بعد أن تزول الجائحة .. تحدي الخروج من العزلة

د. عبدالعاطي محمد –

مما يؤكد أن المراجعة لكل قواعد اللعبة الدولية قادمة وحتمية هو أن الشعوب جاءت شاهدة وطرفا في الأزمة وليس الحكومات وحدها كالعادة في الأزمات الأخرى، وأما وقد استشعرت الشعوب أو عاشت الخطر بنفسها، فإنها ستواصل الضغوط وبقوة على الحكومات لإحداث التغيير في الكثير من هذه القواعد.

في خطابها إلى الأمة قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: إن بلادها تواجه أزمة لم تعرف لها مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية، هي انتشار فيروس كورونا المستجد، ودعت الشعب الألماني إلى التضامن والوحدة، وأن يتحمل القيود التي لم تكن تتوقعها ولا تتمناها لبلد يفتخر بأنه يمتلك أفضل النظم الصحية في العالم ولشعب يحرص على التقاليد الديمقراطية الغربية ومنها حرية التنقل والسفر.
ولم يبتعد القادة الغربيون الآخرون كثيرا عن مفردات هذا الخطاب، مما يعني أن انتشار الفيروس كان بمثابة صدمة صحية طارئة قاسية للغاية لأكثر الدول والشعوب تقدما.
ولأنه كذلك فمن المؤكد أنه حدث عالمي جلل، ولحظة فاصلة في مسار البشرية المعاصر، ليس بحكم تداعياته الخطيرة في الحاضر، وإنما لأنه من الأحداث التي لها ما بعدها من حيث الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والأمنية.
ألمانيا وبقية الدول التي انتشر فيها الفيروس وعددها فاق المائة والخمسين دولة مما نقل مسمى الأزمة من الوباء إلى الجائحة، اتخذت إجراءات عديدة لوقف تصاعد الإصابات والوفيات وفقًا لتعليمات منظمة الصحة العالمية، كلها صبت في اتجاه أن تغلق الدول الأبواب على نفسها بحثا عن الخلاص لشعبها من مرض فتاك غامض فاجأ العالم ولم يتح له علاج أو دواء.
وتحولت سياسات العزل للمصابين إلى توجه عام بالانكفاء على الذات أو تبني العزلة. وبالقطع بدا ذلك غريبا ومتناقضا مع ما اعتاد عليه الجميع من انفتاح سواء على مستوى الشعوب أو الدول، إلا أن العزلة لم تكن كاملة، ولا جاءت حرفية كما يشير المعنى لأول وهلة، فمن المؤكد أن حكومات الدول لم تعمل من فراغ، وإنما وفق تعاون وتنسيق وثيقين مع منظمة الصحة العالمية سواء بتنفيذ إجراءات الوقاية والاحتراز مهما كانت قسوتها على الحياة العامة، أو بتلقي المساعدات الفنية، وهكذا بدا المشهد في جانب منه تعبيرا عن تعاون جماعي بغض النظر عما قامت به الحكومات من إجراءات ذاتية (وطنية).
كما سارعت دولة مثل الصين إلى مد يد المساعدة لدول تعرضت لخسائر فادحة مثل إيطاليا وإيران.
ومن جهة أخرى خاطب أنطونيو جوتيروس حكومات العالم مشددا على ضرورة التضامن فيما بينها لوقف تصاعد انتشار الفيروس باعتباره أزمة إنسانية عالمية. وقال: إن الاستجابة الحالية، أي رد الفعل الراهن، على مستوى كل قطر لن تفلح في معالجتها، بل لا بد من إجراءات سياسية منسقة وحاسمة ومبتكرة من الاقتصاديات الكبرى في العالم، وذلك فيما يتعلق بمجال معالجة الطوارئ الصحية الراهنة، وبالتركيز على التأثير الاجتماعي والاستجابة الاقتصادية والتعافي (سياسات مواجهة التداعيات المالية والتوقف عن الإنتاج وزيادة البطالة وغيرها)، كما شدد جوتيروس على ضرورة الاستفادة من دروس الأزمة بالاهتمام مستقبلا بالطوارئ الصحية والاستثمار في الخدمات العامة الحرجة في القرن الحادي والعشرين.
