جائحة كورونا ونتائجها الكارثية

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

تجتاح العالم شرقه وغربه، المتقدم منه والنامي، موجة عارمة من الهلع والخوف من انتشار جائحة كورونا التي جعلت العالم على صفيح ساخن على الصعيدين الاقتصادي والسياسي والإنساني، بل ووصلت الأمور إلى اتهامات متبادلة خاصة بين الولايات المتحدة والصين حول المسببات الحقيقية لظهور الفيروس، وهل هناك حرب بيولوجية اتسع نطاقها بين العملاقين، وهي أمور من الناحية العملية لا يمكن استبعادها.

العالم يعيش حالة من الخوف الشديد وهو أمر طبيعي قياسًا إلى عدد الوفيات والعدد المتزايد من الإصابات خاصة في أوروبا بعد أن نجحت الصين في امتصاص الموجة الأكبر من انتشار الفيروس، حيث استطاعت الصين أن تسجل نجاحًا كبيرًا في احتواء الفيروس والتخفيف من انتشاره في حين أن عددًا من الدول الأوروبية أصبحت هي مركز الفيروس خاصة إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا.

شلل اقتصادي

مع انتشار الفيروس وعدم السيطرة عليه في أوروبا حاليا وحتى الولايات المتحدة بدأت دول العالم تتخذ إجراءات صارمة بناء على توصيات منظمة الصحة العالمية وصل إلى حد إغلاق مدن بأكملها وحظر التجول وإغلاق المؤسسات التعليمية ومراكز الترفيه علاوة على إغلاق المنافذ الجوية والبرية والبحرية في موجة شلل اقتصادي تضرب العالم.
ولا شك أن الأسواق العالمية وتدهور أسعار النفط العالمية أحدث ارتباكًا كبيرًا في المنظومة الاقتصادية وهناك خسائر فادحة وصلت إلى عدة تريليونات من الدولارات، وهناك تخوف كبير أن يشهد العالم انكماشًا اقتصاديًا على ضوء ظاهرة الكساد الكبير في عقد الثلاثينات من القرن الماضي.
ومن هنا فإن التأثير الاقتصادي والخوف الذي وصل إلى حد الذعر يعدان من أكبر النتائج السلبية لجائحة كرونا والتي تواصل اجتياحها لأكثر من 150 دولة في العالم وبوفيات تجاوزت 5000 إنسان وبإصابات تجاوزت 150 ألف إصابة.
العالم يدخل معركة قاسية وشرسة مع هذا الفيروس المتحول والخطير ولعل الشلل في مناحي الحياة وتوقف عدد من الخدمات يجعل الجميع على أهمية الحرص على الإجراءات والتقيد بالتعليمات الصادرة من الجهات المختصة، ورغم أن هذا النوع من الفيروسات قد اجتاح العالم في السنوات الماضية إلا أن الجائحة الحالية تعد هي الأخطر والتي سببت كل تلك النتائج الاقتصادية الصادمة.
ويبدو أن الفيروس سوف يأخذ سنة أو سنة ونصف حتى يتمكن المجتمع الطبي في العالم من اكتشاف لقاح ينهي معاناة البشرية وحتى يحدث ذلك فإن العالم يشهد بالفعل ظاهرة خطيرة على الصعيد الصحي.
كما أن التهاون في الإجراءات الوقائية في بعض الدول ساهم في تفاقم الوضع الوبائي وعلى ضوء ذلك فإن الاقتصاد العالمي هو الأكثر تضررًا وهناك حديث بأن شركات الطيران قد تصل إلى حد الإفلاس أو التوقف جزئيا خاصة وأن الرحلات الجوية شبه مشلولة بين الدول.
ولا شك أن وسائل الإعلام المختلفة ساهمت في ظاهرة الهلع مع تزايد أعداد الموتى خاصة مع الموجة الأولى لانتشار الفيروس في الصين ومع ذلك فإن المعالجة الصينية تعد نموذجًا في احتواء الفيروس إلى حد كبير رغم العدد الكبير للسكان في الصيف الذي يقترب من مليار ونصف نسمة.
ولعل قيام الصين بالمساعدات الطبية لعدد من الدول الأوروبية كإيطاليا وحتى إيران والولايات المتحدة يؤكد على ضرورة التعاون الدولي بين الحكومات والمنظمات والمجتمع المدني وجموع المتطوعين في مواجهة هذا الوباء الخطير.

