التشريعات الإسلامية وضعت الأطر الوقائية للحماية من الأوبئة والكوارث

الأخذ بأسباب الوقاية والعلاج –

د. صالح بن سعيد الحوسني –
«ودائما نجد في التشريعات الإسلامية ما يكون وقاية وحماية وعلاجا للكثير من الجوائح والكوارث التي قد تعصف بالبشرية، والتي من خلالها تظهر حكمة هذا الدين ومناسبته لفطرة الإنسان وعلاجه للمنعطفات والنوائب التي تصيب البشرية، وما يقع في ثنايا هذا الكون من أحداث مختلفة»

جعل الله هذه الأرض مستقرا لهذا الإنسان طيلة بقائه فيها، كما قال تعالى: (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين)، ومن حكمة الله تعالى أنه يبتلي هذا الإنسان بمختلف أنواع الابتلاءات لينظر كيف يتصرف هذا الإنسان وفق ما يأتيه من قضاء الله وقدره كما قال تعالى: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون).
ومن طبيعة الحياة وقوع الابتلاء الذي هو سنة مطردة في الخلق في كل زمان ومكان، كما قال تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم)، بل إن الحياة بأسرها ابتلاء واختبار، قال تعالى: (.. الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور)، فلا يخلو أحد من الناس من مصيبة تلحقه، أو كارثة تقع عليه، أو محنة تلم به، أو فقد قريب أو عزيز، أو خسارة في مال، وهكذا هي سنة الله في خلقه، كما قال تعالى: (ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين..).
وإن كان هذا البلاء أمرا عاما لكل الخلق فإن صفوة الخلق من عباده؛ وهم الأنبياء والرسل الكرام كانوا أشد الناس تعرضا للمحن والشدائد، فهم في مقاومة متلاحقة وجهاد متواصل مع ما يلقونه من عنت أقوامهم وشدة استكبارهم وعدم رضوخهم لكلمة الحق، كما قال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين)، ويقول في شأن نبي هذه الأمة محمد صلى الله عليه وسلم: (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون..)، ويصف حاله من الحزن على إعراض قومه عن عدم إيمانهم بكتاب الله فقال تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا)، وهكذا هو صفوة الخلق في محن وشدة كما أخبرنا الله عن نبي الله أيوب عليه السلام: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين).
ومما قد يقع كذلك أن ينتشر وباء معين في بلد أو مكان معين بل قد يتعدى الأمر وينتشر في كل العالم كما هو حاصل في هذه الأيام من انتشار وباء كورونا الذي هو لا يعرف حدودا أو فواصل أو فئات معينة بل هو وباء بدأ في بقعة صغيرة فإذا هو يغزو العالم بأسره، لا توقفه كثرة الأموال ولا تمنعه قدرة العلم ولا يفرق بين دول غنية أو فقيرة فعبر المحيطات والجبال والغابات وانتفض العالم عن بكرة أبيه وقد أصابه الهلع والخوف للبحث عن طرق للسلامة من هذا الفيروس الذي لا يعرف له الطب علاجا حتى الآن، وتوقفت الكثير من مظاهر الحياة فمنع السفر بين البلدان وأغلقت الكثير من الدول حدودها إلا في حدود ضيقة جدا، وأقفلت المدارس والجامعات ومؤسسات التعليم أبوابها، وتم تعليق الكثير من الفعاليات والأنشطة الرياضية، ومنع البعض من الخروج والانتقال ونالت دور العبادة كذلك نصيبها فمنعت الجمع والجماعات في بعض البلدان كل ذلك للحد من انتشار هذا الوباء الخطير الذي صنف على أنه وباء عالمي.
ودائما نجد في التشريعات الإسلامية ما يكون وقاية وحماية وعلاجا للكثير من الجوائح والكوارث التي قد تعصف بالبشرية، والتي من خلالها تظهر حكمة هذا الدين ومناسبته لفطرة الإنسان وعلاجه للمنعطفات والنوائب التي تصيب البشرية، وما يقع في ثنايا هذا الكون من أحداث مختلفة، وحتى تكون الصورة واضحة المعالم فإنه ينبغي للمسلم أن يتعامل مع هذه النائبة بالوسائل والطرق الآتية ومنها:
– العلم بأن ما يقع في هذا الكون بأسره هو بأمر الله تعالى وتدبيره وتقديره، فهو يعلم يقينا أن ما يقع من أحداث في الشرق والغرب هو بتقدير الله؛ كما قال تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)، فهو سبحانه يحيط علمه بكل الموجودات التي نراها والتي لا نراها، وكل ذلك بمشيئة الله تعالى (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين).
