الحضارة الروسية.. جبروت الزمان والمكان

إميل أمين : كاتب مصري –

يوما تلو الآخر تثبت روسيا أنها الامبراطورية التي تمثل الرقم الصعب على خارطة الشطرنج الإدراكية، الامبراطورية التي هزمت عند أبوابها الممالك والدول الكبرى، فقد كتبت نهايات نابليون بونابرت، بنفس القدر الذي كتبت به نهاية اودلف هتلر. تبدو اليوم روسيا لا سيما إزاء المحن المعاصرة، دولة فتية قوية تسعى لاستنقاذ مواطنيها وأصدقائها حول العالم، وتكاد تماثل طائر الفينيق الذي يستيقظ من رماده بعد أن يظن الجميع انه ذهب إلى غير رجعة. ولعل افضل من خبر مؤخرا عن روسيا في مؤلف جامع مانع، البروفيسور “سهيل فرح” اللبناني الأصل، الروسي الجنسية، احد ابرز الوجوه الأكاديمية والفلسفية على الساحتين العربية والروسية على مدى العقود الماضية، والحاصل على وسام روسيا للصداقة الذي قلده إياه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2011، وهو العام الذي تم فيه اختياره شخصية العام في ميدان العلوم في روسيا. شغل البروفيسور سهيل فرح العديد من المناصب العليا في روسيا كرئيس للجامعة العربية المفتوحة لحوار الحضارات، ولا يزال، ورئيسا لتحرير القسم العربي لموقع روسيا العالم الإسلامي، ونائبا لرئيس المعهد العالمي لبيتريم سوروكين ونيكولاي كونرانوف، ويضيق المسطح المتاح للكتابة عن ذكر أهمية الرجل. والشاهد أن من يتطلع لسبر أغوار روسيا في الماضي والحاضر، عليه بهذا الكتاب العمدة الذي لا يوجد مثيل له في المكتبة العربية، لاسيما وان الحضارة الروسية قد أثرت في ثقافات العالم غربه وشرقه بقيم وخيارات إنسانية سامية، منها التسامح، التنازل، والجماعية، والوحدة، والسلام، وهذا ما غدا بالحضارة الروسية إلى ريادة المشهد الثقافي الإنساني. يضيق المسطح المتاح للكتابة عن الإحاطة بهذا العمل الموسوعي الكبير الذي يقع في نحو ثلاثمائة وخمسين صفحة، عبر سبعة فصول يتناول الأول منها فكرة سلطة المكان من خلال المدى الجغرافي وخصائص الطبيعة وقوة الإرادة والجغرافيا الروحية للروس، فيما الفصل الثاني يحمل عنوان أسئلة الذاكرة التاريخية، ويساءل عن روسيا في سياق النظريات الحضارية، عطفا على إشكالية التاريخ في الحضارة الروسية، وفلسفة التاريخ الروسي. الفصل الثالث رؤية للمكونات الإثنية والدينية للشخصية الروسية، ويتوقف فيه المؤلف عند الدين في المجتمع الروسي، وهذه نقطة غاية في الأهمية سيما وان الكنيسة الأرثوذكسية الروسية مثلت الحاضنة التاريخية لروسيا على مدى الزمان، إضافة إلى الحديث عن دور الإسلام في التركيبة الروسية. الفصل الرابع ربما يحق لنا أن نطلق عليه اكثر فصول هذا الكتاب المثير والخطير أدلجة، لا سيما وانه يتعاطى مع العقلية الروسية معالمها النظرية وتجلياتها الحياتية، وهنا يدور الحديث عن العقلية الروسية بأي معنى، والسلوك النفسي عند الروس، بجانب القيم الروسية بحسب نظرة الداخل. لم يكن للمؤلف الذي يحمل بين اضلعه ضميرا روسيا حيا وشفافا أن يغفل الطاقة الابداعية الروسية المتمثلة في عظماء روسيا مثل بوشكين الشاعر الاكثر قربا الى الوجدان الثقافي، او دوستويفسكي وفكرة روسيا، وغيرهما من الذين شكلوا الافق الروحي لروسيا العمى، في الفصل الخامس. فيما الفصل السابع فيتناول قضية المصطلح الأكثر حداثة في الأعوام الأخيرة” الجيوبولتيك “، وعلاقته بالطاقة الروسية، وفيه كنز معرفي عن الجيوبولتيك الروسي بين الشرق والغرب، والانتلجنسيا الروسية وماهيتها ووظيفتها، عطفا على روح البطولة الروسية أمام تحديات الخصم. أما الفصل السابع والأخير فعنوانه روسيا بين تحديات العصرن