الشاعر مبارك بن محمد العامري في حوار أخير لـ “عمان” قبل وفاته:رغم معاناتي الصحية إلا أن الكتابة الإبداعية ما تزال مستمرة معي والشعر يكتب بكل الأشكال

  •  أجد في قصيدة النثر متعة وإفصاحاً للزمن الذي أعيشه وتمثل كاتبها مهما كبر وتتصل به مع العالم
  •   أغلب ما ضاع من نتاجي كان منشورا في الصحف والمجلات سجل لحظات تماسِّي مع جماليات الأمكنة
  •  لدي شغف بكتابة سيرة ذاتية خاصة بي فالذاكرة ما تزال خضراء والروح كذلك
أجرى الحوار: محمد بن سليمان الحضرمي لم يدر في خلدي، أنني بعد أن أخرج من غرفة التنويم بالمركز الوطني لطب وجراحة القلب بالمستشفى السلطاني، أن سأجري حواراً مع الشاعر والكاتب مبارك بن محمد العامري، الذي يرقد في أحد أسرَّة جناح الأمراض الباطنية بالمستشفى، كان هذا صباح يوم الجمعة 21 فبراير 2020م، أشرت إلى ابني أحمد أن نذهب سوياً لنسلم على الأستاذ مبارك، ضاغطاً على جراحي، إذ لا أعرف متى يمكنني أن أزوره، وصلت إلى سريره، فاستقبلني بابتسامة وناداني باسمي قبل أن أصل إليه، جلست بجانبه، واتخذت وضعية مريحة تمكنني من الجلوس معه أطول، ثم دار في ذهني أن أجري معه حواراً صحفياً، لطالما فكرت فيه وحلمت به، استأذنت الأستاذ مبارك، وقلت له: “سنتحدث سوياً عن حياتك الصحفية والثقافية، لنفتح نافذة تتسلل منها نسائم الذكرى”، وافقني الأستاذ، ويبدو أنه كان بحاجة إلى البوح والكلام، ليرد علي: “وهل تستطيع ذلك وأنت مريض؟”، قلت له: “سأتعافى بالحديث معك، وأجد في داخلي رغبة لإجراء هذا الحوار”، وافقني وفتحت هاتفي، لأسجل معه حواراً امتد ساعة كاملة، عن بداياته في العمل الصحفي، وعن الكتابة والشعر، وقصيدة النثر، وعلاقاته بكبار الشعراء العمانيين في فترة الثمانينات، وعن أحلامه التي تحقق بعضها، وبعضها ما يزال يسكن الوجدان. ولم يدر في خلدي أيضاً، أن سأنشر هذا الحوار بعد وفاته، فحالتي الصحية أحالت دون تفريغه من التسجيل، وإعادة تحريره وإعداده للنشر، حتى جاءت جائحة كورونا، لتحد من نشر الحوار أكثر وأكثر، ولكن رحيل الشاعر مبارك العامري يحتم عليَّ نشره مهما كانت الظروف. ولد الشاعر مبارك بن محمد العامري في حيل العوامر، والمعروف حاليا بالحيل الشمالية، بولاية السيب، عام 1963م، بحسب تقدير السن الموثق في جواز سفره، درس المرحلة الثانوية في مدرسة جابر بن زيد، وانتقل في أعمال وظيفية متعددة، أبرزها عمله في مجلة العقيدة خلال الفترة من عام 1978 واستمرت حتى 1986م، ثم انقل إلى مجلة العين الساهرة، التي تصدر عن شرطة عمان السلطانية. ترك الشاعر ثلاثة إصدارات أدبية وهي: رواية “مدارات العزلة” صدرت عام 1994م، ورواية “شارع الفراهيدي” صدرت في عام 1997م، ومجموعة شعرية بعنوان “بسالة الغرقى” 2010م، وله مخطوطات شعرية وروائية، عسى أن ترى نور النشر في قادم الأيام، فمع تفاصيل الحوار.
