كـورونا والاقتصاد… كيف نمنع الركود؟

بول رومر وألان جاربر – نيويورك تايمز – ترجمة قاسم مكي –

أحدثت كورونا (كوفيد- 19)، وهي الجائحة الأشد وخامة خلال قرن (مائة عام)، أزمتين صحية واقتصادية. لكن الاستراتيجيات التي تبنتها الحكومات للتعامل مع كل أزمة على حدة تناقض بعضها بعضا ويمكن أن تنتهي إلى فشل كارثي وطويل الأمد.
حقا المباعدة الاجتماعية (البقاء في البيت وتجنب الزحام والامتناع عن مصافحة الآخرين) إجراء طوارئ من شأنه أن ينقذ أرواحا. لكنه يوشك على وقف النشاط الاقتصادي.
في أثناء الركود العظيم (الذي بدأ بانهيار سوق الأسهم الأمريكية عام 1929 وهو أكبر كارثة اقتصادية في القرن العشرين- المترجم) كان حوالي 25% من القوة العاملة بدون عمل. وقبل عدة أيام وتحديدا في 17 مارس حذر وزير الخزانة الأمريكي ستيفن مينوتشين الكونجرس من أن معدل البطالة يمكن أن يصل إلى 20%. ولم تعد الأخبار الاقتصادية منذ ذلك التاريخ تأتي إلينا بخير . فهنالك أعداد متزايدة من السكان (حوالي واحد من كل أربعة أمريكيين) مطلوب منها البقاء في المنازل.
نعم يمكن أن تحول ضمانات القروض والتحويلاتُ النقدية المباشرة دون الإفلاسَ والتعسرَ في السداد. لكن هذه الإجراءات لن تعيد الإنتاج الذي نفقده عندما تمنع المباعدة الاجتماعية الناس من إنتاج السلع والخدمات.
من أجل حماية أسلوب حياتنا، نحن بحاجة إلى الانتقال في غضون شهرين إلى سياسة تستهدف وضع حد لانتشار الفيروس لكنها في الوقت ذاته تسمح لمعظم الناس بالعودة إلى العمل واستئناف أنشطتهم اليومية.
تستخدم هذه المقاربة استراتيجيتين تكملان بعضهما البعض: الاستراتيجية الأولى ترتكز على إجراء اختبارات تستهدف المباعدة الاجتماعية بدِقَّة أكبر. والثانية تعتمد على معدات وقائية تمنع انتقال الفيروس.
سيتطلب تبني هاتين الاستراتيجيتين توسعا كبيرا في إمكانياتنا لفحص الفيروس وإنتاج المزيد من معدات الوقاية الشخصية.
نحن بحاجة إلى الموارد وليس الاختراقات التكنولوجية لزيادة قدراتنا في إجراء الفحوصات. إذا ألزمنا أنفسنا بذلك ستواصل الابتكارات التكنولوجية خفض التكلفة وزيادة سرعة الفحوصات الحالية.
لقد استغرق إجراء الفحص عن فيروس كورونا في أماكن عديدة عدة أيام. وفي يوم السبت (22 مارس) ذكرت إدارة الأغذية والدواء الحكومية في الولايات المتحدة أنها ستسمح لشركة «سيفيد» وهي إحدى شركات وادي السيلكون بالشروع في بيع جهاز فحص تظهر نتائجه خلال 45 دقيقة. كما تعمل شركات ومجموعات أبحاث أخرى (من بينها شرلوك للعلوم الأحيائية والمركز الألماني لأبحاث العدوي) على إنتاج بدائل تتيح التوسع في استخدامها. وتطور مستشفيات عديدة فحوصاتها الخاصة بها.
يمكن أن تكون هذه الفحوصات الجديدة أقل كلفة وإجراؤها أكثر سهولة بحيث يصبح من الممكن فحص وإعادة فحص كل أحد وليس فقط من توجد لديهم أعراض الإصابة بالفيروس. وستمكننا الفحوصات المتكررة من التعرف على ناقل العدوى قبل أيام من ظهور أعراض الإصابة عليه وعزله.
يمكننا أن نبدأ بفحص عامة الناس أسبوعيا. وقد يكون من المعقول فحص العاملين في الحقل الصحي والخدمات الطبية الطارئة يوميا. ليست لدينا الإمكانية لذلك الآن. لكن كل ما يلزم للقيام بذلك أن تجعل الحكومة الفيدرالية (في الولايات المتحدة) فحص فيروس كورونا هدفا عاجلا وأن تتولى تمويل ذلك.
تتوافر الآن فحوصات لرصد وجود المضادات الحيوية لفيروس كورونا المستجد (لمن أصيبوا به). وإذا منح الشفاءُ مناعةً للمصاب كما حدث من قبل في حالتي فيروس سارس وميرس ستحدد لنا هذه الفحوصات الأفرادَ الذين لن يتضرروا من التعرض للفيروس أو لن يعرضوا الآخرين لخطر انتقال العدوي. وهؤلاء لن يكونوا بحاجة إلى فحص إضافي. ويمكن لكلا هذين الصنفين من الناس (أولئك الذين لديهم مناعة ومن لا يوجد لديهم الفيروس) العودة إلى أعمالهم واستئناف أنشطتهم اليومية.
