أخيرا .. حمامة السلام تحوم حول أفغانستان !!

د. عبدالحميد الموافي –

وقد أدى الاجتياح السوفييتي لأفغانستان وسيطرة القوات السوفيتية على العاصمة كابول إلى سلسلة من النتائج، لم تنحصر، أو تقتصر على الأوضاع الأفغانية الداخلية، ولكنها امتدت بسرعة إلى التأثير في الوضع الاستراتيجي في وسط آسيا وامتدادا إلى منطقة الخليج ، حيث لم يفصل القوات السوفيتية عن مياه الخليج سوى نحو خمسمائة ميل جوي فقط ، وهو ما أثار قلق مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، بما فيها الولايات المتحدة ، التي رأت في التحرك السوفيتي خطوة للقفز نحو الخليج والمياه الدافئة ، في إطار الاستراتيجية السوفيتية والتنافس الدولي بين العملاقين – أي امريكا والاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت – ومن ثم عملت الولايات المتحدة وحلفاءها من أجل تحويل أفغانستان إلى مستنقع لموسكو وإلى فيتنام سوفييتية، ومعادل لفيتنام الأمريكية في ستينيات وحتى أوائل سبعينيات القرن الماضي.

ليس من المبالغة في شيء القول إن اتفاق السلام الذي تم التوقيع عليه في العاصمة القطرية ، الدوحة ، يوم التاسع والعشرين من الشهر الماضي ، بين الولايات المتحدة وحركة طالبان الأفغانية، وبحضور ممثلين لنحو ثلاثين دولة، منهم السلطنة، التي مثلها معالي يوسف بن علوي بن عبد الله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، هو خطوة على جانب كبير من الأهمية ، سواء بالنسبة لطرفي الاتفاق المباشرين – أي الولايات المتحدة وحركة طالبان – أو بالنسبة لحكومة أفغانستان في كابول ، وهي الطرف غير المباشر في الاتفاق، أو بالنسبة للأطراف الإقليمية الأخرى المعنية بالأوضاع في أفغانستان -أي كل جيرانها المشتركين معها في الحدود – فضلا عن قطر التي ساهمت بجهد ملموس في التهيئة للاتفاق والتوصل إليه على مدى نحو عشر سنوات، وذلك باحتضانها للمكتب السياسي لحركة طالبان ، وبموافقة أمريكية ، وذلك منذ افتتاحه في عام 2013 ، وكذلك بالنسبة لاحتمالات السلام والاستقرار بالنسبة للدولة الأفغانية والمنطقة من حولها أيضا.
جدير بالذكر أن أفغانستان الدولة الآسيوية الداخلية التي لا تطل على شواطئ بحار أو انهار، قد شغلت العالم على مدى الأربعين عاما الماضية -على الأقل- أي منذ الاجتياح السوفيتي لها في آخر أيام عام 1979، عندما دخلتها القوات السوفيتية في 31 ديسمبر عام 1979 ، بعد مرحلة من عدم الاستقرار والانقلابات المتتابعة فيها بعد الإطاحة بالملك ظاهر شاه في منتصف السبعينيات . وقد أدى الاجتياح السوفيتي لأفغانستان وسيطرة القوات السوفيتية على العاصمة كابول إلى سلسلة من النتائج، لم تنحصر، أو تقتصر على الأوضاع الأفغانية الداخلية ، ولكنها امتدت بسرعة إلى التأثير في الوضع الاستراتيجي في وسط آسيا وامتدادا إلى منطقة الخليج، حيث لم يفصل القوات السوفيتية عن مياه الخليج سوى نحو خمسمائة ميل جوي فقط ، وهو ما أثار قلق مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، بما فيها الولايات المتحدة ، التي رأت في التحرك السوفيتي خطوة للقفز نحو الخليج والمياه الدافئة ، في إطار الاستراتيجية السوفيتية والتنافس الدولي بين العملاقين – أي أمريكا والاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت – ومن ثم عملت الولايات المتحدة وحلفاؤها من أجل تحويل أفغانستان إلى مستنقع لموسكو وإلى فيتنام سوفيتية ، ومعادل لفيتنام الأمريكية في ستينيات وحتى أوائل سبعينيات القرن الماضي.