– لا يقع أمر في هذا الكون إلا لحكمة وغرض قد تبدو هذه الحكمة للبشر وقد لا تظهر أو يتأخر إدراكها، وأمر الله بعيد عن العبث والظلم قال تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)، ويقول أيضا جل وعلا: (ولا يظلم ربك أحدا)، ويقول في هذا المعنى كذلك: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد)، فالله منزه عن الظلم ولكن البشر هم من يظلم بعضهم بعضا كما قال تعالى: (وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).
– لا يقع بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة صادقة؛ كما قال تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)، فهذه الآية اشتملت على بيان السبب الذي أدى لظهور هذا الفساد والضر الذي أصاب الناس والذي ظهرت أثاره في البر أو البحر أو في كليهما وهو نتيجة لما كسبته أيدي الناس فقد وقع من الكثيرين منهم المخالفة والكفر والعتو والظلم، وانتشرت أمراض القلوب بمختلف أنواعها وأشكالها، وهذا أمر مطرد فالله تعالى قد قص لنا في كتابه جملة مما أصاب الأمم السابقة من تلك المحن والشدائد فقال تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا)، ويقول في قوم فرعون وما حل بهم: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون)، ويقول أيضا في شأنهم: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات وكانوا قوما مجرمين)، وهكذا يمضي السياق القرآني مخبرا لنا بما وقع لأقوام الرسل السابقين من عذاب بسبب بعدهم عن منهج الله تعالى من مثل قوم نوح وعاد وصالح وشعيب وغيرهم قال تعالى: (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا..)
– عظم قدرة الله تعالى التي لا تقهره قوة : فمن تأمل حال هذه الجائحة وهذا الوباء الخطير الذي انتشر في الأرض انتشار النار في الهشيم يجده فيروسا متناه في الصغر لا يكاد يرى إلا بأكبر المناظير ومع ذلك فتك بمن فتك وترك الألوف في المصحات وعلى فراش المرض وهو تعبير عن قدرة الله المطلقة الباهرة؛ (وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر)
– التوبة والرجوع إلى الله هو الشفيع لرفع الوباء، ولذا فإن في تكملة الآية الكريمة السابقة حين قال الله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)، ففي الآية وصف للداء وأيضا الدواء والذي هو الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة الصادقة النصوح والمتمثلة بالرجوع إلى الله بانكسار وخضوع وندم على التفريط في مقام الألوهية العظيم، وإن كانت الذنوب تشتمل على بخس حقوق الناس فالواجب إرجاع تلك الحقوق والتخلص من تبعاتها، فالله يأمرنا كثيرا بالتوبة والرجوع إليه قال تعالى: (يا أيها الذين أمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا..)، ويقول تعالى: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون).
– التناصح بالخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أمر لازم لاستقامة الحياة، فالوباء لا يفرق بين مؤمن وكافر ولذا ينبغي أن يقع التذكير بالاستقامة على منهج الله تعالى قال تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب).
– الأخذ بأسباب الوقاية والعلاج والاستماع لما يرد عن الجهات الرسمية من توجيهات: فهناك جملة من أسباب الوقاية التي تخفف من انتشار الوباء من نحو منع المخالطة والمصافحة والتقليل من الخروج، وتعقيم اليد ونحو ذلك من الأسباب التي تساعد بعد عون الله تعالى على التقليل من انتشار المرض.
– ضرورة التعاون مع الجهات الرسمية لمن ابتلاه الله بالمرض أو ممن فرض عليه الحجر الطبي فلا يجوز له أن يخرج وينقل العدوى إلى غيره، فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وعليه الالتزام التام بتعليمات المختصين في هذا الشأن، قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
– ضرورة البحث عن علاج ناجع لهذا المرض: فمن غير المناسب أن ننتظر الآخرين ليعطونا الدواء لأمراضنا من غير أن تتحرك المراكز البحثية والطبية للبحث عن الدواء المناسب.
وفوق كل ذلك لا بد من كثرة الدعاء والتضرع إلى الله تعالى أن يزيل عنا الداء والأوبئة والأوجاع ونحوها كما كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم في كثرة رجوعه وتضرعه لله تعالى.

