تداعيات كورونا.. ومتعة المخاطرة

رشا عبدالوهاب –
تظل الأسواق أو الاقتصادات الناشئة مناطق مفضلة للاستثمار منذ تحديد ملامحها في بداية الألفية الثالثة، فهي تمثل فرصة استثمارية فريدة لأنها تقدم توازن جيد بين الأرباح والمخاطر، فبينما توجد أرباح ضخمة تنتظر المستثمرين الذين يمكنهم تحديد السوق الناشئ المناسب لاستثماراتهم بشكل صحيح في الوقت المناسب، هناك مخاطر أخرى أحيانا تكون غير واضحة الأسباب وغير مفهومة. وتعتبر السلطنة ومصر والسعودية والإمارات والكويت وإندونيسيا وباكستان ونيجيريا.. إلخ من بين الدول على قائمة الدول الناشئة، والتي أصبحت محركا رئيسيا للنمو العالمي، كما أنها الأسرع نموا بالقياس إلى الناتج المحلي الإجمالي. وعادة ما تتبع حكومات اقتصادات الأسواق الناشئة استراتيجيات صناعية وتجارية مدروسة لتشجيع النمو الاقتصادي والتصنيع، وتشمل هذه الاستراتيجيات النمو الذي يقوده التصدير، والتصنيع الذي يحل محل الاستيراد.
ولكن مع انتشار فيروس كورنا «كوفيد -19»، تواجه هذه الدول مجموعة من التحديات، ومن بينها سرعة انتشار الفيروس خارج الصين، التي شهدت ظهور الوباء للمرة الأولى في ديسمبر الماضي، فقد ضربت العدوى كبريات الدول مثل الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، فقد توقعت المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل إصابة حوالي 70% من الألمان. وبالطبع أن تفشى العدوي يمثل صدمة قوية للاقتصاد العالمي ككل حيث أن كورونا ستؤثر على العرض والطلب، فسوف يشهد العرض توقفا بسبب ضحايا الفيروس، كما أن جهود الاحتواء التي تقيد الحركة وترفع تكاليف الأعمال نتيجة القيود على سلاسل الإمداد وتشديد الائتمان.
وحذر البنك الدولي من أن هذه الفترة تعتبر اختبارا للساسة حول العالم حيث أن عليهم الحفاظ على رباطة الجأش والارتقاء إلى مستوى الحدث وتجنب اللجوء إلى السياسات الحمائية ودعم زيادة الإنتاج وضمان تدفق الموارد.
وتحمل الأسواق الناشئة بعض خصائص الأسواق المتقدمة، لكنها لا تلبي نفس المعايير بشكل كامل، وتتضمن الأسواق التي من المحتمل أن تصبح متقدمة أو حتى تلك التي كانت متقدمة في الماضي. ووفقا لمؤسسة أبحاث «أوكسفورد بيزنس جروب»، فإنه بحلول 2018، كان هناك 35 سوقا تضم 21% من عدد سكان العالم، وتمثل حوالي 10% من إجمالي الناتج القومي العالمي، وتعتبر هذه الأسواق الأكثر ديناميكية، وبالتالي فهي تقدم فرصة عالية المخاطر وعالية العائدات للمستثمرين. وتشترك الدول الناشئة في عدد من الخصائص، حيث غالبا ما تقوم بإصلاحات تنظيمية من أجل أن تتحول إلى دول متقدمة، كما ترفع الاعتماد على التصنيع والإنتاج الذين يساعدان في تقليل الاعتماد على قطاعات الطاقة والموارد الطبيعية. هذه الأسواق تركز على زيادة الصادرات وتقليل الواردات. وعلى مدى العقد الماضي، تغيرت الأسواق الناشئة حيث اتسع نطاق الشمول المالي وزاد تغلغل التكنولوجيا خصوصا مع قيام الحكومات بإدخال إصلاحات تنظيمية عبر قطاعات الاقتصاد من أجل تعزيز النمو وتخفيف المخاطر.
ويصنف الاقتصاديون الاقتصادات ذات الدخل الفردي المنخفض والمتوسط على أنها أسواق ناشئة، ولذلك تدخل الصين في هذه الفئة، في حين أنها ثاني أكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة، ويرى بعض المحللين أن الصين عملاق اقتصادي وليست دولة ناشئة بناء على قدرة شعارها «صنع في الصين» على اختراق الأسواق العالمية ورغبة المستثمرين وكبريات الشركات العملاقة والعابرة للقارات في إنشاء مصانع بها والتصنيع الكامل فيها. وأظهر استطلاع حديث لبنك أوف أمريكا حول توقعات الاستثمار في 2020 أن المستثمرين مهتمون بشكل كبير بتدوير استثماراتهم في الخارج، لدرجة أن مخصصات الأسهم العالمية لهم بلغت حوالي 32%، وهو ما يعنى مضاعفة استثماراتهم مقارنة بأغسطس الماضي حيث قدرت نسبة شراء الأسهم بحوالي 12% فقط. ولعبت مجموعة من العوامل دورا في زيادة جاذبية الأسواق الناشئة لأن التصنيع فيه أرخص من الدول المتقدمة، كما أن العديد من هذه الدول لديها صورة ديموجرافية إيجابية، حيث أن بها قوى عاملة شابة وديناميكية يمكنها توسيع النمو الاقتصادي، وتعد الصين الاستثناء الوحيد بسبب سياسات التحكم في عدد المواليد. ورغم التأثيرات الاقتصادية لانتشار