نوافذ : مقاطع من الذاكرة عن الأمراض والأوبئة

عاصم الشيدي
assemcom@hotmail.com

«1»
لا تذكر أمي تماما ما إذا كنت قد أصبت بالملاريا في طفولتي أم لا، لكنها تتذكر جيدًا أن أخي خميس أصيب بها، وكاد أن يفقد حياته بسببها، ولذلك كثيرًا ما كانت تذكّرنا بمرضه وإشرافه على الموت، لكن خميس كتب له عمر آخر، وعاش حياة صحية جيدة، والحمد لله.
كان ذلك في نهاية ثمانينات القرن الماضي، في أوج المعركة الكبيرة التي خاضتها عُمان مع الكثير من الأمراض المعدية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، وبينها الملاريا التي فتكت بالملايين في العالم وبقيت في عمان إلى مطلع عقد التسعينات.
احتفظ ببعض ذاكرة من الطفولة عن مرض الملاريا، ولكنها ذاكرة غير مرتبة ومشاهدها غير مكتملة ولا أستطيع تحديدها على التعيين هل تخص أخي خميس أم هي لأحد من أبناء خالي.. فقد أصابت الملاريا غير واحد منهم. لكن ما زالت بقايا لصورة أطفال هُزال يصرخون ويتقيأون فيما تحاول أم تحريك الهواء الراكد باستخدام «مشبة» تقليدية في وقت لم تكن فيه الكهرباء قد وصلت إلى منازلنا. ثم يتداخل المشهد في بعضه البعض ولا أستطيع تبين بقية تفاصيله. أما اسم الملاريا فكان يتكرر كثيرًا في ذلك الوقت، بل إن الأمهات كنّ يعتقدن أن أي طفل يصاب بإسهال ويتقيأ هو مصاب بالملاريا من كثرة انتشارها وخوف الأمهات على أطفالهن منها.

«2»
كنت في الروضة عندما أصبت بمرض «تشكن بوكس» أو جدري الماء والذي يعرف معنا في ولاية صحم باسم «البلندو». أتذكر مشهدًا واحدًا مؤلمًا من مشاهد إصابتي بذلك المرض وكان جسمي مشتكًا بأكمله بحبوب جدري الماء. أصل من المدرسة، أدخل من الباب وأرمي بنفسي على حصير بالداخل وكأنني أعلن أن كل قواي قد انتهت ولا طاقة لي بمواصلة المشوار.. لم تكن الكهرباء قد وصلت بيتنا في ذلك الوقت من عام 1985. ويمكن تخيل أن يطغى بك جدري الماء في فصل الصيف. ما زال المشهد عالقًا في ذاكرتي، أراه وكأن كاميرا سينمائية تدور حولي وأنا ثاوٍ فوق حصير عند مدخل البيت أصارع الحمى وحرّ الصيف.

«3»
في عام 2009 عندما انتشر فيروس إنفلونزا الخنازير في العالم كنت لتوي قد التحقت بـ«جريدة عمان». وبدا أن خوفًا مبررًا يجتاح الناس في كل مكان، وكانت وكالات الأنباء وشاشات الفضائيات تبث لنا صورًا لأناس يرتدون كمامات طبية، وعمل في بعض المطارات بنظام البوابات الحرارية لاكتشاف المصابين بالفيروس. أصبت حينها بفوبيا الفيروس إلى درجة كبيرة.
أذكر أن أحد أعيادنا قد مرّ دون قبلات ولا أحضان وفق النصائح الطبية التي عززها الخطاب الديني في ذلك الوقت. في ذلك العام ذهبت إلى سوريا في مهمة عمل. كان عليّ أن أشارك في مهرجان طريق الحرير الذي كانت تنظمه وزارتا السياحة والثقافة في سوريا. وكان علينا أن نمر بأغلب المدن السورية. ترددت كثيرًا قبل السفر مع زيادة انتشار المصابين بالفيروس والتحذير من خطورة المطارات في عملية نقل الفيروس. أخيرًا تغلبت على خوفي وسافرت.
اشتريت عددًا كبيرًا من الكمامات الطبية التي كانت متوفرة بشكل كبير، ومعقمات، دخلت مطار مسقط وأنا أرتدي كمامة طبية، وأحمل في يدي علبة معقم، ركبت طائرة طيران الخليج وأنا أفكر من الذي يمكن أن يجلس إلى جواري، هل يمكن أن يكون مصابًا بالمرض، هل سيحاول أن يصافحني، أسئلة كثيرة دارت في ذهني وأنا أخطو أولى خطواتي إلى المطار. ومن مسقط إلى المنامة كان المشهد نفسه والتفكير نفسه. لكن عندما نزلت في دمشق لم يكن أحد في ذلك الوقت قد سمع بالمرض أو يتحدث عنه. وشيئًا فشيئًا بدأت الفوبيا تنتهي. وتنقلت في سوريا بين كل المحافظات تقريبًا، وعندما وصلت إلى مصيف جميل في محافظة طرطوس اسمه «مشتى الحلو» كنت قد تخليت تماما عن أي خوف أو فوبيا من إنفلونزا الخنازير، واستعدت لقضاء وقت ممتع وجميل في مكان استثنائي. لكن في الصباح كانت أعراض المرض قد بدأت تظهر عليّ، حمى، وسعال، واحتقان في الحلق، ووهن عام في الجسم. وليومين تقريبًا لم أغادر غرفتي في الفندق أبدًا. أخذت خافض حرارة ومضادات حيوية لكن الأمر لم يتحسن أبدًا إلا لساعات ثم عادت الأعراض مرة أخرى.
ومن مشتى الحلو نزلنا في تلك الرحلة الغرائبية إلى مدينة حلب، كانت الحمى تزداد كثيرًا واحتقان الحلق مستمر. أخذني المنظمون إلى مستشفى يتبع الكنيسة بالقرب من قلعة حلب الشهباء. وعندما قلت للدكتور إن الأعراض تشبه أعراض إنفلونزا الخنازير ضحك وقال لي: لا تهتم خنازير أو دببة.. إبرة واحدة ستشعرك بالكثير من الارتياح. في المساء كنت أجلس مع الأصدقاء في فندق المريديان وقد تلاشى كل شيء.

«4»
نعيش اليوم تفاصيل استثنائية مع اجتياح وباء كورونا العالم أجمع.. هذا مشهد لا يتكرر كثيرًا، ومن بقي منا على قيد الحياة سيشكل له ذاكرة خصبة في كل التفاصيل. وعسى أن نكون رواة للحدث لا ضحاياه.