 

التعليمات الإسلامية في ظل انتشار الأمراض –

حمود الصوافي –
«علينا أن نتعامل مع هذا المرض كما أشار المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، وقرر الأطباء والماهرون في هذا الفن؛ إذ لا يوجد علاج – كما يقال- إلى هذه اللحظة فلا مجال عندنا إلا البعد عن بؤر المرض، والاحتراز من ورود الأماكن المزدحمة وترك الملامسة والمصافحة قدر الإمكان وضرورة الإكثار من العناية بالنظافة لا سيما تنظيف الأيدي بالماء والصابون لأنها قابلة للتلوث وغيرها من التحذيرات التي تصدرها وزارة الصحة في بلدنا»

ما زالت أعين العالم على وسائل التواصل الاجتماعي والإذاعة والتلفاز والجريدة، تبحث عن كل جديد ومفيد فيما يخص (وباء كورونا) يا ترى أهوّل الإعلام الموضوع أم الأمر يستحق هذا التحرك أم كل ذلك سيتهاوى بين ليلة وضحاها فليس هناك إلا لعبة سياسية، وخداع متعمد ولكن الفيديوهات تنذر بخطر، والأطباء يحذرون من وباء عالمي!
يا ترى ما موقفنا ونحن نتقلب على آثار أولئك وهؤلاء، نقدم رجلا ونؤخر أخرى، لا نتصور الأمر ولا نستطيع أن نتكهن عن حجم المأساة أن لو وصلنا الأمر. لطفك اللهم لطفك اللهم.
لكن هب أن الأمر جد وأن الدول التي استهانت بالمرض كإيطاليا وإيران وغيرهما كما يقال تعاني الأمرّين فما موقفنا من هذا كله؟ وكيف يتعامل المسلم مع هذه الأمراض؟ وهل توجد في شريعتنا وفي هدي نبينا صلى الله عليه وسلم خطوط عريضة نستعين بها لمواجهة مثل هذه الأوبئة؟
لا ريب أن الإسلام لم يترك شيئا إلا وبينه، ولم يدع أمرا إلا ووضحه، ولم يضع حاجة إلا وأشار إليها من قريب أو بعيد وما زلنا نؤمن أن نصوص القرآن وهدي النبي صلى الله عليه وسلم لا تخالف الطب ولا تناقض العلم.
وما تذكره منظمة الصحة العالمية اليوم يجب أن يؤخذ على محمل الجد، ولا يجوز لقائل أن يتنصل من ذلك قائلا: إنه محض اجتهاد وتكهن ولو كان اجتهادا وتكهنا فنحن مأمورون أن نستمع لنصائح أهل الاختصاص فهم أعرف الناس في مجالهم، وأفهم في تحليل ما يصلهم بل هم يواجهون المشكلة عن كثب ويعرفون أولا بأول خفاياها، ومعلوم لدى الشرع أن تشخيص الطبيب الحاذق معتبر شرعا إن كان مأمون الجانب ولو كان من غير ملة الإسلام فيجب عندئذ أن نحترز من هذا المرض العضال، ونحذر أنفسنا وغيرنا منه، ونعمل بإجراءات منظمة الصحة العالمية وإرشادات الدولة فهي أعلم الناس بما يجري في البلد ولكن قبل أن نتطرق إلى ذلك يجدر بنا أن نلقي بعضا مما ورد في القرآن الكريم والهدي النبوي فيما يتعلق بالأمراض من نصوص عامة أو مشابهة.
لا شك أن الأمراض والأسقام والأوبئة وكل ما يقع علينا من مصائب وأفراح هي ابتلاء من الله تعالى قال تعالى :«وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ»، سواء ذلك خير أو شر، فما الغنى إلا ابتلاء وما الفقر إلا ابتلاء ليُنظر هل سيشكر الغني؟ وهل سيصبر الفقير؟ وقس على ذلك المرض وغيره.
فكل ما يقع من مصائب قد يدخل في الابتلاء المحض- كما ذكرنا؛ ليظهر الشاكر من الكافر، قال تعالى: «لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» إلا أن هذه الأمراض قد تكون عقابا بسبب فساد العالم وبعده عن منهج الله تعالى، وما نلاحظه من جرم واعتداء على محارم الله تعالى يحقق هذا الزعم، وقد أرسل الله العذاب من قبل لأقوام عتوا وتكبروا وفسدوا في الأرض قال تعالى: « فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ..».
وقد تكون هذه الأمراض تهديدا لأقوام لكي يعودا ويرجعوا إلى الله تعالى، قال تعالى:« وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ».