ولعله من الأهمية بمكان أن أفغانستان ، الدولة الفقيرة ومحدودة الموارد ، التي أنهكتها الحروب على مدى الأربعين عاما الماضية ، تكتسب أهميتها من موقعها الاستراتيجي، رغم أنها لا تطل على بحار، فمن المعروف أن بريطانيا التي سيطرت على أفغانستان لعقود عديدة ، جعلت من أفغانستان منطقة عازلة بين الامبراطوريتين البريطانية والسوفييتية، وتظل هذه الأهمية الاستراتيجية لأفغانستان قائمة – وإن بأشكال مختلفة – وذلك بالنظر إلى أن لأفغانستان حدودا، ومن ثم صالح مع كل من روسيا – الاتحاد السوفيتي السابق – والصين، حيث يربط ممر خيبر بينها وبين أفغانستان ، ومن خلال هذا الممر تضع الصين عينها على أفغانستان لتشارك في استراتيجة «طريق واحد حزام واحد» الصينية التي تسعى بكين إلى تنفيذها لإحياء طريق الحرير بينها وبين أوروبا ، كما أن لأفغانستان حدودا مع كل من الهند وبالطبع باكستان وإيران، هذا فضلا عن المصالح الأمريكية في أفغانستان ، وهي المصالح القائمة والمستمرة منذ عقود عديدة، وبما يتجاوز الحرب على الإرهاب بعد مهاجمة تنظيم القاعدة لبرجي التجارة العالمية في 11 سبتمبر عام 2001. وفي ضوء ذلك وغيره، فانه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب ، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: أن القلق والتخوف الغربي والإقليمي من الوجود السوفيتي في أفغانستان بعد اجتياحها، والرغبة الأمريكية في استنزاف موسكو في أفغانستان ، فتح المجال أمام الولايات المتحدة وعدد من الدول في المنطقة إلى تحويل أفغانستان إلى بؤرة للصراع بين القوات السوفيتية وبين مجموعات المجاهدين الأفغان والعرب ومن كثير من الدول الإسلامية ، الذين تم دمجهم في ميليشيات وجماعات مسلحة تحت شعار الجهاد ضد الشيوعية، ويمكن القول إن هذا النشاط المحموم بزعم محاربة الشيوعية، الذي شجعته واشنطن ومولته وسلحته أيضا ، شكل الأرضية للمنظمات الجهادية والإرهابية التي يعاني منها العالم ، التي عانت منها الولايات المتحدة ، خاصة بعد استفحال تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن ، الذي عمل على استغلال الطوبوغرافيا الأفغانية لتطوير تنظيمه وللاختباء بين جبال «تورا بورا» ، خاصة بعد الخلط بين الاعتبارات والأهداف الدينية وبين الاعتبارات والأهداف السياسية . ولعله من الأهمية بمكان الإشارة إلى انه بعد هزيمة الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان وانسحابه في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، تحولت أفغانستان إلى ساحة للصراع بين الميليشيات الإسلامية العديدة، التي تنافست فيما بينها للاستيلاء على السلطة في كابول ، كما تنافست القوى الإقليمية فيما بينها لتعزيز دورها ومصالحها في أفغانستان.
وفي ظل هذا التنافس وتصفية الحسابات تمكنت حركة طالبان من السيطرة على أفغانستان بالقوة المسلحة ، وقدمت ملجأ لأسامة بن لادن في جبالها مقابل الأموال التي كان يمد الحركة بها، التي كان يحصل عليها من مصادر عدة كتبرعات لدعم الجهاد الإسلامي ، ولمحاربة الشيوعية . وتجدر الإشارة إلى أن حركة طالبان تكونت بالأساس من طلاب المعاهد الدينية في المنطقة الغربية في باكستان ، وانطلقت منها الى وضع حد للصراع بين الميليشيات والجماعات الإسلامية في أفغانستان ، وهو ما تحقق لها . وفي ظل ايديولوجية تنظيم القاعدة، ورفعه لشعار مقاومة الولايات المتحدة والوجود الأمريكي في الدول الإسلامية ، جرت أحداث 11 سبتمبر عام 2001 ضد برجي التجارة في نيويورك وقصف مقر البنتاجون الأمريكي في واشنطن التي تورط فيها 19 من الشباب المنتمي لتنظيم القاعدة ومن ثم مسؤولية التنظيم عنها، التي تباهى بها كإنجاز للأسف بغض النظر عما ترتب على ذلك من نتائج تدفع شعوب المنطقة والعالم ثمنا فادحا لها حتى الآن.
