عالم جديد تحت شباكي

بقلم: أولجا توكارتشوك
ترجمة: أحمد شافعي

 

أولجا توكارتشوك

أرى توتة من شباكي، شجرة توت أبيض تفتنني، وهي سبب من الأسباب التي دعتني إلى أن أقرر العيش هنا حيثما أعيش. شجرة التوت نبتة كريمة ـ تطرح طوال الربيع والصيف لعائلات من الطيور ثمارها الحلوة النافعة. في هذه اللحظة، لم تسترد التوتة أوراقها، لذلك ينكشف الشارع امتدادا هادئا، لا يكاد يعوقه الناس في طريقهم إلى الموقف. الطقس في فروتسواف صيفي تقريبا: شمس تبهر العيون، وسماء زرقاء، وهواء نظيف. رأيت اليوم وأنا أتمشى بالكلب طائري عقعق يطردان بومة من عشهما. وعلى بعد قدمين لا أكثر بيني وبينها، مضيت والبومة يحملق كلٌّ في عيني الآخر. يبدو أن الحيوانات، هي الأخرى، تنتظر في ترقب، ولا تعرف ما الذي يوشك على الحدوث.
عشت فترة، هي الأطول، شاعرة بأن حولي قدرا زائدا من العالم. ومن السرعة، ومن الصخب. لذلك لا أعاني الآن “صدمة العزلة” بالمرة، ولا يشق عليّ إطلاقا أنني لا أرى الناس. لست آسفة على إغلاق دور السينما، ولا أبالي مطلقا بإغلاق مراكز التسوق أبوابها. وبالطبع ينتابني القلق حينما أفكر في جميع من فقدوا وظائفهم. لكنني حينما علمت بالحجر الموشك، شعرت بما يشبه الارتياح. وأعرف أن كثيرين شعروا بمثل ما شعرت به، حتى لو أخجلهم ذلك. الآن، بعد طول خنق وانتهاك من الانفتاح المفرط، يخرج انطوائي إلى العلن كاشفا نفسه.
أشاهد جارنا من الشباك، المحامي كثير الانشغال بالعمل الذي رأيته قريبا يتجه إلى العمل في الصباح معلقا معطف المحكمة على كتفه. والآن أراه في زي رياضي فضفاض يصارع غصنا في الفناء، يبدو أنه يضع نظاما للأشياء. أرى شابين يخرجان لتمشية كلب بادي الهرم لم يقو على المشي تقريبا منذ الشتاء الماضي. يترنح الكلب وهما يرافقانه صابرين عليه، يسيران بأبطأ سرعة ممكنة. وبرفعة عالية تلتقط شاحنة القمامة صندوقا.
الحياة تستمر، وحق لها ذلك، لكن بإيقاع مختلف كل الاختلاف. رتبت خزانتي، وأخرجت الجرائد التي قرأناها فوضعتها في صفيحة إعادة التدوير. نقلت الزهور من الأصص. أرجعت دراجتي من المتجر الذي أصلحت فيه. وأستمتع بالطبخ.
تظل صور من طفولتي تعاودني. كم كان الوقت وفيرا آنذاك، فكان يمكن “تضييعه” و”قتله”، وإنفاق ساعات في مجرد الإطلال من الشباك، أو مراقبة النمل، أو الاستلقاء أسفل مائدة أتخيلها سفينة نوح. أو في قراءة الموسوعة.
وماذا لو تبيَّن أننا لن نعود إلى إيقاع حياتنا الطبيعي؟ وأن الفيروس ليس خروجا على المعتاد، بل العكس تماما، أي أن العالم المحموم الذي كان قبل وصول الفيروس هو الشاذ المنافي للطبيعي؟
يذكّرنا الفيروس، في نهاية المطاف، بالشيء الذي كنا ننكره بمنتهى الحماسة: أننا مخلوقات رهيفة، مؤلفة من أوهى الخامات. أننا نموت ـ أننا فانون. أننا غير منفصلين عن بقية الدنيا بـ”إنسانيتنا”، أو بأي استثناء، بل إن الدنيا، خلافا لذلك، شبكة هائلة كلنا واقعون فيها، مرتبطون مع الكائنات الأخرى بخيوط خفية، بعضنا يعتمد على بعض، وبعضنا يؤثر في بعض. أنه بغير اعتبار لمدى التباعد بين البلاد التي ننتمي إليها، أو اللغات التي نتكلمها، أو اللون الذي تصطبغ به جلودنا، فإننا جميعا يسقطنا المرض نفسه، وتنتابنا المخاوف نفسها، ونموت موتا واحدا.
