عالم ما بعد كورونا.. تبعات واستحقاقات

إميل أمين –

يعرف التاريخ بأنه قبل ميلاد المسيح وبعده، وهناك أحداث مفصلية في التاريخ يسمى التاريخ قبلها وبعدها كالقول بما قبل الحربين العالميتين الكبريين وبما بعدهما، ومؤخرا اعتبر العالم أن هناك مرحلة مغايرة جرت بها المقادير بعد أحداث سبتمبر من عام 2001، تختلف كثيرا عما قبلها، وعليه باتت علامة الاستفهام في حاضرات أيامنا هل سيكون فيروس كورونا محددا لكثير من مشاهد العالم القادم، لا سيما بعد التبعات والاستحقاقات التي سيتركها على العالم؟

السؤال جدير بالنظر إليه على أكثر من صعيد، غير أننا سنكتفي في هذا المقال ببعدين فقط، السياسي، والاقتصادي، وربما تكون لنا عودة لاحقا مع أبعاد أخرى.
على الصعيد السياسي يبدو أن هناك بالفعل تغيرات جذرية في نظرة الدول بعضها إلى بعض، عطفا على مسارات العلاقات الدولية، فعلى سبيل المثال ووقت كتابة هذه السطور، كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أعلنت وللمرة الأولى في التاريخ وقف استقبال الطيران من أوروبا، باستثناء المملكة المتحدة، الأمر الذي يعزز ما أشرنا إليه من قبل من أن الكورونا أرجعت العالم إلى زمن الامبراطورية الرومانية حيث كانت الدول بمثابة جزر منعزلة بعضها عن بعض، وبات العالم مقبل على مرحلة من الفصل لا الوصل، ووقت ظهور هذه السطور للنور، لا يعلم إلا الله ما الذي ستؤول إليه الأمور، وكيف سيضحى حال العالم.
أحد الذين تنبهوا لتبعات الكورونا السياسية حول العالم، الكاتب البريطاني «دانيال فنكلشتاين»، والذي أشار إلى أن عالم السياسة بعد تفشي فيروس كورونا لن يكون مثلما كان قبله، تماما مثلما لم تكن السياسة بعد هجمات 11 سبتمبر2001 التي كانت قبلها.
وعند فنكلشتاين انه وحتى إذا تغاضينا عن جملة الوفيات التي جاءت بها كورونا حتى الساعة، فان هذا الفيروس سيغير من آراءنا حول كل شيء ابتداء من حرية التنقل إلى أكل اللحوم.
هل الكاتب البريطاني محق في ما ذهب إليه؟
المؤكد أن ذلك كذلك بالفعل، فما فعلته كورونا سيفتح أعيننا على هشاشة الدول والأنظمة أمام الأوبئة وسيثير على سبيل المثال حوارا في كل أنحاء العالم بين المطالبين بتعاون دولي وبين من يريدون الانكفاء على أوطانهم.
أكبر واخطر تبعة سياسية ستولدها كورونا، هي المقاربة بين الشعبويين والديمقراطيين، بين أولئك الذين يقولون بضرورة إغلاق الحدود وإقامة السدود حول دولهم الوطنية، وبين الساعين إلى مد الجسور بين مختلف دول العالم.
هنا سيقول بعض الناس أن أفضل الطرق لتجنب الفيروس هي غلق الأبواب أمام ناشري الفيروس، والوصول إلى الاكتفاء الذاتي في الطعام والأدوية وضبط دخول المسافرين والمهاجرين والإصرار على حماية المواطنين وغض النظر عن حال الآخرين.
إلا أن هذا النهج الفكري على الجانب الآخر سوف يولد ضغطا معاكسا على القوى والمؤسسات الدولية، وسوف يصاحبه فشل كبير إذا اعتبر الآخر هو الضد او العدو وربما الجحيم كما قال الفيلسوف الفرنسي «جان بول سارتر» ذات مرة.
