أسعار أقل لضبط سوق النفط

الإيكونومست – ترجمة: قاسم مكي –

منذ فترة طويلة عدَّلت السعودية، العضو الأبرز بمنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، من حجم إمداداتها كي تساعد على تثبيت استقرار أسعار الخام.
وحَّدَت روسيا جهودها مع أوبك ابتداء من عام 2016. لكنها رفضت نداءها بخفض الإنتاج بعد تقليص جائحة كورونا (كوفيد19) الطلب على النفط واستمرارها في ذلك دون هوادة.
ردَّت السعودية بإعلان نيتها غمر أسواق النفط العالمية. وهبط سعر نفط برنت إلى النصف في الفترة بين 5 مارس و30 مارس عندما تدنى إلى 22 دولارًا للبرميل.
من جانبها، تحاول أمريكا التدخل. لكن بعد أن فشلت وزارة الطاقة الأمريكية في تأمين التمويل علّقت في هدوء خططًا لشراء 77 مليون برميل من النفط الأمريكي بغرض تخزينه في مستودعاتها الاستراتيجية.
ويدرس ريان سِيتُون وهو مسؤول نفطي بولاية تكساس الأمريكية فرضَ قيود على حجم إنتاج النفط في ولايته الذي يساوي 41% من إجمالي الإنتاج الأمريكي. يقول سيتون (العالم يمر بوقت استثنائي. ونحن بحاجة إلى النظر في حلول استثنائية).
الأخبار التي وردت في 23 مارس بأن الرئيس دونالد ترامب عيّن مبعوثًا لشؤون الطاقة إلى السعودية بعثت الأمل باحتمال توسط أمريكا لعقد هدنة بين السعودية وروسيا. تدخل أمريكا في سوق النفط ليس شيئا جديدا. فتكوين منظمة أوبك مستوحى جزئيا من فكرة لجنة تكساس للسكك الحديدية (المنوط بها تنظيم إنتاج النفط) ويعمل بها سيتون. ففي الثلاثينيات من القرن الماضي عندما هبط سعر النفط إلى أقل من دولار واحد للبرميل انتشر أفراد الشرطة المحلية في أرجاء الولاية لفرض قيود الإنتاج التي قررتها اللجنة.
ومع ارتفاع واردات النفط إلى الولايات المتحدة تحول الاهتمام إلى تأمين الإمدادات. وتم تأسيس الاحتياطي البترولي الاستراتيجي في عام 1975 بعد المقاطعة النفطية العربية.
والآن مع تحول الولايات المتحدة بفضل النفط الصخري إلى أكبر منتج للنفط في العالم جددت واشنطن اهتمامها بتعزيز سعر الخام.
ويرى سيتون أن تخفيضات الإنتاج قد تكون ضرورية لضمان صمود صناعة النفط الصخري الأمريكية في وجه جائحة كوفيد-19. لكن أمريكا ستجد عباءة أوبك ضيقة عليها إلى حد الإرباك.
تخزِّن الولايات المتحدة احتياطها الاستراتيجي من النفط في التجاويف الملحية التي تمتد بطول ساحل الخليج (بولايتي تكساس ولويزيانا- المترجم). وهي مملوءة سلفا بنسبة 90% بحيث لا يمكنها تخزين كمية كافية من الإمدادات الزائدة عن الحاجة. ولم تحاول الجهات التنظيمية المسؤولة عن النفط في ولاية تكساس تقييد حجم الإنتاج منذ عقود. ومن المؤكد أن أي محاولة منها ستقابل بحواجز قانونية وعملية.
ربما أن التوصل إلى اتفاق مهم وكبير حول الإمدادات بين كل من أمريكا والسعودية وروسيا سيعزز سعرَ النفط ولكن مؤقتا فقط.
يقول بن لاكاك بشركة (ترافيجورا) العاملة في تجارة النفط إن حرب الأسعار (لم يعد لها أثر كبير) على سوق النفط. فهو يرى أن دور الإنتاج السعودي يبدو الآن أقل أهمية من تدمير جائحة كورونا (التاريخي) للطلب على النفط. فوباء كوفيد-19 (كورونا) يقضي على هذا الطلب بسرعة مذهلة لا تمكِّن المحللين من تعديل نماذجهم (الخاصة باتجاهات الطلب على النفط) بالسرعة الكافية.
تقدر شركة الأبحاث (بيرنستين) أن الطلب في النصف الأول من هذا العام قد ينخفض بنسبة 10% أو حتى 20% عن حجمه في عام 2019. وكان الطلب على النفط انخفض مرتين فقط في العام الجديد عن مستواه في العام السابق له خلال فترة الـ35 عاما الماضية. حدث ذلك في 2008 و2009.
رغما عن ذلك كان الإنتاج بطيئا في الاستجابة (لانخفاض الطلب). ويعود ذلك جزئيا فقط إلى حرب الأسعار. فعندما يتم حفر بئر النفط الصخري لن تتحقق سوى وفورات هامشية من وقف الإنتاج. والعديد من الشركات مرتبطة بعقود (تحوُّط) وتواصل ضخ النفط بأمل ارتفاع الأسعار. وحتى عندما تقلص الشركات من حجم إنفاقها قد لا ينخفض الإنتاج بسرعة. ففي 24 مارس ذكرت شركة شيفرون الأمريكية العملاقة أنها ستخفض الإنفاق الرأسمالي بنسبة 20% هذا العام ولكن إنتاجها في عام 2020 سيكون مماثلا تقريبا لحجمه في عام 2019.
يبدو أن العرض لن يفوق الطلب على النفط فقط ولكنه سيغطي السعة المتوافرة لتخزينه. وحسب تقديرات شركة بيرنستين ربما سيكون هنالك فائض إضافي من النفط الخام هذا العام يزيد عن 735 مليون برميل وسعة تخزينية متاحة لحوالي 500 مليون برميل فقط في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (نادي البلدان الغنية أساسا) وناقلات النفط.
يرى دَيمِيَّيَن كورفالِن من بنك جولدمان ساكس أن (خفضا للإنتاج يحتاج تطبيقه إلى شهر أو شهرين لن يفعل الكثير) في مواجهة مثل هذه الصدمة التي يتعرض لها الطلب على النفط. وهو يزعم أن وضع حد للإنتاج في تكساس سيبطئ عمليات الدمج والاستحواذ (بين الشركات) التي تحتاجها صناعة النفط الصخري الأمريكية كي تكون قادرة على المنافسة في الأجل الطويل.
قد يساعد التحفيز الحكومي على تعزيز الطلب. لكن العلاج الضروري لإعادة التوازن بين العرض والطلب إلى السوق مؤلم، بحسب بن لاكاك. إنه المزيد من الانخفاض في أسعار النفط.