نـبـــــض المجتمع: السندباد المنسي

خصيب القريني –

إن وجود إنجازات حضارية لأي أمة من الأمم هو في الواقع أحد الثروات التي تستفيد منها تلك الأمة أو الدولة في جذب أموالا لا تقل أهمية عن تلك التي تجنيها بقية الدول من الصناعة أو التجارة أو النفط وغيرها من الأنشطة الاقتصادية، فدولة مثل أسبانيا تحقق عائدا سنويا من الآثار التي خلفها المسلمون على أراضيها يوازي بل يفوق في كثير من الأحيان إنتاج دول في مجالات صناعية متنوعة، وقس الأمر على بقية الدول التي استفادت من موروثها الحضاري والتاريخي وحافظت من خلال ذلك على الجانبين المادي والمعنوي، وعمقت الإرث الحضاري والاعتزاز الوطني في نفوس ومشاعر مواطنيها واستثمرت كل ذلك ماديا على أعلى مستوى ممكن، فكانت النتائج مبهرة وواضحة للعيان ولا تحتاج مزيدا من الدراسة والتحليل.
وفي مقابل ذلك سعت وتسعى كثير من الدول التي لاتمتلك إرثا حضاريا وتاريخيا الى الاستفادة من هذا التوجه ولو بالادعاء بوجود تاريخ ومنجزات مزيفة في كثير من الأحيان، بل وتعهد في أسلوب اخر الى شراء واستئجار تراث حضاري مادي من دول أخرى لكي تعرضه في أراضيها، ولكن بأسلوب جاذب يقصده الزوار من مختلف دول العالم وتجني أرباحا طائلة من ذلك، وكأن الامر اصبح نوعا من الاستثمار الحضاري والتاريخي تتسابق لاستثماره مختلف دول العالم، وحتى التي لاتملك الجوانب المادية فتقوم بشراءه واستئجاره، وليس ذلك عيبا مادامت تشير الى مصدره، فبعض الدول التي تمتلك أرث حضاري حافظت عليه طوال هذه السنوات ولكن لاتوجد لديها الأرضية المناسبة لاستثماره، فيمكن ان تقوم دول أخرى بعرضه تملك من المقومات المادية مايكفل لها القيام بذلك، ولكن مثل ما اسلفنا بالإشارة الى مصدر هذه الاثار ومكانها الحقيقي، وهذا الامر يكفينا للدلالة على حجم أهمية هذه الصناعة إذا جاز لنا أن نطلق عليها هذا المصطلح. ان قدرتنا على عرض ما قام به أسلافنا هو احد الرهانات التي من خلالها يمكننا أن نصنع سياحة تاريخية وأثرية تسهم بلا شك في صناعة سياحة حقيقية شأنها شأن كثير من دول العالم، وفي السلطنة فإننا نملك تاريخا حضاريا ومنجزات تاريخية يشار لها بالبنان، اسوق كل هذه المقدمة الطويلة وأنا أشاهد سفينة (صحار) التي أبحرت من مسقط الى ميناء كانتون في الصين منذ حوالي أربعين عاما وهي متروكة في دوار البستان دون الاستفادة من هذه الثيمة الحضارية بالطريقة الصحيحة على الأقل من وجهة نظري المتواضعة، تخيل عزيزي القارئ أنني وفي محاولة مني للوصول الى السفينة اضطررت ان أوقف سيارتي في مكان بعيدا لأصل وادخل الدوار مخاطرا بحياتي من نواح مختلفة لا داعي لذكرها، فكيف بالله نترك هذا الإرث الحضاري الذي لا يمكن استيعاب دوره إلا بالرجوع إلى الكتاب الذي ألفه قائد السفينة تيم سفرن بعنوان (رحلة السندباد) لتجد فيه حجم إنجاز لا يمكن إن أصفه في مقال كهذا من صعوبات وتحديات واجهتها السفينة للوصول، إنجاز لم يكن لمجرد الوصول، حيث شارك العديد من العلماء كانوا على ظهر السفينة لدراسة البحار والأسماك وغيرها من الكائنات البحرية، فلم تكن صحار مجرد سفينة عادية تمخر العباب للوصول من مكان لآخر، بل كانت سفينة حضارية تاريخية علمية تهدف لإثبات دور العرب الملاحي في الوصول الى الصين ومدى المخاطر التي واجهتهم ولم تثنهم عن ممارسة هذا الدور الحضاري وبسفن شراعية لا يوجد بها مسمار واحد، وهذا كان التحدي الأبرز.
إن رحلة السندباد على ظهر السفينة صحار كانت تسعى للكشف عن واقعية هذه الرحلات في المناطق التي ذكرها السندباد، وقد كان لهم ما أرادوا ويمكن الرجوع للكتاب للمزيد من الاستيضاح، ولكن السؤال المهم هنا الا تستحق هذه الرحلة وهذا التاريخ مكان آخر تستعرض من خلاله كل متعلقات الرحلة من صور وأفلام وأدوات ومآثر علماء وغيرها؟ بحث تكون واحدة من الثروات الحضارية والسياحية التي نستفيد منها ماديا ومعنويا وحضاريا، سؤال نطرحه بعد أربعين عاما والوقت به متسع لمن أراد ذلك.