أفرزت أزمة كورونا في واقع الحال ضرورة وجود رؤية معولمة للكثير من القضايا، خذ إليك على سبيل المثال لا الحصر مسالة شؤون الحيوانات، ذلك أنه إذا اعتبرنا أن فيروس كورونا قد ولد من رحم الخفافيش، فإن العالم في حاجة إلى إدارة بيطرية عالمية بسياقات سياسية، وحتى لا يتعرض العالم مرة أخرى لمثل تلك الأزمة، وهنا من كان يتصور ان بعض المأكولات الشعبية في أقصى الشرق الآسيوي يمكنها أن تسبب وباء يصل إلى كاليفورنيا حيث أقصى الغرب الأمريكي.
جاء الفيروس ليصيب العالم في قلب فعالياته السياسية، وهو ما ينظر إليه البعض على أنه فسحة لدراسة ملفات خلافية كبيرة، فعلى سبيل المثال كان من المقرر أن يعقد مؤتمرا دوليا حول معاهدة الانتشار النووي في نيويورك الأسابيع القادمة، إلا أنه وفي ضوء ما فرضته السلطات الأمريكية من قيود على دخول مواطني العديد من البلدان المتضررة من فيروس كورونا، وإعلان حاكم نيويورك عن فرض حالة الطوارئ فانه من المرجح ان يكون مصير مؤتمر معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية كمصير دورة لجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة التي كان من المفترض أن تعقد في نيويورك من 9 إلى 20 مارس، ولكن في نهاية المطاف تم اختصار الحدث إلى يوم واحد، وتم تخفيض تركيبة المشاركين فيه بشكل كبير.
لم توفر تبعات كورونا السياسية أي جزء من العالم، شرقا وغربا، ما احدث حالة من الاضطراب حول العديد من الأحداث السياسية المهمة في هذا العام.
في مقدمة تلك الأحداث لم تعد روسيا الاتحادية تعرف إلى أين تمضي خططها الخاصة بالاحتفال بذكرى مرور 75 عاما على انتصارات روسيا على النازي، وهي التي تعد لها روسيا منذ وقت طويل وتريد منها في واقع الأمر ما هو أبعد من مجرد احتفال عادي تقليدي، اذ تتطلع إلى إظهار قدرتها التي استعادتها، وسطوتها التي استرجعتها، في عالم خيل فيه للبعض، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، إنها باتت القطب الواحد الوحيد المنفرد بمقدرات العالم.
الآن لا تعرف موسكو إذا كانت ستمضي في طريق التنظيم والاستعداد لا سيما أن الحدث قريب من الناحية الزمنية اذ يقع في التاسع من مايو المقبل، ما يجعل وضع أي مخطط سياسي من الصعوبة بمكان.
بالقدر نفسه وعلى ضفة نهر الهدسون في الولايات المتحدة الأمريكية، كان الجميع يسابق الريح استعدادا للاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الأمم المتحدة.
وفي الواقع الأمر لم يكن أيضا مجرد احتفالية، بل فرصة لمراجعة وضع هذه المؤسسة الأممية، والتفكر والتدبر في أمرها، لا سيما وان هناك من يرى انه حان الوقت الذي تتوارى فيه، وان تغلق أبوابها وترحل، بعد ان فشلت في معالجة الكثير من الملفات الاممية العميقة.
وفي الوقت نفسه هناك من يرى ان الإصلاح واجب وان الأمم المتحدة بما تراكم لديها من خبرات عبر تلك العقود الطوال يمكن أن يبنى عليه وان تنطلق منه رؤية جديدة تصحيحية، عوضا عن هدم المعبد على رؤوس الجميع.
يتساءل المرء: كيف لفيروس متناهي الصغر وعلى هذا المشهد ان يغير الأوضاع ويبدل الطباع ويؤثر مثل هذا التأثير على العالم؟
الإفراز السياسي الحقيقي الذي وضعنا هذا الفيروس أمامه، هو أن الإنسانية برمتها باتت معلقة في إطار واحد، وقارب الإنسانية ليس أمامه سوى الرسو على ميناء الخلاص بكل البشر من كل القبائل والأمم والشعوب معا، او الغرق في بحار الخلافات مرة والى الأبد.
ولعل الجانب الأخر من التبعات التي تركها فيروس الكورونا على العالم موصول بالأوضاع الاقتصادية الكارثية التي ستتبع التأثيرات المتفاقمة يوما تلو الآخر.. ماذا نعني بهذا الحديث؟
باختصار غير مخل، يبدو الوضع الاقتصادي العالمي كارثي، لا سيما وان الضربة قاتلة وقد وجهت بداية إلى الصين، وهناك حيث القلب النابض للاقتصاد العالمي الجديد.