فيروس كورونا على سوق الأسهم الصينية إلا أن مراقبي الأسواق يتابعون انتشار المرض، إلا أنهم يرون أن رد الفعل الصين مختلف بشكل كبير عن تعاملها مع انتشار وباء مرض الالتهاب الرئوى الحاد «سارس» في 2003، فقد تمكنت من احتواء المرض بشهادة منظمة الصحة العالمية. إن اتساع نطاق الضرر للاقتصاد العالمي الذي تسبب فيه فيروس «كوفيد -19»، وذلك بعد انخفاض محتمل في الصادرات الصناعية العالمية في فبراير وحده بلغ حوالي 50 مليار دولار. وقالت كريستالين جيورجيفا المدير العام لصندوق النقد الدولي إن الصناديق العالمية ، المدعومة من الأمم المتحدة، سوف تدعم هذا النقص في الدول الناشئة ومنخفضة الدخل، وذلك بعد تقديم طلبات الدعم. وتجذب الأسواق الناشئة اهتمام المستثمرين حيث يبحثون عن أماكن لتنويع استثماراتهم. ومع ارتفاع التقييمات لسوق الأسهم الأمريكية، فإن البعض يرى صفقات رابحة في شراء أسهم بالأسواق الناشئة. فبعض المستثمرين ينظرون مجددا في كيفية الاستثمار في الصين، بدعم من اتفاق المرحلة الأولى من الهدنة في الحرب التجارية الأمريكية والصينية، ولكن تأثير «الدومينو» يقلق المستثمرون خشية تأثيرات انتشار فيروس كورونا في آسيا. وتأثير الدومينو أو التفاعل التراكمي هو تأثير يقع عندما يتسبب حدث في سلسلة التأثيرات المتعاقبة، فعندما تسقط قطعة دومينو واحدة في سلسلة مترابطة تسقط بالضرورة القطع الأخرى على التوالي، وذلك في وقت تراجع فيه الكثير من الخبراء عن دعم نظرية الدومينو. ورغم أن مخاطر الاستثمار في الصين والأسواق الناشئة الأخرى تظل مرتفعة أكثر من الاستثمار في الولايات المتحدة بسبب تقلبات السوق، إلا أن المراقبين يرون أن التقلب البسيط على المدى الطويل للأسواق الناشئة يسمح للمستثمرين بالاستفادة من التغييرات في خصائص السكان خصوصا التركيبة السكانية الأصغر سنا والنمو الاقتصادي المتسارع لهذه الدول. ويرى المراقبون أن تأثير «كورونا» على الاستثمار في الأسواق الناشئة مؤقت، فقد نجت ديون هذه الأسواق، كأصول، من تأثيرات كبيرة للفيروس التاجي حتى الآن. الخوف من تضرر الاقتصاد العالمي دفع سندات الخزانة الأمريكية إلى الانخفاض كما تحركت البنوك المركزية حول العالم من أجل تخفيف السياسات المالية. ووفقا لبنك أوف أمريكا، فقد بلغ حجم التدفقات في سوق ديون الأسواق الناشئة في فبراير الماضي حوالي 10 مليارات دولار. ويشعر المستثمرون بالتفاؤل حول سلسلة التدابير التي اتخذها صانعو السياسة في الصين لدعم اقتصاد بلادهم في مواجهة فيروس كورونا، والذي من المتوقع أن يتسبب في خسائر فادحة لنمو الاقتصاد الصيني خلال الربع الأول من العام الحالي. وبعد إعلان منظمة الصحة العالمية أن الصين تمكنت من محاصرة الوباء، ونجح التنين الصيني في علاج 70% من المصابين، فإنه من المتوقع أن يستأنف 80 % من المصانع هملها مجددا، وتعود الطاقة الإنتاجية إلى كامل قواعده بشكل طبيعي بحلول أخر إبريل المقبل. وعندما تعود «ورشة العالم» إلى العمل بكامل طاقتها، فإن التعافي السريع، الذي اتخذ شكل حرف V، حيث يعاني الاقتصاد من تراجع حاد، إلا أنه يتعافى بسرعة وقوة، وهو التعافي الذي سيمحو آثار الصدمة العنيفة للأسواق بعد ظهور الفيروس في أواخر ديسمبر الماضي. وفي مقال بصحيفة «فانيانشال تايمز» البريطانية، تساءلت مدير عام صندوق النقد الدولي: «كيف يمكن تحريك تدفقات رأس المال إلى اقتصاديات الأسواق الناشئة؟»، مشيرة إلى أن إيجاد الجواب الصحيح على هذا السؤال حاسم للاستقرار المالي والنمو وخلق الوظائف. وتستفيد هذه الدول من وفرة رأس المال الخارجي، والذي يمكن استخدامه لتمويل الأفكار الطازجة وتأسيس البنى التحتية الحيوية. وأعلن صندوق النقد عن سياسته الجديدة تجاه هذه الدول، والتي تسمى «إطار السياسة المتكاملة»، والذي سيعيد تقييم تكاليف وفوائد أربع أدوات، وهي السياسة المالية، سياط التحوط، وتدخلات أسعار الصرف، وتدابير تدفق رأس المال، وذلك للمساعدة في استقرار الاقتصادات المعرضة للصدمات المحلية والخارجية. لذا، فإن لذة ومكاسب المخاطرة والمغامرة، لن تدفع المستثمرون بعيدا عن الاقتصادات الناشئة رغم كورونا وحرب أسعار النفط وتوقعات بحدوث كساد عالمي، فهذه الأسواق هي حاضر ومستقبل الاقتصاد العالمي.

جريدة عمان

مجانى
عرض