إذن فكل مصيبة أو نقمة أو وباء يحصل في الكون إما أن يكون محض ابتلاء على قوم، وتهديدا لآخرين، وعقابا على طائفة لذا كل عليه أن يحاسب نفسه ويعود إلى الله تعالى ويجدد التوبة مع الله تعالى حتى تنكشف هذه الغمة ويبعد الله تعالى الألم عنا والمحنة، قال تعالى:«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ».
وقد ترسل الأمراض ليدرك العالم المتقدم والإنسان المغرور بعلمه ومعرفته أنه مهما بلغ من العلم والتطور والزهو في الحياة أن الله تعالى قادر على انتزاع ذلك منه في جرثومة صغيرة لا ترى بالعين المجردة تتقلب فلا يفهم حالها ولا يستطيع أمهر أطباء العالم إدراك علاجها أو فهمها، قال تعالى:« إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»، فهذا العجز الذي يظهر على الإنسان يعريه من كل غرور وينزله منزلته التي يعرفها أو يستحقها؛ ليعود إلى الله تعالى نقيا طيبا طاهرا.
كما أن المرض قد يحرك الناس أيضا إلى البحث ومحاولة التقصي والتعمق في الدراسة فيما يتعلق بهذا المرض وغيره في محاولة للإتيان بمصل يجنّب العالم أجمع ويلات الأمراض والأسقام وشبح الموت، وفي هذا فرصة للعالم الإسلامي ليعيد النظر في أولوياته وينتبه لنفسه أن العلم يجب أن يتسلح به المسلم قبل غيره وأن يسعى به لإنقاذ العالم من ويلات المرض قبل غيره لأنه جدير بخلافة الأرض قال تعالى:« هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ». فلا يكتفي بالدعاء المشروع في مثل هذه الحالات، ويتأكد وجوبه في حال المصائب والملمات، لأنه لا يقدر على دحر المرض إلا الله تعالى ولكن يبقى الإنسان وسيلة يمكّن الله من شاء من عباده بقدر اجتهاده وإخلاصه ومعرفته قال تعالى:« وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى».
فما لم يسع الإنسان بنفسه لن تتنزل السماء عليه ذهبا ولا فضة وقد مات في طاعون عمواس خيرة الصحابة فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص بالتوجه إلى الجبال لأنه رأى المرض ينتشر بين أهل القرى، وتنتقل عدواه من شخص لآخر، فعزل واليه عمرو بن العاص المصابين، وفر الأصحاء إلى الجبال، حيث النقاء وصفاء الهواء حتى نجاهم الله تعالى منه، وقد ورد عنه صلى الله عليه في هذا الخصوص: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ».
وهكذا علينا أن نتعامل مع هذا المرض كما أشار المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، وقرر الأطباء والماهرون في هذا الفن؛ إذ لا يوجد علاج – كما يقال- إلى هذه اللحظة فلا مجال عندنا إلا البعد عن بؤر المرض، والاحتراز من ورود الأماكن المزدحمة وترك الملامسة والمصافحة قدر الإمكان وضرورة الإكثار من العناية بالنظافة لا سيما تنظيف الأيدي بالماء والصابون لأنها قابلة للتلوث وغيرها من التحذيرات التي تصدرها وزارة الصحة في بلدنا.
كما يجدر بنا متابعة النشرات الإخبارية والالتزام بكل ما تقرره اللجنة المسؤولة عن متابعة المرض لأنهم أعلم الناس بما يجب العمل به.
ولندرك أيضا أن أي مخالفة يمكن أن تؤدي إلى الإضرار بالنفس والآخرين والقاعدة الشرعية تقول: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام فكل تهاون أو تساهل في الموضوع يعرّض المسلم للإثم والآثام إذ قد يتضاعف الإثم إن تعلق بضرر بالآخرين فكل من طُلب منه أن يمكث في بيته ريثما يتكشف أمره أو لم يسمح له بمخالطة الناس ريثما يتضح وضعه فلا يجوز له شرعا أن يخالط الناس ويخالف التعليمات لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لذلك حذار من التهاون ولنكن يدا واحدة مع دولتنا في مواجهة هذا المرض ومحاولة التقليل من خطورته فما لا يدرك كله لا يتركه جله، قال تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ».

جريدة عمان

مجانى
عرض