س: بدأت صحفياً، ونشرت أولى كتاباتك في الصحف والمجلات، لكننا اليوم نقرأ لك نصوصاً في مواقع التواصل الاجتماعي، فهل وجدت فيها الوسيلة الأفضل للنشر، وبديلاً عن النشر الصحفي؟ ما هو السبب برأيك؟ ج: معاناتي مع المرض كان لها دور كبير في القطيعة مع النشر الصحفي، ورغم معاناتي النفسية والجسدية والإرهاق الذي أعاني منه، إلا أن الكتابة الإبداعية ما تزال مستمرة معي ومتواصلة، ولكنني أنشر في وسائل التواصل الاجتماعي فقط، ولدي صفحة في “الفيسبوك”، أما السبب فلأني أجدها الأقرب إلى نفسي وروحي، والأسرع كذلك، والأكثر تفاعلاً مع القراء. س: حدثنا عن بدايات عملك الإعلامي والصحفي، كيف كانت؟ ج: جربت العمل المؤقت خلال الإجازة الصيفة، فعلمت في دائرة الأخبار بإذاعة سلطنة عمان، ثم عملت في مجلة “العقيدة” خلال فترة النهار حتى الساعة الثالثة بعد الظهر، وفي المساء وبدءاً من الساعة الخامسة عصراً وحتى التاسعة ليلاً، كنت أواصل دراستي للمرحلة الثانوية في مدرسة جابر بن زيد بالوطية. وفي عام 1978م، بدأت بالعمل في مجلة العقيدة، محرراً لصفحاتها، حتى وصلت فيها نائباً لرئيس التحرير، برئاسة الصحفي المصري المعروف أحمد سليم، كما عملت مشرفاً على ملحقها الثقافي اسميته “الملتقى الثقافي”، كانت مجلة العقيدة تصدر كل أسبوع، بدأت طباعتها في بيروت، ثم نقلت طباعتها إلى مسقط. كما عملت لفترة في جريدة “الوطن” العمانية، ومراسلاً لعدة صحف خليجية، ولم أكن ثابتاً في عملي، ولكنه لا يخرج عن دائرة العمل الصحفي، وأذكر أن أول مقالة نشرتها كانت قراءة في رواية الروائي السوداني “الطيب صالح”، والمعروفة بعنوان: “موسم الهجرة الى الشمال”، وذلك في عام 1978م، نشرت قراءة عنها في ملحق جريدة الخليج الاماراتية، وكان الشاعر محمد الماغوط هو المشرف على ملحقها الثقافي آنذاك الوقت. وحَدَث أن الشاعرة الدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسية، كانت طالبة في كلية الآداب بجامعة الكويت، وبالصدفة وقعت عيناها على المقالة المنشورة، وفي لقاء معها بعد فترة لاحقة، حيث عملت مديرة لمدرسة روي النموذجية، أخبرتني أنها قرأت مقالتي عن الرواية، منشورة في صحيفة الخليج، وأنها فرحت بنشر المقالة، وكانت تتباهى مع زميلاتها بنشر مقالة لكاتب عماني في صحيفة الخليج.
س: حدثنا بتفصيل أكثر عن الملتقى الثقافي، الذي كان يصدر ضمن صفحات مجلة العقيدة، خلال سنوات الثمانينات الماضية، ما يؤكد أنك أحد المؤسسين للصحافة الثقافية العمانية، كيف تنظر إلى تلك التجربة؟
ج: كانت الصحافة الثقافية تجربة لا تنسى على الإطلاق بالنسبة لي، بفضل عوامل كثيرة وأساسية كانت متوفرة في تلك الفترة، من بينها الشغف بالعمل الصحفي الثقافي، كان الشباب المشتغلون بالجانب الإبداعي الأدبي في ذلك الوقت، لديهم شغف خاص أن يكون لعمان مكاناً مرموقاً في مجال الكتابة الإبداعية، مواكبة لما يحدث من تطور في جهات مختلفة.
