اتفاق السلام ومستقبل أفغانستان

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

الوضع السياسي في أفغانستان معقد وحتى اتفاق السلام الذي تم بين حركة طالبان والولايات المتحدة هو اتفاق مرحلي لا يحل المشكلة الأفغانية بشكل حاسم ولكنه أعطى الأمل للأفغان ومن خلال حوار مباشر أن يتوصلوا إلى مقاربة سياسية تجعل من أفغانستان دولة مدنية حديثة مع المحافظة على تقاليدها وإرثها التاريخي كدولة إسلامية محافظة.
ولا بد من الاعتراف أن التباين بين حركة طالبان وحكومة كابول هو تباين كبير من خلال فلسفة الحكم وشكل الدولة الأفغانية في مرحلة ما بعد الحرب ومن هنا تأتي صعوبة المرحلة القادمة من المحادثات التي سوف تجري ولم يحدد مكانها حتى الآن وقد يتفق الفرقاء الأفغان مجددا على الدوحة لاستكمال مشوار السلام.

اتفاق السلام الذي تم التوقيع عليه مؤخرا في العاصمة القطرية الدوحة بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان الأفغانية ومن خلال الوساطة القطرية يعد حدثا سياسيا مهما من خلال تحقيق الاختراق الأهم للحرب الأهلية في أفغانستان والتدخل الأمريكي والدولي فيها منذ عام 2001 ومن هنا فإن الاتفاق يؤسس لمرحلة أهم وهي الحوار الأفغاني-الأفغاني وهو الحوار الأصعب في المرحلة القادمة.
الصراع في أفغانستان يعد من الصراعات المعقدة هذا يعود إلى طبيعة الفكر السائد والمشروع الوطني لطرفي المعادلة وهم الحكومة الأفغانية التي تريد أن تدفع بأفغانستان إلى مرحلة التحديث وعصرنة الدولة بكل آلياتها وهناك الفكر الطالباني الذي يتحدث عن الدولة الإسلامية ومن خلال تطبيق الشريعة.
وفي تصوري فإن اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان انطلق من مصلحة أمريكية أساسها التخلص من العبء الاقتصادي والتكلفة السياسية للحرب في أفغانستان وفي إطار خطة الرئيس ترامب بضرورة الانسحاب من مناطق الحروب والصراعات في منطقة الشرق الأوسط وخاصة من أفغانستان والعراق ومن هنا فإن تلك المصلحة الأمريكية تناغمت مع طرح حركة طالبان وهي انسحاب القوات الأجنبية من البلاد في نهاية المطاف والإفراج عن أكثر من 5000 سجين من كوادر الحركة.

الحوار الأصعب

ومن خلال اتفاق السلام الموقع في الدوحة أصبح هناك تفاؤلا كبيرا بأن يفتح هذا الاتفاق الباب لاتفاق أفغاني- أفغاني وهو الأصعب نظرا للتباينات الفكرية في الدولة الأفغانية في المستقبل ومن هنا لا تزال هناك بؤر للعنف المسلح تم ملاحظتها حتى بعد توقيع الاتفاق علاوة على تصريحات الحكومة الأفغانية بعدم تعهدها في اتفاق السلام بالإفراح عن سجناء حركة طالبان وان ذلك مرهون بالحوار القادم مع الحركة، كما أن الولايات المتحدة كما يبدو تريد إنهاء وجودها في أفغانستان ولكن مع إلزام حركة طالبان ببعض الآليات التي من خلالها يتم التوقف عن مهاجمة القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي المتمركز في بعض المناطق الأفغانية.
والحوار الأفغاني-الأفغاني الذي سوف ينطلق خلال المرحلة القادمة سوف يكون الاختبار الأهم في إطار الحل الشامل للحرب في أفغانستان بعد مرور عقدين من الحرب الجبلية القاسية التي اندلعت في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وكانت الحرب تستهدف القاعدة في المقام الأول وحليفتها حركة طالبان، وهذه الأخيرة ذات ثقل قبلي من خلال انتمائها إلي قبيلة البشتون ذات النفوذ الكبير في أفغانستان وأجزاء من باكستان
الوضع السياسي في أفغانستان معقد وحتى اتفاق السلام الذي تم بين حركة طالبان والولايات المتحدة هو اتفاق مرحلي لا يحل المشكلة الأفغانية بشكل حاسم ولكنه أعطى الأمل بتمكن الأفغان من خلال حوار مباشر أن يتوصلوا إلى مقاربة سياسية تجعل من أفغانستان دولة مدنية حديثة مع المحافظة على تقاليدها وارثها التاريخي كدولة إسلامية محافظة.
ولابد من الاعتراف بأن التباين بين حركة طالبان وحكومة كابول هو تباين كبير من خلال فلسفة الحكم وشكل الدولة الأفغانية في مرحلة ما بعد الحرب ومن هنا تأتي صعوبة المرحلة القادمة من المحادثات التي سوف تجري ولم يحدد مكانها حتى الآن وقد يتفق الفرقاء الأفغان مجددا على الدوحة لاستكمال مشوار السلام.