هنا يتساءل الكثير من المراقبين: «هل يمكن ان يكون فيروس كورونا نهاية للصين، التي كانت منذ 30 سنة اكبر مصنع في العالم؟
في هذا السياق يجيب «فلاديمير سينيوريلي» رئيس شركة بريتون وودز للأبحاث، وهي شركة أبحاث استثمارية بالقول: «لم يعد بالامكان اعتبار الصين مركز تصنيع، ذلك ان هذا النموذج دمر الأيام الماضية».
في سياق متصل بدا ان شركات صناعة السيارات الصينية والمصانع الكيماوية أبلغت عن عمليات إغلاق اكثر من القطاعات الاخرى. لم يعد موظفو تكنولوجيا المعلومات إلى معظم الشركات او مقرات عملهم، كما سجلت شركات الشحن والخدمات اللوجستية معدلات اغلاق اعلى من المتوسط الوطني.
ولان الصين قد اصبحت في العقود الثلاثة الأخيرة لاعبا ورقما مهما بل وصعبا على الصعيد الدولي، لذا فان الاثار المترتبة عن هذا الاضطراب الحاد ستوثر على سلاسل التوريد العالمية لقطع غيار السيارات والالكترونيات والمستحضرات الدوائية لأشهر قادمة.
هل كان لأمريكا ان تنجو من هذا الدمار الاقتصادي الكبير والمحقق؟
الجواب يقتضي نظرة سريعة على العلاقة بين بكين وواشنطن من الناحية الاقتصادية، ذلك انه ورغم كافة الادعاءات الأمريكية التي يتزعمها الرئيس ترامب ضد الصين، وكيف انها تمضي في غير صالح واشنطن، وانه سيتخذ اجراءات عديدة سلبية ضد الصينيين.
رغم كل ذلك فان الحقيقة تخبرنا ان بكين وواشنطن مرتبطتان مع بعضهما ارتباطا عضويا، فبكين تجد في الولايات المتحدة الأمريكية اكبر واوسع سوق له مقدرة شرائية على بضائعها، وواشنطن ترى في الصين مجالا للاستثمار من ناحية، ولجذب الاموال إلى البنك الفيدرالي حيث تستثمر الصين اكثر من 2 تريليون دولار في سندات الخزانة الأمريكية.
في هذا الاطار كان لابد للأوضاع المالية الأمريكية ان تتاثر، فيهبط مؤشر «داو جونز « على سبيل المثال بـ 2000 نقطة، وليخسر كبار المليارديرات في الداخل الأمريكي، الكثير من ثرواتهم، كما تأثر البسطاء بالأزمة بنفس القدر.
ضرب كورونا صناعة الطيران وهي واحدة من اكبر الصناعات حول العالم، كما ضرب حركة السفن والانتقال من مكان إلى آخر.
أغلقت المدارس والجامعات والمعاهد ابوابها، ودول باكملها مثل إيطاليا أعلنت حالة من حالات العزل الجماعي.
ما الذي يمكن للمرء ان يستنتجه من هذا المشهد والذي لم نتوسع في شرحه لضيق المسطح المتاح للكتابة؟
باختصار غير مخل، انها لحظة المواجهة الكونية للازمة العالمية والتي تستدعي مواجهة لا تقدر عليها دولة واحدة بل تحتاج إلى تعاون أممي أوسع واشمل.
اما المشهد الكبير والمثير الذي أفرزته ولا تزال أزمة كورونا، فموصول باختصام كثير من سيادة الدولة الويستفالية وخصائصها الحديثة لصالح المؤسسات والجماعات الدولية الكبرى، تلك التي باتت لاعبا أساسيا وشريكا عميقا في تشكيل ملامح العالم المعاصر، ذلك انه حين تصاب دولة بالبرد، تشعر بقية دول العالم بالزكام. كورونا يؤكد لنا وحدة الاسرة الانسانية، والحاجة إلى التعاضد والتماسك لتجاوز الأزمة معا.