والعولمة، ويبدأ من عند أين تعثرت وأين نجحت العصرنة في روسيا، والمرور بالحضارة الروسية في زمن العولمة الثقافية، وسؤال التاريخ والمستقبل في الفكرة الروسية، وختاما بالمؤشرات المستقبلية لتطور الحضارة الروسية. يتساءل المرء متحيرا كيف امكن لمفكر واحد أن يتناول هذه الأطروحات العميقة بجزالة الفكر ورصانة الاستقراء وبعد الرؤية، ما يجعل من هذا الكتاب مرجعا لكل من يريد الاقتراب من روسيا وفهم أبعادها الثلاثية عبر الزمن، الماضي والحاضر والمستقبل. في مقدمته الجامعة المانعة للكتاب يبين لنا المؤلف كيف أن هذا العمل يقيم منظومة القيم، التي حملها الروس في تاريخهم، يحاول دراسة التجارب والفتوحات، التي قامت بها الأجيال الروسية، في المجال الروسي. يسلط الضوء على الإرث الثقافي والعلمي والروحي، الذي تركته الشعوب الروسية عبر التاريخ في نقاط انتصاراتها وتعثراتها. يركز على دراسة الإرث الذي تمثل ويتمثل في وعي الروس لقوانين التطور وقوانين الطبيعة والمجتمع، في الفهم الوجداني والسلوكي لأنماط التفكير والسلوكيات، يسلط الضوء على حصيلة القواعد النفسية، والمثل والمحفزات (السلوكية النفسية، الأيديولوجية، الدينية )، يرصد طرق نقل التراث الثقافي وأشكاله من جيل إلى آخر. ولعل السؤال الذي يطرحه القارئ غير المتخصص في التاريخ الروسي: ماذا عن منظومة القيم التي تشكل النسيج المجتمعي الجبار لهذا الشعب العريق؟ قبل الجواب نسترجع قصة شهيرة جرت بها المقادير مع إمبراطور فرنسا نابليون بونابرت حين حاول غزو روسيا، فقد وقع بين يديه بعض الأسرى، وجرت عادة الفرنسيين على دمغ يد الأسير بخاتم نابليون كي يبدو انه أسير ذليل لفرنسا. حدث ذات مرة مع فلاح فرنسي هذا الأمر، فما كان منه إلا أن استل فاسه الحاد، وقطع يده بيده، مع صيحة دوت في معسكر نابليون..”كلي لقيصر”، وساعتها عرف نابليون انه من فائدة لمحاربة دولة هذا جيشها، وذاك نسيجها المجتمعي ومنظومتها القيمية. في كتابه الطلعة هذا يحدثنا البروفيسور فرح عن الجانب الاكسيولوجي (القيمي)، في الشخصية الروسية وعنده أن الباحث عن المساحات المشتركة بين الأمم والحضارات، يشعر بنفسه وكأنه غريب، يغرد في عالم غير هذا العالم، الذي تسود فيه “قيم” الحضارة المادية الاستهلاكية والتي تدعمها رباعية المال والقوة والسلطة والمعرفة. يتوقف بنا المؤلف المبدع أمام أكاديمي ومفكر روسي تعاطى بشكل عميق مع منظومة القيم الروسية، الروسي نيكولاي نيكاندرف، والذي يستقي منه عينة فكرية من الأفكار التي تسلط الضوء على جوانب متنوعة من منظومة القيم الروسية التي حبكها، والتي تصل إلى الأربعين قيمة. يعتبر نيكاندروف روسيا في المرحلة السوفيتية بمثابة الخروف الضال الذي شرد عن الساحة المسيحية والدينية العامة، ويركز على الطابع الروحاني لقيم المجتمع في جوهره الأخلاقي والإلهي والكوني، ومن هنا يأتي حديثه المستفيض عن ابرز المعاني والمقولات التي أتت بها تعاليم المسيحية والإسلام وسائر الأديان الناشطة في الديار الروسية. هذه المبادئ التي ذكرها الكاتب وصلت إلى الأربعين قيم أبرزها: التعاطف، الشعور بالأمل، الشعور بالأمان، الرغبة في التواصل، المروءة، قوة الشكيمة، المبادرة، العلاقة الدينامية بالحياة،العدل، الإيمان، الإخلاص، الشعور بروح الزمالة، القدرة على التسامح، حب الصداقة، التهذيب، النفس الأبية، الاندفاع للمساعدة، الشرف، الطمأنينة الداخلية، التفاؤل، الطيبة، المحبة، الإصغاء للآخر، الصبر، السلام، الثبات على الرأي والموقف السليم، الاعتماد على المشيئة الربانية، الطموح، التوبة، احترام الوسط المحيط، الشعور