ولكن خطاب الأمين العام للأمم المتحدة مر في الحقيقة مرور الكرام وبدا كأنه موقف لإبراء الذمة أكثر من كونه تأسيسا لتغيير في النظام الدولي الراهن، إما لأنه جاء متأخرًا للغاية (بعد نحو شهرين من بداية الأزمة)، أو لأنه لم يخرج عن الإجراءات المتبعة بالفعل أي لا يشكل جديدا، أو لأن الحكومات غارقة في كيفية التخلص أولا من الكوارث التي ترتبت على الأزمة، وعندما تفوق منها يكون لكل حادث حديث.
ومع ذلك وبرغم اللامبالاة بما جاء في خطاب الأمين العام للأمم المتحدة، فإنه يتضمن قضية لا تقل أهمية عن التعامل السريع الراهن من جانب الحكومات للسيطرة على الفيروس، وهي ما يتعين عمله مستقبلا، أي الاهتمام بحالة العالم شعوبا وحكومات في مرحلة ما بعد الخلاص والتعافي من المرض، حيث اتفقت كتابات الكثيرين من المحللين على أن الحدث له ما بعده.
فمن الصحيح أن ما يمكن تسميته بالاتجاه إلى العزلة له مؤشراته ومبرراته بل وضروراته أيضا باعتبار كل ما يتخذ من سياسات في إطاره هو بهدف وقف صعود معدلات انتشار المرض كخطوة أساسية لا غنى عنها (هي الممكنة وحدها في ظل الظروف الراهنة)، وذلك على طريق التعافي في أسرع وقت ممكن ارتباطا بالمحاولات السريعة جدًا للتوصل إلى علاج ولقاح.
ولكن في الوقت نفسه فإن هذا التوجه له تكلفته الباهظة بالنسبة لحياة الشعوب أجمع، ومراجعة سريعة لأرقام الخسائر المادية والمالية التي يدفعها العالم كل يوم مع بقاء الأزمة، كفيلة للتأكيد على أن الخروج من ضائقة العزلة الطارئة أمر لا مفر منه، ولكن هذا الخروج ليس سهلا أو يسيرا بل هو تحدٍ كبيرٍ لم يعرف له العالم مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية، وما قالته ميركل بهذا الشأن والمشار إليه سلفا يؤكد ذلك، فمثلما بدا الفيروس غامضًا للجميع مما جعل الغموض سببا في تعقيد الأزمة، فإن الخروج من العزلة والعودة للأوضاع الطبيعية يبدو غامضا أيضا من حيث الصيغة أو الإستراتيجية، ولكنه من حيث الهدف (التعافي والانطلاق مجددا) لا خلاف عليه.
الطريق إلى التعافي يتأثر كثيرا بمعطيات الأوضاع العالمية وقت وقوع الكارثة، ومن أهمها أن العالم عاش في السنوات الأخيرة على وقع خلافات شتى بين القوى الكبرى، وتراجع في دور الأمم المتحدة والمنظمات المتعددة الأطراف، وتصاعد في الاتجاهات اليمينية والشعبوية، مما يعني أن المناخ السياسي العام ليس مواتيًا للتضامن الذي تحدث عنه الأمين العام للأمم المتحدة.
لنا أن نتذكر على سبيل المثال لا الحصر، أنه حتى انفجار أزمة الفيروس بقليل كانت العلاقات الأمريكية-الصينية متوترة إلى حد كبير خفف منها اتفاقهما على حل للمشكلات التجارية بينهما، ولكنه جاء اتفاقا محاطا بالشكوك. وإذا بالأزمة الراهنة تجدد التوتر إلى حد التراشق بالاتهامات حول الطرف المسؤول عن ظهور الفيروس.
مسؤول صيني خرج على الناس بتوجيه الاتهام للجيش الأمريكي بأنه صدر الفيروس لبلده ضمن ما يسمى بالحرب البيولوجية، وردت واشنطن رسميا بالنفي، بل وصل الأمر بالرئيس الأمريكي ترامب إلى تحميل بكين المسؤولية عندما أصر على وصف الفيروس بالفيروس الصيني!!.
وبدت القصة مجالا للجدل في وسائل التواصل الاجتماعي بما يعني إشعال الخلافات على مستوى الشعبين الأمريكي والصيني والمستوى الحكومي. وتبارى الكثيرون من رواد هذه الوسائل في نشر رسائل وفيديوهات تركز على جانب المؤامرة في كل ما جرى، مما ألقى بمزيد من الزيت على النار في مشاعر الملايين من الناس التي انتابها الهلع.
