تاريخ مؤلم للأوبئة والأمراض في عُمان خلال القرنين الماضيين

أشدها فتكا الكوليرا وأجبرت الدولة على استراتيجية الحجر الصحي
صورة تعود لعام 1905 لمحطة حرامل للحجر الصحي تم تداولها خلال الأيام الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي

كتب: عاصم الشيدي

في كتاب صغير يحتفظ به والدي في صندوق قديم جدًا ثمة دفتر صغير (نوت بوك) يعود إلى أربعينات وخمسينات القرن الماضي، كان جدي يؤرخ فيه لبعض الأحداث التي تحدث في قرية شيدة بولاية صحم: من مواليد أبنائه وأقاربه، ووفيات رجال القرية ونسائها، وبعض الأحداث المهمة والفارقة في تاريخ القرية، وهذه عادة كانت موجودة بكثرة عند العمانيين، إما أن تكون في دفاتر خاصة أو أحيانا في بعض الصفحات البيضاء الأخيرة من الكتب والمخطوطات لندرة الدفاتر والورق في ذلك الوقت.
لم يكن جدي يجيد الكتابة ولكن كان يلجأ لمن يجيدها من أقرانه في القرية لكتابة تدوينات قصيرة تعطي معلومة مباشرة جدا بأقل الكلمات.
في إحدى صفحات ذلك الدفتر وردت عبارة قصيرة ومقتضبة شدتني عندما طالعتها تقول: (في سنة 1376هـ ستوت موته داخل الصغيرين، موته واجده)، ما يعني أن تلك السنة شهدت موت الكثير من أطفال القرية. ولما كان موت الأطفال شائعًا وليس مستغربًا في عُمان في ذلك الوقت، فإن كتابة مثل هذه التدوينة تشير إلى كثرة غير معهودة، ما دعا إلى (تأريخها) باعتبارها علامة فارقة من وجهة نظر الناس في ذلك الوقت.
يوافق هذا التاريخ تقريبا عام 1957م ورغم قربه منا نسبيا (63) سنة إلا أننا لا نجد في عُمان، حسب علمي، سجلا متسلسلا ومكتوبا لتاريخ الأوبئة والأمراض يمكن الرجوع إليه لتحديد الأمراض التي انتشرت في عُمان في ذلك العام لمعرفة سبب تلك الوفيات التي حصلت في قرية غائبة تحت سفوح الجبال.
فكرت طويلا في تلك العبارة وأنا أتابع أخبار وباء كورونا الذي يجتاح العالم في مشهد سريالي وغرائبي لا ينتمي إلا لأفلام الرعب، ووجدتني أبحث، صحفيًا، عن تاريخ الأوبئة في عُمان لرصدها. وكنت أعتقد أن الأمر سيكون سهلا ويسيرا، وأنني سأخرج بتقرير متكامل خلال ساعات، إلا أنني تفاجأت أن المكتبة العمانية تخلو من دراسات عن تاريخ الأوبئة التي مرت بالبلاد.
ورغم وجود أخبار متفرقة هنا وهناك، إلا أنها تبقى مقتطفات محتاجة إلى وضعها في سياقها العلمي وربطها بالمشهد العالمي، فالأوبئة عادة لا تبقى رهينة مكان واحد بل تنتشر في الآفاق بقدر حركة الإنسان وتنقله. وأغلب ما وجدته في هذا السياق مرتبط بالكتب الفقهية، والذي يأتي في سياق البحث عن الفتوى ورأي الدين في تلك الحوادث. كما أن القنصليات الأوروبية التي كانت تعمل في عُمان في تلك السنوات كتبت كثيرا عن الأوبئة التي اجتاحت عمان خلال فترات عملها، وهي مرجع مهم جدًا لتاريخ الأوبئة ورصدها في عُمان.أوبئة عمان في دورة أمريكيةوفي سياق البحث وجدت مقالة جميلة كتبها وليد النبهاني عن (تاريخ الوباء بعُمان في دورية صحية أمريكية) وجدتها منشورة في موقع جريدة البلد. إضافة إلى مقالة أخرى كتبها محمد بن حمد العريمي في موقع أثير الإخباري. الأولى ترصد الوباء في عمان كما ورد في دورية أمريكية رصدها الباحث الكويتي خالد فهد الجار الله في كتابه (تاريخ الخدمات الصحية في الكويت). أما الثانية فقد رصد فيها العريمي بعض تفاصيل الأمراض والأوبئة كما وردت في عدة كتب ومصادر، خاصة ما كتبه القناصل البريطانيون الذين عملوا في السلطنة منذ القرن التاسع عشر أو الأطباء الذين عملوا معهم في القنصليات.
ومع انشغال الناس بأخبار الوباء الجديد قامت هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بنشر صور لوثائق في حوزتها تتحدث عن بعض الإجراءات التي حدثت في عُمان للحد من انتشار الأوبئة التي كان مصدرها في الغالب الهند أو شرق إفريقيا. وفي تلك الوثائق اكتشفنا أن الحجر الصحي كان موجودًا في عمان منذ مطلع القرن الماضي، وأن قرية حرامل الساحلية كانت مكانا من بين تلك الأمكنة التي يعزل فيها المرضى أو المشتبه بهم. وإذا كان هذا العزل نظاميا بأمر الدولة وترتيبها، فإن استراتيجية العزل الصحي كان موجودا في القرى العمانية وبشكل خاص لمرضى الجدري والجذام.
وإضافة إلى الجدري والجذام التي كانت تستوطن المنطقة فإن أشهر الأوبئة التي مرت بعُمان وفق الوثائق المتوفرة وبائي الكوليرا والطاعون، على أن العمانيين كانوا يطلقون على أغلب الأوبئة التي لا يعرفون لها اسما (الطاعون).

