كورونا .. ومستقبل العالم

محمد جميل أحمد –

يكاد الجميع حول العالم يتفق اليوم على أن عالم ما بعد كورونا لن يكون كما كان قبله، وإلى الأبد.
وبصورة أو بأخرى، ربما كان يتعين على العالم أن يختبر اختبارًا قاسيًا كي يلتفت إلى طبيعة أصلية في البشر، وهي طبيعة غالبًا ما تصورها أوهام الإنسان كما لو أنها حقيقة.
ونعني بذلك، الغرور بالقوة التكنولوجية التي بلغ بها الإنسان الحديث مبلغًا أنساه طبيعة الضعف والنقص الأصليين في وجوده. وظهور كورونا على هذا النحو الذي حبس فيه العالم أنفاسه لأول مرة منذ عقود طويلة أعاد إحساسًا قويًا بالعجز الأصلي للبشر من طبقات ذاكرة قديمة قفزت فجأة لتستعيد أزمنة سحيقة ربما ظن الإنسان الحديث أنه قد تقاطع معها وإلى الأبد! لطالما تكهن بعض الفلاسفة بمستقبل العالم في ضوء المعطيات المتصلة بالعولمة وثورة المعلوماتية والاتصال، من خلال ملاحظاتهم لملامح أفول نجم الدولة القومية المعاصرة التي انتظمت الوعي الجماعي للبشر في الأزمنة الحديثة وسكَّنت كثيرًا من التناقضات الدينية والعرقية التي امتصت دماء البشر لقرون طويلة ولم تتم عقلنة أسباب الحرب والسلام إلا بعد صلح وستفاليا في عام 1648 الذي أسس للحداثة السياسية.
ولما كان واضحًا أن خيارات النفوذ المتوسع للعولمة تأتي على حساب مساحات نفوذ الدولة القومية، فيما زامن ثورة الاتصال والمعلوماتية ظواهر أخرى ارتبطت بها بصورة من الصور كظاهرة الإرهاب، أصبح مؤكدًا أن جشع الشركات الكبرى لن ينتهي إلى ساحل، فيما بدت قوة تلك الشركات العابرة للقارات ذات هيمنة كبرى.
لهذا يمكننا القول: إن انسداد الأفق الذي كان واضحًا للفلاسفة لم يكن متصورًا، في الوقت نفسه، ما سيكون قادرًا على كبح جماح قطار العولمة الذي بدا لكثيرين قدرًا غلابًا ليس من سبيل سوى الاستسلام له.
وفيما ظن الإنسان الحديث أن محطة ضعفه البشري والفيزيائي كانت إحدى المحطات التي قطعت معها علوم الحياة في الأزمنة الحديثة مع عالم العصور الوسطى، عندما كان العجز عن مقاومة الأوبئة من قبل الإنسان علامةً فارقة لضعفه، فجأة ظهر وباء كورونا ليهز الثقة بقوة الإنسان الحديث في صميمها!
فما تشهده مدن العالم اليوم من حصار لمرض خطير أصبحت معه تلك المدن عاجزة عن مقاومته إلا بالمقاومة السلبية؛ سيظل يذكر الإنسان بأشياء كثيرة كان قد تجاوزها بأوهامه عن ذاته القوية.
ولعل من أهم المراجعات التي سيتكشف عنها عالم ما بعد كورونا، هو التفكير في إعادة الثقة بنظام الدولة القومية الحديثة التي رأينا كيف اهتز لديها مفهوم الحدود حين عجزت دول كبرى في أوروبا عن الاستعانة بشركاتها وآلياتها في أوقات الحاجة الطارئة إليها نظرًا لوجودها في المجمعات الصناعة الكبرى بعيدًا عن حدودها القومية (في الصين) وإن كانت ضمن حدودها الافتراضية في الوقت ذاته!
كما أن إعادة التفكير في المشترك الإنساني والكوكبي في هذا العالم الذي ترابط مع بعضه حتى كاد أن يكون قريةً واحدة في الوقت ذاته الذي بدا فيه الناس أكثر اغترابًا بذواتهم عن بعضهم البعض.
لقد بدا واضحاً من خلال درس كورونا المستمرة، أن ثمة نسبة وتناسب كبيرين في الحظوظ المشتركة التي تمسك هذا العالم من أجل العيش مع بعضه البعض، ولم يكن صدفةً أن الإرهاصات التي كشف عنها صعود موجة الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة لم تكن تفصيلًا في المصائر التي رسمتها ولوحت بها، (لا يمكننا مثلًا أن نتفادى تأثيرًا لانتصار الشعبويين الإيطاليين بحيث يخلو ذلك التأثير من انعكاسات في أولويات إدارة الدولة وفق منطق شعبوي، نرى مفاعيله اليوم في عدم الاكتراث الذي بدا في إيطاليا لخطورة فيروس كورونا) مع أن إيطاليا تمتلك نظامًا صحيًا متقدماً في أوروبا، كما نرى تأثيراً مماثلاً في بعض أولويات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حين خفض ميزانية البحث العلمي في الولايات المتحدة، وهو ما بدا تأثيره فادحًا في الواقع الذي تشهده الولايات المتحدة تحت وطأة فيروس كورونا! بحيث توشك أن تكون البؤرة الثانية في نشاط الفيروس بعد أوروبا.
لن تعود عجلة الزمن إلى الثمانينات بالطبع بعد مرحلة كورونا، ولكن لا شك أن العالم أدرك الخطورة التي كان يسير عليها في قطار العولمة نحو المجهول.
ما حذر منه فلاسفة كبار من أمثال عبدالله العروي حول ارتخاء سلطة الدولة الحديثة أمام تغول العولمة وتوحشها يبدو أن التنبيه الصادم إليه اليوم سيكون كافيا في ظاهرة فارقة كظاهرة كورونا. أي في كونها اللحظة التاريخية التي تعيد تذكير العالم بالمرتكزات التي أخذت هويتها من الحداثة السياسية.
وإذ يبدو أن ما بعد كورونا سيكون مرحلةً فارقةً في إعادة النظر حيال الكثير من مفردات ما بعد العولمة، فإن من المقتضيات المنهجية التي سيأخذ التفكير فيها مسارًا عقلانيًا هي فحص مغزى الضربة القاسية لإعصار كورونا، أي في كونه إعادة اعتبار لمشترك إنساني ضروري لا يمكن القفز عليه في المستقبل.

جريدة عمان

مجانى
عرض