الحسابات المختلفة

كما تمت الإشارة فإن اتفاق الدوحة هو مسالة أولية وليست حاسمة ولكن بالنسبة للولايات المتحدة فإن هناك رغبة لدى إدارة ترامب للتخلص من العبء الاقتصادي للحرب وهي مكلفة وليس هناك افق لحسمها أي بمعنى آخر أن القضاء على حركة طالبان وبعد عقدين من الحرب أصبح عملية مستحيلة. ومن هنا فإن الحسابات الأمريكية تنطلق من إيجاد تفاهمات مع حركة طالبان للانسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان وفق جدول زمني وأيضا تكون هناك تعهدات من الحركة بتقليل التصعيد والتوتر وعدم مهاجمة القوات الأمريكية والأجنبية.
كما أن هناك عددا من البنود الخاصة بتبادل الأسرى وهي بنود تحفظت عليها حكومة كابول خاصة موضوع الإفراج عن أسرى حركة طالبان وأسرى القوات الحكومية ومع ذلك فان التدخل الأمريكي قد ينجح في إيجاد آلية محددة للتفاهم على هذا البند مع انطلاق الحوار الأفغاني-الأفغاني.
وانطلقت حسابات حركة طالبان من خلال اتفاق السلام على عدة محاور أهمها أنها أصبحت حركة شرعية تتفاوض مع الولايات المتحدة عدوة الأمس كما أن هناك أضواء إعلامية تم تسليطها على حركة طالبان باعتبارها شريكا مهما في الصراع الأفغاني ولعل اتصال الرئيس ترامب برئيس المكتب السياسي لحركة طالبان عبد الغني برادر يعد انتصارا معنويا وسياسيا للحركة.
كما أن تصريحات الرئيس ترامب حول إمكانية حُكم حركة طالبان أفغانستان هو تصريح مثير للدهشة ومن هنا فإن حسابات حركة طالبان من خلال اتفاق السلام كانت صحيحة ويبدو لي أن حركة طالبان هي الطرف الأكثر استفادة من الاتفاق علي الصعيدين السياسي والإعلامي وهذا شيء مهم للحركة.
إذن اتفاق السلام هو اتفاق مرحلي لم يحسم الصراع الأفغاني بشكل كامل ولكنه خطوة للأمام وهو الآمر الذي عبرت عنه كل الأطراف باعتباره خطوة مهمة لتحقيق السلام والاستقرار الشامل لأفغانستان على ضوء نتائج الحوار الأفغاني-الأفغاني.
أفغانستان خلال العقدين الماضي تعرضت لمشكلات كبيرة على صعيد ضياع الموارد وعدم الاستقرار وتدمير الكثير من البنى الأساسية وغياب الدولة المركزية القوية وتشعب التحالفات القبلية مما جعل أفغانستان ساحة صراع معقدة، كما لعبت الجغرافيا دورا كبيرا في تواصل الحرب حيث استطاعت حركة طالبان من الاستيلاء على عدد من المناطق الأفغانية كما لم تنجح حكومة كابول في بسط سيطرتها على البلاد من خلال الصراع اليومي الذي يقوم على قتال الكر والفر والعمليات والتفجير في المدن وهو الأمر الذي ضاعف من أعداد الضحايا من المدنيين الأفغان وتعطل الكثير من النشاط اليومي خاصة في أماكن التوتر حتى على صعيد التعليم وتقديم الخدمات.

موقف الحكومة

الحكومة الأفغانية رحبت باتفاق السلام لأن ذلك يفتح مجالا للسلام الشامل ورحبت بعقد الحوار مع حركة طالبان وهي تدرك بأن الاتفاق بين الولايات المتحدة وحركة طالبان قد أكسب الحركة قوة دفع سياسية كبيرة.
ومن هنا فإن المفاوضات بين حكومة كابول وحركة طالبان لن تكون سهلة في ظل المتغيرات التي أحدثها اتفاق السلام ومصلحة أفغانستان تفرض على الحكومة الأفغانية وحركة طالبان أن تكون هناك مرونة وتنازلات حتى يمكن الوصول إلى تفاهمات سياسية وبالتالي ينتهى الصراع بشكل حاسم ليتم التفرغ لبناء أفغانستان الجديدة وفق أسس يتم الاتفاق عليها من خلال عملية سياسية يشارك فيها كل الفرقاء والتكتلات السياسية في أفغانستان وتفضى إلى انتخابات تشريعية ورئاسية ويكون للشعب الأفغاني الكلمة الفصل.
إن شكل الدولة الأفغانية القادمة سوف تحددها الأطر والآليات التي سوف يتم الاتفاق عليها بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان وهناك قناعة تامة بعد اتفاق السلام بأن الحسم العسكري اصبح مستحيلا وان الولايات المتحدة سوف تسحب قواتها تاركة للأفغان أن يتفاهموا لإنقاذ بلادهم من التمزق والحرب التي أضرت بالجميع.
ان مستقبل أفغانستان وشعبها سوف يتوقف على حوار الأفغان وهذه مرحلة تتسم بالأهمية ويعول عليها الأفغان آمالا كبيرة لإنهاء معاناتهم التي سببتها الحروب منذ الغزو السوفيتي في السبعينيات إلى الاحتلال الأمريكي عام 2001 ونتائج تلك الحروب الكارثية على مقدرات الشعب الأفغاني ومستقبل أجياله.
إن المسؤولية الوطنية تقتضي أن ينجح الفرقاء الأفغان في إيجاد مقاربة سياسية تفضي إلى اتفاق سلام شامل يضع أفغانستان على الطريق الصحيح وانتشال البلاد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي سببتها تلك الحروب على مدى عقود وقد حان الوقت لإنهاء تلك المعاناة والانطلاق نحو أفغانستان الجديدة واستغلال مواردها الكبيرة في إيجاد دولة مدنية مستقره يعيش فيها الشعب الأفغاني بسلام وتنمية شاملة وتقديم نموذج ناجح للدوله الحديثة على غرار ما نشاهده من نماذج في آسيا وأفريقيا.