الجدري يقتل السيد حمد بن سعيد

كتاب «الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين» والذي يرد فيه سبب وفاة السيد حمد بن سعيد بمرض الجدري

وتورد الوثائق أن السيد حمد بن سعيد ابن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي مؤسس الدولة البوسعيدية توفي بمرض الجدري في عام 1792، لكن لا توجد تفاصيل كثيرة عن الأمر.
وورد في كتاب (الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين) في الجزء الثاني (ص330) ما نصه (فلما أراد أن يمضي من مسقط إلى بركاء عند جَمْعِهِ، وبلغ إلى سيح الحرمل بمن معه من الرجال اشتكى الحمى، فلم يقدر على المسير، فرجع إلى مسقط، فاشتدت عليه، وظهر بجسده جدري كثير «…» وعاش بعد ذلك ثلاثة أيام). وأخبار الجدري منتشرة في الوثائق الفقهية العمانية وفي المراسلات الشخصية بشكل كبير. وكأن هذا المرض لم ينقطع في عمان هو والجذام.
ويعود أقدم ذكر لمرض الكوليرا في عمان إلى عام 1817 حيث جاءت قادمة من الهند على ظهر أحد المراكب التجارية.
وكانت الكوليرا في ذلك العام تفتك بالهند فتكا غريبا، حيث حصدت أكثر من 25 مليون هندي، وفق موسوعة ويكبيديا. لكن الكوليرا استوطنت عمان في القرن العشرين وحصدت من الناس أعدادا كبيرة جدا. ويعود ذلك في المقام الأول إلى أن عمان مفتوحة على مساحة بحرية كبيرة شاسعة، وهي على اتصال دائم بالعوالم الأخرى وبشكل خاص الهند. وساهم هذا في تلقفها لعشرات الموجات من الأمراض والأوبئة.
يقول الكولونيل جايكار من القنصلية البريطانية في مسقط: (أثبتت الصحراء العربية الممتدة التي تشكل واحدا من الحدود الطبيعية لعمان وتعزلها واقعا عن شبه الجزيرة العربية أنها دون شك المانع الضخم الذي يحول دون انتشار أي مرض وبائي ناحيتها برا، أما بحرا والذي يمثل القناة الوحيدة تقريبًا للاتصال مع دول العالم فقد كانت السفن الشراعية وأنواع أخرى من القوارب الوسيلة الرئيسية التي نقلت وباء الكوليرا لعمان).
(الكوليرا تجتاح بعض مناطق الخليج.. د. محمد الفارس، جريدة الخليج 2 نوفمبر 2012).