من أجل ذلك كنا نجتهد كثيراً، ونبذل ما لدينا من وقت وجهد وإمكانات، ونقرأ بعمق، ونتبع الأعمال الأدبية الجديدة الصادرة داخل السلطنة وخارجها، نقرأ للأسماء المتحققة التي تظهر في المجلات الثقافية، وأصبحت شهرية في المشهد الثقافي الأدبي في العالم، ونحاول أن نرقى إلى هذا المشهد ونقاربه في اشتغالاتنا الكتابية. كانت الصحافة هي الوعاء الذي نضع فيه إبداعاتنا الأدبية، والحاضن الحقيقي لكل ما نكتب، عبر المجلات كالغدير والعقيدة والسراج وغيرها، وبعض الصحف المعروفة مثل جريدتي “عمان” و”الوطن”، وكانت تنبثق عن هذه الأنشطة مناشط أخرى، صنعناها بأنفسنا نحن جيل الشباب في ذلك الوقت، كنا نعقد اجتماعات ولقاءات أدبية، ونقيم ندوات وملتقيات، حتى انتقلنا بالعمل إلى قاعة “النادي الثقافي” وكان يحمل اسم “النادي الجامعي”.
س: كيف بدأ العمل الثقافي لديك على هامش العمل الصحفي، ليتطور بعد ذلك ويقام في إحدى قاعات النادي الجامعي بالقرم؟
ج: بدأت فكرة اللقاءات والاجتماعات في مكتبي بمجلة العقيدة، ثم وجدنا أن “النادي الجامعي” في تلك الفترة يحوي قاعات كبيرة، ومتوفرة على وسائل تدعم هذه الجهود، التي نطمح أن تتبلور وتنمو، ويظهر منها نتاج أدبي وثقافي وفكري عماني، يضيء الساحة الأدبية والمشهد الثقافي ويسهم في التعريف بعمان ثقافياً وفكرياً وإبداعياً. فنقلنا نشاطنا الأدبي إلى النادي الجامعي، كانت النواة الأولى لهذه الاجتماعات بتشكيل ملتقى الثلاثاء، وأذكر من بين من كان معي الأستاذ الكاتب أحمد الفلاحي، والشاعر محمد الحارثي، والشاعر عبدالله الريامي، والكاتب الروائي والقاص المصري يوسف الشاروني، والقاص العماني حمد رشيد، والكاتب شبر بن شرف الموسوي، والكاتب عبدالله بن أحمد الحارثي، وكوكبة من المشتغلين بالثقافة. كنا نجتمع فيه كل ثلاثاء، على صعيد تطور الأدب والكتابة وفنياتها، وكيفية نشر نتاجات العمانيين، التي نجد فيها عناصر إبداعية، وتكوِّن نصوصا متكاملة، وقادرة أن تجد لها طريقاً للنشر، واستضفنا قامات شعرية كالشاعر عبدالله بن علي الخليلي، والشاعر أبو سرور الجامعي، وكانت تنشر وترصد في صفحات الصحافة المحلية، وعبر ملاحقها الثقافية.
س: على ذكرك للشاعر عبدالله الخليلي، كيف توطِّدت علاقتك به، رغم البون الشاسع في العمر والاختلاف في التجربة بينكما؟
ج: أنا كنت من المعجبين بشعره، وهو قامة شعرية على مستوى كبير، رجل أعطى للشعر العُماني الكثير، دفع به دفعة قوية لأن يكون على مستوى عظيم جداً، في اللغة والمضمون، وكنت أنظر إليه أنه أحد الشعراء الكبار، وأفرح حينما ألتقي به، وكان هو بدوره يقرأ ما أكتبه، ويتابعني في ما أنشر من نصوص ومقالات، كانت روحه مُحبة للشباب، ولا يعرف الإقصاء، ويذيب الفروقات في العمر، كان يحب أن يقرأ في جوانب أخرى غير الشعر، وله تجارب كتابية غير الشعر، فقد كتب المقالة والمقامة والقصة القصيرة، وجدد في شكل الشعر، فكتب قصيدة التفعيلة، وصدر له عمل في شعر التفعيلة بعنوان “على ركاب الجمهور”، فتوثقت الصلة بيننا، وكنا نتزاور أيضاً. كان يصر أن يأتي بنفسه إلى مكتبي، وكان يستقصي الأماكن، ويتلمَّس آفاق الإبداع في العالم، وكذلك كان الشاعر أبو سرور على شاكلته، كان محباً وشغوفاً بالسفر ومتماساً مع الحياة بكل تفاصيلها وهذا انعكس على قصيدته، في مجال الغزل، كانت روحه شابة، وكانت روحيهما محبة للحياة والتفاؤل والإبداع، وللجمال بكل معانيه.