علينا أيضا تقديم معدات وقائية لكل من لا توجد لديه أجسام مضادة لأن الآخرين يشكلون خطرا عليه. هناك عدد قليل من الناس ممن هم أكثر عرضة للإصابة بالفيروس. من بين هؤلاء الأطباء والممرضون ومن يستقبلون المصابين ويقدمون لهم الرعاية الطبية في البداية. في إيطاليا انتقلت العدوي إلى 20% من العاملين في الرعاية الصحية.
سيساعد الفحص الواسع النطاق على التعرف على المرضى الذين انتقلت إليهم العدوى ويمكن للمسؤولين حثهم على عزل أنفسهم. لكن بعضهم لن يستجيب. وسيكون المرض متمكنا من آخرين بحيث يلزمهم الحصول على عناية فورية. يجب أن يتوافر لكل العاملين في الحقل الصحي الحصول بسهولة على الكمامة والقفازات ورداء الطبيب وقناع الوجه.
لقد سبق أن حذرنا علماء الوبائيات منذ عقود بأننا في حاجة إلى مخزون (احتياطي) قومي كبير لمثل هذه المستلزمات بحيث تتوافر لدينا عندما تضرب الجائحة التالية. ولأننا فشلنا في الاستعداد لذلك سيلزم إنتاج كميات ضخمة منها الآن لتلافي النقص.
هنالك حاجة ملحة لمعدات وقائية كاملة. لكن استخدام المعدات الحالية مرهق. فارتداؤها وخلعها بطريقة آمنة معقد. على الحكومة أيضا فيما هي تعزز إنتاج المستلزمات التقليدية تمويل برنامج سريع لتطوير أنواع حماية جديدة وأفضل. وحين تكون هذه الحماية متاحة يجب أن نقدمها للعاملين في صد الجائحة وفق الأولوية التالية: أولا مقدمي الرعاية الصحية ثم الصيادلة ثم رجال الشرطة ثم الإطفائيين والقائمين على الخدمات العامة والإمداد الغذائي. ثم أخيرا بقية الناس.
وطالما ظل خطر التقاط العدوى مرتفعا سنحتاج إلى لوازم وقاية يرتديها ويخلعها بسهولة كل من يعمل أو يتسوق في بقالة. ودون انتظار لقدوم النظام الموسع للفحوصات علينا وضع هدف طموح يتمثل في تدبير معدات وقاية لحوالي 25% من العاملين خلال فترة شهرين و75% منهم خلال أربعة أشهر.
سيتطلب التوسع السريع بالمستوى الذي نحتاجه لتجنب حدوث ركود اقتصادي من الحكومة إنفاق تريليونات الدولارات. وسيكون الاستثمار في المعدات الوقائية وفي الفحوصات أفضل كثيرا لتحفيز الاقتصاد من العطايا والتحويلات النقدية.
في اقتصاد السوق تنجح الشركات في مقابلة الطلب الثابت على المواد الأساسية لكنها لا تخزنها توقعا منها لارتفاع الطلب عليها. وحيث إننا الآن نواجه نقصا في المعدات الوقائية نريد من الشركات زيادة إنتاجها اليومي منها أضعافا مضاعفة. لكنها ستكون مترددة في شراء الآليات الإنتاجية التي ستكون بلا عمل عندما ينتهي النقص ويعود الطلب إلى مستواه العادي.
يمكن أن تساعد على ذلك أعمال البر والإحسان مثل المساهمات التي تقدمها مؤسسة بيل جيتس. لكن الحكومة الفيدرالية فقط هي التي يمكنها تنسيق وتمويل الإنتاج الصناعي الذي نحتاجه لمواجهة الأزمة.
في الأجل الطويل ستكون لدينا في الغالب خيارات أفضل. ربما لقاح أو أدوية فعّالة. وفي لحظة ما ستجعلنا «مناعة القطيع» أكثر قدرة على السيطرة على تهديد كوفيد 19 عندما يتمتع عدد كبير من أفراد المجتمع بالمناعة بحيث يكون من المستبعد أن يلتقط الآخرون الفيروس أو أن يصرعهم. لكننا لا يمكننا انتظار ذلك والتعلل بالآمال.
أُشتُهِر جون مينارد كينز بمزحته التي قال فيها إننا، في الأجل الطويل، سنكون كلنا موتى. (استخدِمَت وصفة كينز لإعادة تنشيط الاقتصاد الراكد بالتوسع في الإنفاق الحكومي لزيادة الطلب- المترجم).

إذا حافظنا على استراتيجيتنا الحالية لقهر الفيروس بالاعتماد على المباعدة الاجتماعية العشوائية لمدة 12 إلى 18 شهرا سيظل معظمنا أحياء. لكن اقتصادنا سيموت.

  • الكاتبان رومر، حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2018 وأستاذ بجامعة نيويورك وجاربر، طبيب واقتصادي ووكيل جامعة هارفارد.