10 آلاف بسبب الكوليرا

يورد الدكتور عبدالله الحراصي في مقال منشور في مدونته حمل عنوان “عُمان في الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر: استعراض عام مع ترجمة لبعض النماذج” بعض ما رصدته الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر عن الأوبئة في عمان. ويترجم الحراصي في ذلك المقال ما نشرته جريدة “ذِ أوهايو ريبوسيتوري” على صفحتها الثانية في يوليو من عام 1822 الآتي “وردتنا أنباء فظيعة تفيد بأن مرض الكوليرا يعيث دماراً وخراباً في كل نواحي الهند [ويقصد بكلمة «الهند» هنا البلدان المطلة على المحيط الهندي والخليج]، حيث يموت 150 شخصاً كل يوم في البصرة ومن بينهم كبار التجار وغيرهم، ويبدو أن الساحل العربي قد أقفر بسبب هذا المرض فقد مات 40 ألف شخص في إقليم عمان، وقد لقي 10 آلاف شخص مصرعهم في مسقط والمناطق المجاورة لها خلال عشرة أيام”.
وتورد جريدة «هيورن ريفلكتور» في عددها الصادر بتاريخ 26 سبتمبر 1831 خبراً آخر عن هذا المرض وكيفية انتشاره إلى مسقط والخليج، وما زالت الترجمة والنقل من مقال الحراصي: “في يوليو 1821 وعبر التبادل التجاري بالسفن بين بومباي ومسقط في الجزيرة العربية تم تصدير العدوى إلى الأخيرة [مسقط] التي أتى فيها المرض على 60 ألف شخص، وقد لاقى الكثير منهم حتفهم بعد عشر دقائق فقط من إصابتهم بالمرض. وقد انتشرت الكوليرا الآن في أجزاء كثيرة من الخليج – البحرين وبوشهر والبصرة”. ويترجم د.الحراصي عن جريدة “ذ ريببليكان كومبايلر” في عددها الصادر بتاريخ 3 إبريل 1832 ما نصه: “في مدينة مسقط في الجزيرة العربية وصلت نسبة الوفيات إلى ثلث عدد السكان”.
كما تورد جريدة “ذ زانزيفيل ديلي كورير” إشارة إلى مرض الكوليرا التي أصابت عمان في أربعينات القرن التاسع عشر في مقال مطول ينقل فيه عن أحد الأطباء قوله إن المرض قد ظهر في مسقط، ومرّة أخرى نجد أن المدة الفاصلة بين الإصابة بالمرض والموت التام لا تزيد على عشر دقائق “. وفقا لترجمة الحراصي.

شواظا من لهب

 

وينقل الدكتور محمد بن حمد العريمي في بحثه عن الأوبئة في عمان مقولة للدكتور روز بنرجر وردت في كتابه (حكايات لرحلة حول العالم خلال الأعوام 1835 – 1836 – 1837م) وهو الكتاب الذي لم أستطع الحصول عليه. وكان بنرجر يتحدث عن وباء الكوليرا الذي أصاب عمان فقال: (في يونيو 1821م عندما قتلت الكوليرا 10 آلاف شخص من رعايا سلطان عمان كانت الحرارة وقيظ الصيف شيئًا لا يطاق وبدا لو أن الريح ترسل شواظا من لهب، حتى أنه في منتصف الليل كانت قراءة الترمومتر 104 درجات مئوية). كان ذلك في عهد السيد سعيد بن سلطان.

كتاب «سلطنة عمان في دليل الخليج» وهو ملخص ما يخص عُمان في دليل الخليج ل ج.ج لوريمر المكون من 30 جزءا

وفي عام 1865 أحدثت الكوليرا في عمان فناء كبيرا بين السكان وفق ما يذكره ج.ج لوريمر في كتابه (دليل الخليج). كانت الكوليرا قد وصلت هذه المرة على ظهر مركب قادم من زنجبار. وسرعان ما انتشر الوباء في عمان ومنها إلى بقية بلدان الخليج الأخرى. في يونيو من ذلك العام بلغ عدد الوفيات أكثر من 600 شخص في مسقط وحدها، أما صور فوصل العدد إلى 1700 شخص. استمر الموت في المدن العمانية حتى نهاية ذلك العام.
وفي عام 1897 انتشر وباء الطاعون في الهند. ونشرت هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية قبل أيام وثيقة موجهة من الميجر سي جي أف فيكن القنصل البريطاني في مسقط إلى السلطان فيصل بن تركي يعلمه بوصول رسالة من مسؤول ساحل مكران حول انتشار الطاعون، ويطلب منه المساعدة وإصدار أمر من جلالته بإرسال طبيب ماهر إلى جوادر للإشراف على إجراءات الحجر الصحي.
ويورد الباحث فهد الرحبي في كتابه (عمان في عهد السلطان فيصل) ص168 قوله: (في عام 1897 انتشر مرض الطاعون في الهند، مما استدعى السلطان فيصل إلى أن يتخذ إجراءات وقائية لمقاومة وصول المرض إلى عُمان وذلك بمساعدة القنصلية البريطانية في مسقط. فوافق في 13 يناير 1897 على إصدار قانون صاغته لجنة مؤلفة من الموظفين البريطانيين وممثل السلطان يطبق في مسقط وجوادر، وتمثلت تلك الإجراءات في منع نزول الأشخاص، غير البريد، من السفن التي تحمل مصابين بالطاعون أو حتى مشتبها بهم، كما اشترط على ركاب السفن السليمة بأن يحجر عليهم تحت المراقبة في مكان منعزل على ساحل قرية حرامل).