س: هل تذكر موقفاً جمع بينك والشاعر عبدالله الخليلي؟
ج: في مطلع الثمانينات، أعلن الشيخ عبدالله الخليلي عن اعتزاله الشعر، في أمسية شعرية أقيمت في “المعهد الإسلامي” بالوطية، بمشاركة مجموعة من الشعراء، وفيه قرأ قصيدة الاستقالة، وأعلن اعتزاله عن كتابة الشعر، كنا نراه أنه الشعر ذاته، فكيف بالشعر أن يتوقف ويغادر الحياة هكذا، ويبقيها للجدب والمحل والخواء؟!، وكانت ردت الفعل أننا أقمنا حملة صحفية نناشده فيها بالعودة، وقلنا له: أنت روح الشعر، والشعر اختزال للجمال، فابق في كتابة القصيدة يا أمير البيان، وبدأنا بكتابة تحقيقات مع بعض الشعراء، يطالبون فيها بمحاولة إقناع الخليلي بالعودة إلى الساحة الشعرية، ثم أجريت معه حوارا قال فيه: أنا لم أقل أني أعتزل الشعر، الشعر في دمي منذ بدأت الكتابة الشعرية، ولكن فُسِّر كلامي تفسيراً غير دقيق، أنا لم أعتزل كتابة الشعر، ولن أعتزل أيضا كتابة القصيدة. وفعلا هذا الذي حدث، فالشيخ عبدالله لم يعتزل إلى آخر نفس في حياته، وما أشيع عنه بالاستقالة كانت مجرد فكرة وانجلت، ولعلها كانت استقالة مؤقتة لظرف نفسي مرَّ به، ثم حين استعاد أنفاسه عادت له روحه الشعرية من جديد، كانت أشبه بغمامة صيف انجلت.
س: هل ضاعت منك نصوص شعرية ومقالات خلال سنوات عملك بالصحافة؟
ج: نعم ضاع الكثير مما كتبت سابقاً، فقدته بسبب عدم اهتمامي به، كنت أكتب وأنشر، ولم يَدُرْ في خلدي حينها أن أحتفظ بنسخة مما أكتب، كنت أنشر في صحف خليجية وعربية، كالخليج والاتحاد، كما نشرت في صحف لبنان ومصر والجزائر، ولكني فقدت تلك المقالات التي كتبتها، وكان في مجملها مقالات فكرية واجتماعية وبعضها ذات بعد الفلسفي.
س: ماذا عن مقالاتك التي نشرتها في مجلة العقيدة أثناء إدارتك لتحريرها وإشرافك على ملتقاها الثقافي؟
ج: مما أتأسَّف عليه، أن المقالات التي كتبها خلال فترة عملي في مجلة العقيدة لم أحتفظ بها، لربما كنت أراهن أن تبقى تلك المقالات والنصوص الشعرية محفوظة في الأرشيف الخاص بالمجلة، واليوم لا أعرف ماذا حلَّ بذلك الأرشيف، وقد توقفت المجلة عن الصدور، ومما أذكره أنه كان للمجلة أرشيفاً مرتباً، وكنت من الناس المهتمين بترتيبه، خاصَّة المتعلق بالمادة الأدبية والثقافية المنشورة فيها، غير أنَّ ذلك الجهد أصبح بالنسبة لي من بين المفقودات.