بالمسؤولية، القدرة على تنظيم السلوكيات الخاصة، القدرة على مبادلة المعروف، الاستعداد للثقة، الرجاء، الحكمة، تقديس الله رب الأكوان. هذه المبادئ على بساطتها وعلى تردادها المتواصل في كل الكتب السماوية والأرضية، والحديث للبروفيسور “نيكاندرف”، نحن في امس الحاجة لها الآن، في ظل هجوم قيم العولمة الاقتصادية والثقافية التي تعتبر كل هذه المبادئ والقيم كلاما عتيقا مضى عليه الزمن. هل يعني هذا أن روسيا دولة يوتوبية ومدينة فاضلة بحث عنها الفارابي، وشاغبت عقل دانتي الليجيري؟ بالقطع لا بالمرة، اذ تظل في كل الأحوال مجتمعا بشريا له ما له وعليه ما عليه، لكن الفارق أن لديها رؤية وكتابا للقواعد الأخلاقية ترجع إليه من خلال كتابات الفلاسفة والمفكرين، الأدباء والفنانين، رجال الدين والمتصوفين. فارق كبير وشاسع بين أسس ذات ملمح وملمس روحاني وإنساني، وبين عولمة لا تعرف إلا قواعد الرأسمالية المتوحشة، والكسب السريع، والهيمنة على مقدرات الآخرين، من غير أي ضوء على الطريق يعين ويساعد البشر على ترقيتهم على كافة الأصعدة الحياتية. نقطة أخرى ربما تقودنا إلى فهم نجاحات روسيا المعاصرة لا سيما في زمن فلاديمير بوتين، إنها فهمها العميق لأوضاع الجيوبولتيك الراهن والعلاقة ما بين الجغرافية والسياسية والتحركات التي تطرا على العالم المعاصر لا سيما في العقود الثلاثة الأخيرة. باختصار غير مخل في الجيوبولتيك الروسي المعاصر أو الراهن هناك سلم أولويات بحسب البروفيسور فرح، يبدأ بالتركيز على الاستتباب السياسي والأمني والاقتصادي على المستوى الداخلي، لينتقل خارجيا إلى التركيز على الدائرة الاوراسية الصغرى المحيطة بروسيا. من جهة الشرق والغرب والشمال والجنوب، ليتوسع بسلم اهتماماته وتوجهاته ليشمل الدائرة الأوروبية بشقيها الغربي والشرقي، وليطل بحركته الأفقية وشبكة علاقاته العمودية نحو الشرق، بكل تفرعاته الأوسط والأدنى والأقصى، وتتوسع الدائرة لتطال الكوكب بأسره، تضع هذه النظرة الجيوسياسية الروسية الكوكبية الولايات المتحدة بما تحمله من ثقل جيوسياسي كوكبي في مركز هواجسها واهتماماتها. هل لهذا باتت الاستراتيجيات الحديثة لحلف الناتو كما رأينا في مؤتمره الأخير في لندن أواخر العام الماضي، تعيد موضعة روسيا في مقدمة الدول المهددة للحلف وأعضائه بجانب الصين؟ احد الأسئلة المثيرة للتفكير بعد القراءة المعمقة لكتاب البروفيسور فرح غير الاعتيادي في أهميته: “هل الروسي المعاصر استطاع أن ينجو مرة والى الأبد من خطايا العولمة وآثامها”؟ بالقطع تبقى التجربة واردة وحاضرة، لكن ما يعطي روسيا المزيد من المناعة هو وجود ضمائر حية في المؤسسات الروسية العريقة التي تختزن مخزون مقاومة ثقافية وروحية كبيرة ودور الذوات المفكرة في كل المواقع الرسمية وغير الرسمية هو الكفيل في كبح جماح هذا الوحش الذي لا يهدد الإنسان الروسي لوحده بل كل إنسان عاقل حكيم على هذا الكوكب. السؤال المحوري الذي يتصدى له المؤلف ما هو مصير روسيا؟ والجواب، مصير روسيا المشرق رهن في اجتهاد العقل العلمي وفي تطهير النفس من إغراءات الغريزة المنفلتة والسلطة المستبدة، رهن تنشيط الخيال في رسم الملامح الابداعية لإدارة المكان والزمان ولمساعدة الطاقات الابداعية الظاهرة والكامنة، في الذهنية والسلوكية الروسية من أجل أن تفكر وأن تسهم بشكل فعّال في إنتاج قيم مادية وثقافية جديدة. الحضارة الروسية جبروت الزمان والمكان خارطة طريق في واقع الحال لحكومات العالم العربي بنوع خاص ولبقية المؤسسات العلمية والتعليمية الراغبة في فهم أبعاد الحضور الروسي حول العالم امس واليوم وغدا.