وتر: سعــادة

شريفة بنت علي التوبية –

لا أنصحك بالبحث عن السعادة، لأنك لن تجدها، فالسعادة تأتي من تلقاء نفسها، ستطرق بابك، وإن تجاوزت بابك وطرقت باب جارك فافتح الباب واجلس في انتظارها، وحينما تأتي، أحسن استقبالها وأكرم حضورها، وتمسّك بها كي لا تهرب منك ولا تفرّ، فكم سعادة هربت من بين أيدينا ونحن لا ندري! السعادة موجودة معك وحولك، فلا تهدر الوقت وأنت تبحث عنها، لأنها شيء لا يمكن وصفه ولا تحديده ولا معرفة شكله أو ماهيته، فقد تأتيك في أبسط الأشياء وأصغرها، وقد تأتيك على هيئة بشر، أو حتى حيوان أو شجر. هي سعادتك وأنت مسؤول عنها، فلا تقارنها بسعادة غيرك، فلكل منا سعادته الخاصة، فالطبق الشهي الذي يُسعد الأم وهي تعدّه لأبنائها قد لا يُسعدك أنت، لأنك لا تحب الطبخ، وسعادتك مع أبنائك لها شكل آخر، المقال الذي أكتبه أنا في هذه اللحظة بسعادة بالغة قد لا يُسعدك أنت، ليس لأنك لا تجيد الكتابة بل ربما لأنك لا تحبّها ولا تشعر بما أشعر به الآن وأنا أكتب، وربما سعادتك في قراءة ما أسعدني أنا كتابته، اللعبة التي تسعد الطفل ويطير فرحاً بمجرد الحصول عليها أو لعبها قد لا تسعدك أنت، بل سعادتك في شراء اللعبة أو أخذ ذلك الطفل للعب، الوردة التي أسعدت الرجل حين اشتراها لزوجته وهو راجع إلي البيت فأسعدتها؛ قد لا تسعدك أنت ولا تسعد زوجتك، فربما تفكر في إسعاد زوجتك بطريقة أخرى كمشاركتها غسيل الأطباق في المطبخ أو حتى بقول كلمة أحبكِ لها، وفي ذلك سعادتها.
والسعادة ما تعطيه للآخر، وما تستطيع أن تكون أنت سبباً له وليس ما تملكه، لأن شعورك مرتبط بشعور شخص آخر تحرص على سعادته، إنها السعادة التي لا تأتي بشكل فردي ولا يمكن أن نخبئها لأنفسنا، بل هي قابلة للقسمة على أكثر من شخص. وتبلغ السعادة منتهاها حينما تشاركها من تحب، مع ذلك الشخص الساكن في جهة الشمال من صدرك وأنت تخبره عن فرحك وتعلم أنه سيطير فرحاً لأجلك، ولم تخبره إلا لأنك تريد إسعاده، تريد أن تسمع نبرة صوته وهو سعيد، فتتضاعف سعادتك بسعادته لأجلك.
ولأن كل شيء غدا معدياً في هذه الحياة كذلك السعادة معدية، فاحرص أن تكون ناقلاً لعدوى السعادة أيها المصاب بها، واحرص على مصاحبة السعداء الذين سيصيبونك بعدوى سعادتهم، ويا قارئي السعيد كم يسعدني أن يكون هذا المقال اليوم سبباً من أسباب سعادتك.