س: هل حاولت أن تبحث عن بعض ما ضاع منك، لعل البحث يسفر عن نصوص لم تكن في الحسبان؟
ج: أغلب ما ضاع من نتاجي كان منشوراً في صحف ومجلات خارج السلطنة، وكانت تلك الكتابات تسجل لحظات تماسِّي مع تلك الأمكنة وجماليتها ومع البشر، لكنني وللأسف الشديد لم احتفظ بنسخ منها، كانت تتضمن حكايات عن تلك المرحلة، لكني لم أكن مهتما بالحفاظ عليها. وما يحزُّ في نفسي أن الكثير من موادي المفقودة، تحتاج إلى بحث وتقصي من مضانها القديمة التي نشرت فيها، وقد بدأ أولادي منذ سنتين بجمع نصوصي المتفرِّقة، فحصلوا على ما كتبته منذ عام 2010م وحتى اليوم، ولكن كثيراً مما كتبته سابقاً ما يزال في عداد المفقود، وأرجو أن نحصل عليها من أراشيف الكتاب الأصدقاء، الذين كانوا يتابعون المجلات والصحف خلال تلك الفترة، وما ليس مهما في السابق يصبح مهماً في اللاحق، وتلك البدايات والومضات يمكن أن تقام فيها دراسة بعد سنوات، ولدينا نماذج وأمثلة على هذا، ككتابات الأستاذ عبدالله الطائي، التي نشرها في الصحف والمجلات، حيث أصبحت زاداً ثقافياً للدارسين لأدبه.
س: هل لديك مشروع أدبي قادم يمكن أن تفصِح عنه، خاصة وأنك ما تزال تكتب الشعر، وتنشر بوحك الأدبي في مواقع التواصل؟
ج: نعم بدأت في تجميع مختارات من نصوصي الشعرية والنثرية، التي كتبتها في السنوات الأخيرة، ولم تنشر بعد في إصدارات، يتعاضد معي في تجميعها وتصنفيها أولادي، ومن ثم أقوم بالنظر إليها من جديد، وتنقيحها وتهذيبها، لنشرها في كتب، وقد تجمعت حصيلة من النصوص الشعرية، تزيد مادتها عن خمسة كتب، مع نصوص نثرية أخرى، تزيد عن كتابين أو أكثر، ويتكاتف معي في هذا العمل ولديَّ محمد ولبيد، وهما يعملان بكل جد وجهد على تجميع نصوصي ومقالاتي المتفرقة، وأرجو أن يكتمل المشروع قريباً، للدفع بها إلى دور النشر والمطابع، وسوف أعلن عن أسماء الكتب بعد اكتمال المشروع، وتأخذ طريقها إلى النشر. من جانب آخر لدي حرص كبير على أن أعود مرة أخرى للعملين الروائيين الذين كتبتهما سابقاً، أحدهما على وشك أن أنتهي منه، لكن المرض حال دون إتمامها كعمل روائي مكتمل، إحدى هاتين الروايتين سميتها “الملتبسون”، نشرت منها فصولاً في مجلة نزوى عام 2010م، وكذلك نشرت فصولاً أخرى منها في جريدة الزمن، وبرأيي أنها ما تزال بحاجة إلى اشتغال وإعادة نظر في كامل فصولها، لأن هناك مشاهد قد تطورت على صعيد المضامين التي تحملها الرواية، وكذلك على صعيد أسلوب اللغة وفنيَّاتها. والعمل الروائي الثاني سميته “شرفة خضراء”، وقد يتغير اسم الرواية إلى اسم جديد بحسب المعطيات والحمولات الثقافية داخل النصوص، (تغيَّر الاسم إلى “شاطئ الألمان”)، أما أماكن حدوث وقائعها فتدور بين مسقط والجبل الأخضر بمحافظة الداخلية، والزمان فيها مفتوح، غير أنه يتكئ على زمن الثمانينات أو قبل ذلك، وكذلك رواية “الملتبسون”، تنحو تفاصيلها إلى ذات الزمن، وهي مرحلة عمرية تمثل لي الألق والنشاط ووهج الشباب ونمو الأحلام.