يجعلنا ندرك أنه مهما يكن ما نشعر به من ضعف ووهن في مواجهة الخطر، فإننا أيضا محاطون بمن هم أشد وهنا، وإن مساعدتنا لهم ضرورة. يذكِّرنا بمدى ضعف آبائنا الكبار وجدودنا، وكم هم بحاجة ماسة إلى رعايتنا. يبيّن لنا أن حركتنا المستعرة تعرِّض العالم للخطر. ويطرح سؤالا، نادرا ما أسعفتنا الشجاعة لنطرحه: أي شيء فعلا ذلك الذي لا نكف عن البحث عنه؟
تذكِّرنا خشية الوقوع في المرض بالأعشاش التي جئنا منها والتي نشعر فيها بالأمان. وفي وضع كهذا، حتى أكثر الناس كلفا بالسفر يتكئ على بيت من نوع ما. في الوقت نفسه تنكشف لنا حقائق مؤسية، أن افكارنا في لحظة الخطر تلوذ مرة أخرى إلى تقسيمات الأمم والحدود المقصية المضيِّقة. في هذا الوقت الصعب، نرى كم هي ضعيفة عند الممارسة فكرة المجتمع الأوربي. لقد خسر الاتحاد الأوربي المباراة، وفوَّض في وقت الأزمة الدول في اتخاذ القرارات. رجعت الشوفينية القديمة ومعها رجعت القسمة بين “نحن” و”الأجانب” ـ أي نفس ما حاربناه طوال العقود الماضية على أمل ألا يرجع مرة أخرى ليشكّل عقولنا. خشية الفيروس أعادت القناعة الرجعية بأنه لا بد من وجود أجانب يلامون، لأنهم هم الذين يتسببون في الخطر. فالفيروس في أوربا هو “من مكان آخر”. في بولندا، كل عائد من الخارج يعد الآن مشبوها. يذكِّرنا الفيروس أن الحدود قائمة، وأنها بخير ما يرام.
أخشى أيضا أن الفيروس سوف ينبِّهنا إلى حقيقة قديمة أخرى: كم نفتقر إلى المساواة. ففي حين يسافر البعض منا على طائرات خاصة إلى بيوت على جزر أو عزلات في الغابات، يبقى آخرون في المدن، يديرون محطات الطاقة والمياه. بل ويخاطر آخرون بحياتهم إذ يعملون في متاجر ومستشفيات. سيجني البعض مالا من الوباء، في حين أن آخرين سوف يفقدون كل ما لديهم. والأزمة سوف تأتي على كل المبادئ التي بدت شديدة الرسوخ، فلن تقدر بلاد كثيرة على التعامل معها، وفي مواجهة سقوطها سوف تقوم نظم جديدة، شأن الحال في أعقاب الأزمات.
إننا نعتقد أننا نلزم البيوت، نقرأ الكتب ونشاهد التليفزيون، لكننا في واقع الأمر نهيِّء أنفسنا لمعركة على الواقع الجديد الذي ليس بوسعنا حتى أن نتخيله، ولكننا نفهم ببطء أنه لن يكون شيء مثلما كان من قبل. قد يجعلنا وضع الحجر القسري، ولزوم الأسرة البيت، نعي بأشياء لا نرغب في الاعتراف بها: أن أسرتنا تستنزفنا، وأن روابط الزواج تراخت منذ عهد بعيد. سيخرج أطفالنا من الحجر مدمنين على الإنترنت، وكثير منا سوف يعون عبثية وتفاهة الظروف التي نبقى فيها بقاء ميكانيكيا، بدفع من القصور الذاتي. وماذا لو تزايدت أعداد جرائم القتل، والانتحار، والمصابين بالأمراض العقلية؟
أمام أعيننا، يتبدد دخان النموذج الحضاري الذي شكَّلنا على مدار المئتي سنة الماضية: أننا سادة الخلق، أن لنا أن نفعل ما نشاء، أن العالم ملك لنا. وعصر جديد يقترب.

  • عن ترجمة جينيفر كروفت من البولندية إلى الإنجليزية.
    ** نشرت المقالة في مجلة ذي نيويوركر في 8 ابريل 2020