المناكفات السياسية

منذ تفشي فيروس كرونا في الصين في المرحلة الأولى حتى بدأت الاتهامات بين عدد من المسؤولين الأمريكيين والصينيين حول موضوع الحرب البيولوجية، وهي من التهم الخطيرة حول صناعة مثل تلك الفيروسات في المختبرات، وفي إطار الحرب التجارية القائمة أساسًا بين بكين وواشنطن.
ويبدو أن المنطق لا يتسق وتلك الاتهامات؛ لأن الضرر سيكون عامًا للدول بما فيها الصين والولايات المتحدة
المناكفات السياسية تعد طبيعيةً في مثل تلك الظروف ومع ذلك فإن الإحساس بالخطر الإنساني دفع الدول إلى التعاون بعد أن أيقن الجميع بأن الجميع خاسر على الصعيد الاقتصادي وقبله الإنساني وهذا ما جعل الدول والمنظمات تدعو إلى التكاتف والتعاون للوقوف أمام هذه الجائحة الفيروسية الخطيرة والتي شلت العالم بشكل كبيرة.
العالم الآن يبحث عن طوق نجاة للفيروس من خلال إيجاد علاج أو لقاح ينقذ الأرواح التي تتساقط يوميًا خاصة في إيطاليا وإسبانيا وإيران وعدد آخر من دول العالم، ولعل القرارات الصارمة من الدول والتي وصلت حد الطوارئ الوطنية يعطي مؤشر على خطورة الفيروس المتحول والذي يحتاج إلى وقفة دولية بعيدًا عن المناكفات السياسية.
ولعل من الظواهر الإيجابية ومع انشغال العالم بجائحة كورونا أن تراجعت تلك المناكفات في ظل التغطية الإعلامية الكبيرة لتطورات الفيروس ونتائجه المأساوية في دول العالم حتى الصراعات العسكرية والتوترات تراجع الاهتمام بها وأصبحت في سلم متدن.
وربما يكون هذا مدخل لإيجاد حلول لها في ظل المتغير الصحي الخطير الذي يجتاح العالم ومن هنا فإن المتغير السياسي يتراجع بشكل كبير، وهناك تعاون حتى بين الدول التي تسود بينها خلافات وهذا مؤشر إيجابي حتى وسط ذلك الهلع الذي يجتاح العالم وبدلا من توجيه الاتهامات المتبادلة فان المسؤولية الأخلاقية تفرض على الدول والمنظمات الوقوف بشكل جماعي للتصدي للخطر المحدق بالإنسانية هذا هو السلوك المطلوب في ظل هذا الظرف العصيب.

النتائج الإنسانية

من أكثر المؤشرات للجائحة الفيروسية هو ردود الفعل الإنسانية في عشرات المدن سواء في الصين خلال الموجة الأولى لاكتساح فيروس كرونا لعدد من المدن الصينية خاصة ووهان أو من خلال الموجة الثانية وأكثرها مأساوية وهي المدن الإيطالية وخاصة شمال إيطاليا وتبعتها مدن إسبانية وألمانية وإيرانية.
ورأينا مدن أشباح في تلك المدن وتوقفت الحياة وكان العالم انتهى.
وهذه أحد الدروس الأخلاقية الكبيرة حتى يكون هناك مراجعة سياسية لأوضاع العالم على صعيد وقف الحروب والصراعات والظلم للشعوب.
هناك تفسير فلسفي وحتى ديني للبعض حول ما يجري على هذا الكوكب من سلوكيات عدوانية ضد البشر علاوة على استئثار الإقلية بالثروات ووجود الملايين من الجوعى والمشردين في طول كوكب الأرض وانعدام قيم العدالة والإنصاف ولا شك أن هذا التفسير الأخلاقي به الكثير من الصحة.
وربما من المؤشرات الإيجابية للهلع الذي يسود العالم أن تكون هناك مراجعه حقيقية للواقع السياسي والاقتصادي ومنظومة القيم في هذا العالم الرأسمالي والذي أصبح أكثر توحشًا.
ومن هنا فإن النتائج الإنسانية التي تم رصدها الإعلام الدولي تعد على قدر كبير من القسوة وانه من غير المنطقي أن ينسى ساسة العالم ما حدث بعد أن يتم اكتشاف لقاء ضد الفيروس خلال هذا العام أو بداية العام القادم.
أن المنظومة الصحية ترفع لها القبعة كما يقال فهؤلاء الأطباء والممرضين والمتطوعين وهم بالملايين في كل المؤسسات الصحية العالمية هم أبطال هذا المشهد المخيف الذي يجتاح العالم، وقد دفع بعضهم ثمنًا لحياته، ولعل في مقدمتهم الطبيب الصيني والذي حذر من هذا الفيروس وخطورته ولكن لم ينصت إليه أحد بل وتعرض إلى التحقيق حتى وفاته علاوة على الآلاف من الممرضات والممرضين الذين يعملون بكل شجاعة وهم يخوضون هذه المعركة الإنسانية الأكبر في التاريخ الحديث.
إن جائحة كورونا أظهرت الكثير من المشاهد الإيجابية وحتى السلبية ومع ذلك فإن الجميع أيقن أخيرا بأن الإنسانية على مركب واحد إذا غرق سوف يغرق معه الجميع وأن من مصلحة العالم أن يتحد ويتعاون حتى الخروج من هذا المشهد المخيف في نهاية المطاف، وأن يكون المشهد بكل تجلياته وتفاصيله درسا كبيرا لإعادة النظر في سياسات العالم وأن يكون التفسير الأخلاق لحياة وسلوك متوازن ومنصف هو الإطار الكبير لسلوك أخلاقي تجاه البشرية بعد أن يختفي هذا الفيروس وتداعياته الكبيرة التي أوجدت ذلك الهلع الكبير في دول العالم المختلفة.