س: هل تتابع الإصدارات الحديثة، وهل حالتك الصحية تسمح بمتابعة ما ينشر؟
ج: نعم أتابع باستمرار ما يصدره الكتاب والأدباء والشعراء، وحقيقة أشدُّ على أيدي من أجد لديه عطاء واعدا في مجال الكتابة، على صعيد اللغة والمضامين في أعمالهم المنشورة، وهناك أسماء تبشِّر بخير، سواء في مجال الكتابة الشعرية الحديثة، كقصيدة النثر أو التفعيلة أو الشعر العمودي، أنا لا أفرِّق بين هذه الأشكال الشعرية، فالشعر شعر، سواء أكان عمودياً أو تفعيلة أو قصيدة نثر، وكذلك بالنسبة للكتابات السردية، كالقصة القصيرة والرواية والكتابة المسرحية، وهذا شيء مفرح ومبهج، أن تخرِّج عمان أسماء أدبية جديدة، تكون رديفاً للتجربة الأدبية السابقة، وتدعم ما تم إنجازه من أعمال أدبية، على أيدي كتاب واعدين، أو على أيدي كتاب متحققين، أصبح لهم صيت ذائع في داخل السلطنة وخارجها.
س: قصيدة النثر، ماذا يعني لك هذا البوح الأدبي الجميل؟
ج: قصيدة النثر جاءت كخيار وجودي، ومقتنع بها من جميع جوانبها الفنية والموضوعية، والتاريخية، وهذا زمن الكتابة التي تحبذ مثل هذا النوع من الكتابة، كقصيدة الومضة والمكثفة، وذات الزخم اللغوي، والشعر الإشاري والتلميحي، بعيداً عن الديباجة اللغوية، لكنني أيضا أقرأ الأنواع الشعرية الأخرى، كقصيدة التفعيلة والعمودية، وأنا كتب العمودي والتفعيلة. قصيدة النثر أجد فيها متعة، وإفصاحاً للزمن الذي أعيشه، وكأنها تمثلك، مهما كبرت عمراً وسناً، ويمكن أن تتواصل من خلالها وتتصل بالعالم، حتى على صعيد الترجمة، ستكون التجربة أكثر سلاسة في الترجمة، القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة تفقد خصائصها المتعلقة بالوزن والقافية، هذه تبقى تحافظ على الروح ومضمونها وأبعادها، وما تشير إليه دلالاتها، وتحافظ على ما تشي به من أحداث وموضوعات، وما تكنه من هوية فنية وإبداعية. أنا أكتب الشعر المكثف، وأحيانا أكتب قصيدة التفاصيل ومنحاز للغة والايحاء أكثر من التصوير للواقع بما هو فيه.
س: برأيك ما سبب توقف بعض الأقلام عن الكتابة والنشر، خاصة المرأة؟
ج: العنصر النسائي في الإبداع الأدبي العماني، بدأ متوازياً مع الرجال، ومثلما قرأنا نصوصاً لشعراء، قرأنا أيضا في تلك البدايات نصوصاً شعرية لشاعرات، ولن أتحدث عن مرحلة ما قبل السبعين، إنما عن المرحلة التي عايشتها، وهي بداية الثمانيات، حيث بدأتْ الكتابة الإبداعية تدخل مرحلة النضج، واشتهرت أسماء، وأصبحت معروفة في الساحة، من بين الأسماء النسائية التي واكبت تلك البدايات وما تزال مستمرة على عطائها، الدكتورة الشاعرة سعيدة بنت خاطر الفارسية، ثم ظهرت في التسعينات وما بعد ذلك أسماء نسائية جديدة، بعضها توقف، وكانت لها بدايات مبشرة بإبداع لافت على صعيد الكتابة الشعرية أو السردية بأنواعها، حتى أصبحت الكاتبة العمانية تحتل مكاناً مرموقا بين الكاتبات العربيات والعالميات، وفوز الرواية المترجمة عن رواية “سيدات القمر” للكاتبة الدكتورة جوخة الحارثية، بجائزة مان بوكر العالمية، يعكس ما وصلت إليه الكاتبة