رمـــاد: النصف الممتلئ

عبدالله بن محمد المعمري –
shinas1@hotmail.com –

الطريق كان مبتورا، وكان الظلام فيه دامس، لا أعلم كيف أسير فيه، فالهدف أن أصل إلى البداية، حيث أستطيع أن أقول لهم من أنا، وأزيل تلك الصورة التي رسمها غيري لي، ولم أعلم بها، غير أني سمعتُ الوصف كيف أني بها أكون، فهكذا يفعل البشر حينما يرسمون صور غيرهم وفق ما هم يرون لا كما هو في الحقيقة. لذا كان النور الذي ينير الطريق هو فقط أمل يملأني ولا شيء آخر.
أشعر بنصفي فقط، نصف ما أنا عليه، ما أعرفه عن نفسي، أما النصف الآخر فمجهول، لا أعلم من يكون، ولا أريد أن يُكملني دون أن أشعر بما أنا عليه. إن الأمر أشبه بالبحث عن الذات في مكامنها، فيما هي عليه من صفات، فيما تفعل، وفيما تريد أن تفعل، وفيما تستطيع أن تكون عليه، فليس المهم هو أن يتكامل النصفين، أكثر من أن يعرف كلّ منهما الآخر.
مضيت في الطريق المظلم، أحمل معي نصفي المجهول، أما ما أنا عليه في نصفي الذي أعلم فقد كنت أملأه بالمعرفة عن ذاتي، وما أستطيع فعله، فكل يوم لي في الطريق كان يكسبني خبرة عن نصف نفسي، التي أركز عليها، في أن أرفع من شأنها، أن أحتويها بالوفاء الذي ذات يوم منحته لنصفي المجهول فغادرني، فما أصعب العبور في مسارات المجهول، وما أشد ألم التعثر في أي مسار، إلى أن وصلتُ إلى نهاية الطريق، الذي انتهى بضوء باهر، وألوان أزهى لواقع أجمل من ذلك الذي غادرته وأنا أعبر الطريق المظلم.
يا لها من مفاجأة، إن نصفي قد امتلأ، ولم يعد بحاجة إلى نصفي المجهول، وأن المعرفة به لم تتحقق، فماذا أفعل به وهو بوجوده أكون «أنا» لا ما يرسمه الآخرون عني.

أدرك الآن ما أنا عليه، وإن كنت «نصفا» فالاكتمال لن يحدث، ولن أبلغه، ولكن النصف الممتلئ هو ال»أنا» بلا تكبر أو غرور، وبلا زيف لصورة مرسومة بزعمهم، بل جمال يعانق الروح ويبهجها، ويجعلها تمشي في طريق الحياة نحو المعالي، بسمو همة، وثقة منبعها خير عظيم وعطاء مستمر لا نهاية له، فهذا أنا، وهكذا أكون.