نتيجة هرب المحجورين
لكن الكوليرا عادت مرت أخرى إلى عُمان عام 1899 من الهند مرة أخرى. وينقل الرحبي في الكتاب نفسه عن مندوب القنصل البريطاني ما كيردي الذي تحدث في تقرير كتبه أن الوباء كان يصيب يوميا قرابة 300 شخص، ومات في ذلك الوباء الكثير من العمانيين. وكان المرض قد انتشر نتيجة هروب محجورين في جوادر قدموا لعمان. واستمر الوباء في عمان إلى عام 1900 حيث أمر السلطان فيصل بزيادة مدة الحجر الصحي إلى عشرة أيام.
لكن في العام نفسه حلّ بعمان وباء الطاعون الذي انتشر في ولايتي مسقط ومطرح. وكان الوباء قادما من كراتشي عبر جوادر. وإضافة إلى الحجر الصحي وافق السلطان فيصل على إدخال نظام التطعيم ضد وباء الطاعون.
وفي عام 1904 عادت الكوليرا مرة أخرى إلى عمان، ولكنها هذه المرة في داخلية عُمان، وفر الناس منها إلى مسقط، ما جعل السلطان فيصل يفرض عليهم حجرا صحيا. وربما كانت هذه الأوبئة التي حلت بعمان في عهد السلطان فيصل هي ما دعته إلى تأسيس مستشفى في مسقط والذي افتتح عام 1910 بعد أن تبرع له الكثير من تجار مسقط من العمانيين والهنود والأوروبيين المقيمين في مسقط.
رغم ذلك استمر وباء الكوليرا يعود لعمان بشكل مستمر. فقد انتشر ثانية في عام 1911 وبشكل خاص في شرقية عمان حيث قضى على أكثر من 250 شخصا في جعلان بني بوحسن وحدها. وفي هذا العام بالتحديد انتشر في عمان أيضا مرض الطاعون. ونجد في وثيقة نشرتها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية رسالة من القنصل البريطاني تريور إلى السلطان فيصل بن تركي يلتمس منه إصدار أوامره للعموم بشأن ضرورة تنظيف البلد ونظافة الشوارع والسكك من الأوساخ للحد من انتشار مرض الطاعون ويبلغه بأنه سوف يبلغ الرعايا الأجانب بذلك. كما يخبره بأنه مع حلول موسم الصيف يأمل أن يزول المرض لأن حرارة الشمس والهواء أثناء موسم الصيف تساعد في القضاء على المرض.طعن فتاك 

صورة ضوئية لصفحة من كتاب «عقد الدرر المنظوم في الفقه والآداب والعلوم»

 

وفي كتابه (عقد الدرر المنظوم في الفقه والأدب والعلوم) للشيخ سيف بن حمد الأغبري يرد دعاء طويل للأغبري وكان مناسبة الدعاء أن (حدث في وادي دما وما حولها من بلدان في عام 1341هـ) ما يوافق تقريبا 1922(طعن شديد فتاك) أي مرض فتاك (مكث فيهم ستة أشهر تقريبا وتوفي منه الكثير من الناس مما لا يقل عن أربعمائة نسمة وفق ما ورد في الكتاب قبل الدعاء. وكان الدعاء قد أعقب الصلاة حيث خرج الناس بصدقاتهم فارين إلى الله فصلوا وخطب فيهم الأغبري خطبة مطولة. ولا يعرف على وجه الدقة نوع ذلك المرض الفتاك الذي حل بوادي دما في ذلك العام ولكنه على الأرجح كان الكوليرا أيضا. أو ربما الإنفلونزا الإسبانية التي كانت بقاياها تجتاح العالم مسببة وفيات بالملايين.
ومن بين الأمراض التي انتشرت في عمان وفتكت بالآلاف منهم مرض الملاريا والتي هي على الأرجح التي فتكت بذلك العدد من الأطفال في قرية شيدة في ذلك التاريخ الذي دونه جدي في مذكرته الصغيرة.
واستمرت الكوليرا تجتاح عمان بشكل مستمر غير منقطع إلى أن دخلت الخدمات الصحية الحديثة في عمان في عهد السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- وانقطعت الأوبئة والأمراض المعدية بسبب تطور الخدمات الصحية.