العمانية من مكانة مرموقة في الكتابة الأدبية. بعض الكاتبات توقفن عن الكتابة والنشر لأسباب وظروف خاصة بهن، في الأغلب لها علاقة بظروف الحياة، وبعضهن ثابر وواصل المشوار، ومن بين الكاتبات اللائي قرأت لهن واطلعت على تجاربهن الدكتورة الشاعرة والناقدة فاطمة الشيدية، والشاعرة بدرية الوهيبية. أنا لا أميِّز في الكتابة بين الجنسين، فالشعر يبقى شعراً، سواء كتبه رجل أو امرأة، وما يكتبه هذا او تلك يظل أدبا خالداً، ونتاجاً بشرياً جميلاً، وكان يسير بتوازي، وتظهر أسماء جديدة ترفد المشهد الثقافي العماني، وتساعد على انتشاره في الخارج، ولكن لا ندري ماذا حدث بعد ذلك، فتلك الأسماء التي راهنَّا عليها لم تعد في الساحة، وكأنما الطيور هاجرت أغصانها إلى حياة أخرى بعيدة، وخبا وهجها الجميل، ولا أخصص في حديثي عن أسماء الكاتبات، إنما من كلا الجنسين، وكثير من الأسماء التي كانت مرادفة وكانت تكتب معنا، ومتوازية ومتوازنة أيضا في عطائها، لكنها اختفت، ولمعرفة أسباب غيابها بحاجة الى تحرِّي أكثر، حتى لا تتكرر هذه الفقدانات الأدبية.
س: هل حاولت كتابة سيرتك الذاتية، لتستذكر فيها بعض ما ضاع منك من نصوص ومقالات؟
ج: لديَّ شغف بكتابة سيرة ذاتية خاصة بي لتلك المرحلة، وأرجو من حالتي الصحية أن تساعدني وتعينني لتحقيق هذا الشغف، لديَّ بعض المقاطع كتبتها عن سيرتي الذاتية، أتمنى أن أعيد النظر إلى تنقيحها وإكمالها، فالذاكرة ما تزال خضراء والروح كذلك.
س: يتشكل في ذهنك حلما ما، ما هو هذا الحلم؟
ج: أحلام كثيرة تتراقص في مخيلتي وتسكن وجداني، فعلى الصعيد الإنساني العام، أحلم أن يعم السلام والوئام والخير للبشرية جمعاء، بدءا من عالمنا العربي المشتت والمهلهل، أتمنى أن يعود من جديد، بروح الحب والرغبة في بناء الإنسان العربي بناء فكرياً وثقافياً واقتصادياً، ليكون جديراً أن يقف بموازاة الشعوب الأخرى، وليس في دركها الأسفل، وكما هو الآن، مضعضع ومبدد ومتناحر ومتقاتل، كما أتمنى أن يعم السلام والوئام والخير على بلدي عمان، وأن يزداد صيت عمان لمعانا ووهجا وألقا ومحبة لدى الشعوب الأخرى، وما بدأته النهضة في عمان منذ خمسين عام أراهن أن يستمر بفضل روح الإخلاص والوفاء لدى الكثير ممن لديهم الحب والإخلاص لعمان، ولتطويرها وبنائها، والدفع بها عاليا لتصل إلى مصاف النجوم بإذن الله. وعلى الصعيد الشخصي، فأتمنى لأصدقائي المهمومين بالإبداع والفكر، الاشتغال على أنفسهم، في الجوانب العلمية والثقافية، الذين يسعون للحصول على المؤهل العالي، والمكتسبات العلمية، وأتمنى أن يصلوا إلى مستويات جديرة بهم عالمياً. وبالنسبة لأولادي، فلله الحمد والمنة، جميعهم موفقين دراسيا، من أكبرهم إلى أصغرهم، منهم من يدرس في جامعة السلطان قابوس، ومنهم من يدرس في إحدى جامعات كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ومنهم من يحمل شهادة بكالوريوس في مجال البحوث، وجميعهم ولله الحمد يسلكون طريق النجاح، وأسأل الله أن يحالفهم التوفيق دائماً، ويصبحوا من المبدعين في الحياة.