداعيات هذه الأزمة.
ومن منطلق المسؤولية الاجتماعية يتحتم علينا كأفراد كثير من الواجبات منها التفكير مليًا قبل نشر أي شائعات من شأنها أن تثير الفزع والخوف بلا مبرر، وكذلك الابتعاد عن الهدر في الاستهلاك فهو من شأنه أن يهدد أي مخزون غذائي مهما كانت قوته.
ورغم أن الأوضاع الحالية في مختلف جوانبها صعبة للغاية في العالم بأكمله، لكن لها إيجابيات مثل التعاضد المجتمعي، وهذه الأزمة ربما ستؤثر على السلوك الاستهلاكي على المدى الطويل وستعيد ترتيب أولويات البعض منا وقد نجد أنفسنا لسنا بحاجة إلى هدر الكثير في شراء مستلزمات ليست بالضرورية.
وقد تكون هذه الفترة هي المناسبة للتعود على الترشيد والادخار إن أمكن، ومساعدة الآخرين لتخطي هذه المحنة فجائحة كورونا قد تسببت بتعطل الكثير من رواد الأعمال عن أعمالهم وهناك من فقدوا عملهم ليجدوا أنفسهم بدون خيارات تعينهم على تخطي هذه المرحلة، ومن واجبنا وقيمنا الإسلامية أن نحرص كل الحرص على التكافل والتعاون مع كل الفئات المتضررة سواء ماديا أو معنويا.
وأكدت الدكتورة مريم بنت عبدالله الوائلية -طبيبة استشارية أولى في التغذية الطبية- أن الخروج من البيت والاحتكاك بالناس قد يزيد من احتمالية الإصابة بالفيروس لذا البقاء في البيوت واتباع التعليمات واجب على الجميع الآن، وينبغي أن يكون وقت التسوق قصيرا ويقتصر على الضروريات فقط، على أن يذهب شخص واحد فقط للتسوق مع الحرص على الالتزام بالتعليمات الصحية أو عن الاستفادة من تطبيقات وبرامج التسوق الإلكتروني والتوصيل إلى المنازل.
وأضافت: إنه كان من الملاحظ خلال انتشار جائحة كورونا سلوكيات مختلفة لدى بعض المستهلكين، ومنهم من يسارعون إلى التسوق ويشترون الأغراض بإفراط خوفا من اختفائها أو وجود أوضاع تتطلب الحجر المنزلي، وفي المقابل وجدنا البعض لديه وعي كبير فلا يشتري إلا الأغراض الضرورية ويقضي وقتا قليلا في التسوق خوفا من التعرض للفيروس، وندرك أنه بشكل عام أدى انتشار الفيروس إلى دخول العالم كله في حاله من الهلع وخاصة بعد إصدار كثير من الدول لقرارات بالإغلاق والحجر الصحي، وهذا الهلع أدى حالة من التهافت على شراء المنتجات خاصة الغذائية منها وكذلك الكمامات ومعقمات الأيدي مما جعل الكثير من الناس لا يجدون ما يشترونه وهو من السلوكيات المؤسفة التي رأيناها من خلال ألأزقف الخالية في عديد من الدول.
ومن ناحية أخرى فإن هذه الأزمة أعطت الكثير من الدروس حول الادخار وعدم الشراء إلا للضروريات من المواد الغذائية، وزادت الاستعانة بخدمات التوصيل للمنازل باعتبارها وسيلة أكثر أمانًا، وننصح كل إنسان بأن يحرص في كافة أوقات حياته على ادخار جزء من راتبه أو دخله تأهبا لحدوث أي طارئ، والمؤكد أن ثقافة الاستهلاك ستشهد تغيرا في المرحلة المقبلة، وسيدرك كثيرون أنه لا داعي للإفراط في الشراء الاستهلاكي وتكديس الأشياء غير الضرورية.

غيداء اللواتية

ومن جانبها ترى غيداء اللواتية -الاستشارية في مجال التغيير- أن جائحة كورونا غيرت من السلوكيات الاستهلاكية لدى الكثير من الناس وأوجدت أنماطا مختلفة من السلوكيات تعكس ردود أفعال الناس وقت الأزمات، فهناك فئة من الناس شعرت بنوع من التهديد من احتمالية نقص المواد الاستهلاكية في السوق، فلجأت إلى الشراء بكميات كبيرة لتخزينها والاستفادة منها وقت الطوارئ، وفئة أخرى أصبح لديها الوعي بأهمية ترشيد الاستهلاك، فأصبحوا يكتفوا بالحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية واستغنوا عن الكماليات، وهناك فئة ثالثة يعتقدون أن الأزمة مؤقتة وستزول قريبًا، فلم تغير الأزمة من سلوكياتهم.
وأضافت غيداء اللواتية: إن السلوكيات خلال هذه الفترة هي انعكاس لطريقة تفكيرنا وطبيعة شخصيتنا في الأوضاع الطبيعية، فمن يتمتع ببعد النظر ويعيش حياته بتخطيط في الأوضاع الطبيعية سيكون منتميًا للفئة الأولى. وأما من يتمتع بطبيعة التعلم والتأقلم مع الظروف، فبطبيعة الحال سيكون من اتباع الفئة الثانية. وأما من يعش يوم بيومه من دون التفكير بالغد، فسيكون من المنتمين إلى الفئة الثالثة.

ناصر الغيلاني

وأشار ناصر بن محمد الغيلاني -مدير محمية السلاحف برأس الجنز- إلى أن الهلع لدى المستهلك قد يكون مرتبطا ببداية تفشي فيروس كورونا، حيث شهدنا الزحام في الأسواق وعدم قيام المستهلك بتحديد الأولويات بشكل صحيح، لكن مع استقرار تدفق السلع ووجود مخزون كافٍ منها، نرى أن كثيرا من الناس أصبحوا يلتزمون بالتسوق الضروري واكتشفوا عدم ضرورة شراء الأشياء الثانوية أو التقليل منها، بل إن الوعي بأهمية التباعد الاجتماعي وعدم الخروج إلا للضرورة والابتعاد عن التجمعات أدى إلى أن كثيرين يلتزمون بالبقاء في المنزل غالبية الوقت وعدم الخروج إلا للضرورة بما في ذلك الخروج للتسوق، وقد أثارت الأوضاع الحالية انتباه الكثيرين إلى أهمية الترشيد وإمكانية الاستغناء بسهولة عن السلع غير الضرورية.