كما وقعت الأزمة بينما أوروبا تواجه مشكلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من ناحية، واتجاه إدارة ترامب إلى زيادة حدة خصامها مع القارة العجوز، ومع زيادة انتشار الفيروس أغلقت الدول الأوروبية حدودها مع بعضها البعض في إجراء لا يتفق بالمرة بالطبع مع وحدتها. وربما بدت هذه التصرفات هينة قياسا بالتداعيات المريرة التي ضربت اقتصاديات العالم كله وتحتاج مستقبلا إلى جهود مضنية للخلاص منها.
هذا وغيره من مشاهد القلق والريبة، لا يبشر بأن الخروج من العزلة سهل أو يمكن أن يتم قريبا، فالعالم يدفع ثمنا باهظا لكل ما اعترى علاقات أعضائه في الماضي القريب من مشكلات وخلافات أيا كانت أسبابها سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، ولكن في المقابل لن يستمر الحال على ما هو عليه حيث لا يمكن القبول بتوقف الحياة كما هو قائم الآن. لم يحدث هذا المشهد الكئيب منذ الحرب العالمية الثانية، ولن يستمر. ولا تمثل الإجراءات الحمائية غير المسبوقة إلا وضعًا استثنائيًا أو مؤقتًا، ولكن أشكال التعاون بل وقواعد الصداقة ستختلف ليس فقط على مستوى الحكومات وإنما على مستوى الشعوب أيضا.
لا يعني ذلك أن الاستقطاب سيكون سيد الموقف، فقد عاش العالم هذا الوضع وجاءت النتيجة وخيمة، وإنما يعني أن السياسات الحمائية ستحل محل العولمة بشكل أو بآخر، ولكن بقدر من الضوابط والقيود التي يتفق عليها الجميع.
في هذا الإطار تتغير قواعد التنقل بين الحدود في اتجاه العمل بإجراءات احترازية لها صفة الدوام وبرضى الجميع. ويصعد الاهتمام بمواجهة الطوارئ الصحية إلى قمة الأولويات الوطنية. ولن تعمر طويلا النزعات الشعبوية والعنصرية لأنها لن تجدي نفعًا، فقد كانت قائمة ولم توفر النجاة لأصحابها.
ومن الأرجح أن يتراجع تأجيج الأزمات الإقليمية أو إبقائها على حالها دون حل، لأن ذلك يصرف الانتباه عن توجيه الموارد إلى العناية بصحة الإنسان عموما وتجنب المفاجآت الصحية الطارئة.
وتتغير الثقافات خصوصا بالنسبة للنظر إلى الأعمار السنية الأفضل، ولأعداد السكان وتوزيعاتهم الجغرافية.
ويحتاج الأمر إلى جهد من الخبراء والعلماء والسياسيين أيضا يزيل اللغط فيما يتعلق بمسألة المؤامرة في هذه القضية حتى تعود الثقة إلى النفوس ويعتدل المزاج العام عند الجميع.
لقد اتضح أن (العدو الخفي) ظل غامضا على الكثيرين ممن حصروه فقط في الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية، بينما هو كامن في كل ما يهدد الصحة العامة للبشرية جمعاء.
ووفقًا لما جرى، من الخطأ تصور إمكانية أن يصيب خطرا من هذا القبيل قطاعا بعينه فقط من المعمورة ومن ثم تصور أن القوى الكبرى قادر كل منها على أن تواصل صراعها مع بعضها البعض طالما تتمكن من تحصين نفسها منه بحكم ما لديها من إمكانيات. فقد اتسم الفيروس الجديد بكونه جائحة أي شمل عددا ضخما من دول العالم وليس دولا بعينها كأي وباء معتاد.
ومما يؤكد أن المراجعة لكل قواعد اللعبة الدولية قادمة وحتمية هو أن الشعوب جاءت شاهدة وطرفا في الأزمة وليس الحكومات وحدها كالعادة في الأزمات الأخرى، وأما وقد استشعرت الشعوب أو عاشت الخطر بنفسها، فإنها ستواصل الضغوط وبقوة على الحكومات لإحداث التغيير في الكثير من هذه القواعد.
وليس من المستبعد أن تتشكل حركات اجتماعية لها امتداداتها العالمية تتبنى طرح أفكار جديدة في هذا الاتجاه، وبالطبع لن يكون الأمر سهلا أو توقع أن يحدث قريبا، ولكنه قادم لا محالة.