ثانيا : ومع الوضع في الاعتبار الجدل الذي ثار حول أحداث 11 سبتمبر 2001 ، وما راج أحيانا من منظور منطق نظرية المؤامرة ، إلا أن تلك الأحداث شكلت منعطفا هاما، حيث استغلها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن لإطلاق حملة الولايات المتحدة لمقاومة الإرهاب . ولم يكن مصادفة أبدا أن تبدأ الحملة التي روج لها جورج بوش الابن من أفغانستان، أن تستهدف الإطاحة بحركة طالبان وبتنظيم القاعدة كذلك وقائده أسامة بن لادن ، ومن خلال الضربات الأمريكية ضد أفغانستان تمت الإطاحة بالفعل بحركة طالبان ، كما تمت تصفية الكثير من قيادات تنظيم القاعدة ، حتى تمت تصفية أسامة بن لادن نفسه في مخبئه في باكستان على يد قوات أمريكية في ظل حكم الرئيس أوباما في عام 2012 وقبيل انتخابات الرئاسة الأمريكية التي ترشح فيها أوباما للفوز بفترة رئاسة ثانية . وبينما عانت قيادة تنظيم القاعدة من التفكك وتصفية الكثير من عناصرها الرئيسية ، فان حركة طالبان عادت إلى العمل العسكري ضد الحكومة في كابول من خلال الهجمات وحرب العصابات واستغلال ضعف حكومة كابول وأجهزتها الأمنية . وقد استطاعت الحركة أن تحافظ على وجودها برغم وفاة قائدها الملا عمر، وتصفية الكثير من قياداتها التي تولت رئاسة الحركة خلفا له.
وفي حين حاولت واشنطن من خلال قواتها في أفغانستان – حوالي 14 ألف جندي بالإضافة إلى نحو ستة آلاف من جنود التحالف الدولي المساند للقوات الأمريكية في أفغانستان – مساعدة الحكومة في كابول وتدريب كوادرها عسكريا وأمنيا لمواجهة حركة طالبان ، إلا أن الحركة التي اعتمدت أساليب الهجمات والتفجيرات المسلحة استطاعت الاستمرار في إزعاج وإشغال الحكومة في كابول بوسائل عدة ، بما في ذلك عرقلة خطط الحكومة في مجال تعليم الفتيات وإجراء انتخابات وتنفيذ مشروعات تنموية ، تحت مزاعم مختلفة تجد صداها داخل المجتمع الأفغاني المحافظ . والآن فان حركة طالبان تسيطر على نحو 59% من أراضي أفغانستان وتفرض سيطرتها أيضا على نحو 10% من الأفغانيين البالغ عددهم نحو 34 مليون نسمة.
وبالرغم من الخسائر الكبيرة في صفوف المدنيين الأفغان، وما تسببه الحرب بين حركة طالبات والقوات الأمريكية وقوات التحالف المؤيدة لها من دمار وخسائر ، إلا أن القوات الأمريكية في أفغانستان، والموجودة بحجة مقاومة حركة طالبان وتنظيم القاعدة وتنظيم داعش، الذي تتزايد عملياته على الأرض بشكل ملموس، قد مكن واشنطن من التمركز عبر تلك القوات على مناطق تماس مع حدود الدول المحيطة بأفغانستان وهو أمر له فوائده الأمنية العديدة للولايات المتحدة. فمن خلال السيطرة على أفغانستان تكون واشنطن في قلب وسط آسيا، ويمكن أن تغطي قرون استشعارها دوائر واسعة في باكستان وإيران والصين وروسيا الاتحادية كذلك .
غير أن الخسائر المستمرة للقوات الأمريكية ، التي تقدرها بعض المصادر بنحو 2 تريليون دولار و2400 جندي أمريكي و1100 جندي من قوات التحالف و38 الفا من المدنيين الأفغان بالإضافة إلى آلاف المصابين ، وكذلك الرغبة في الاستثمار السياسي لسحب القوات الأمريكية وإعادتها إلى الولايات المتحدة ، وكذلك الرغبة في تكرار خطوات قام بها اوباما واستفاد منها في الانتخابات الرئاسية له لفترة ثانية ، هي ما يفسر رغبة ترامب في القيام بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان في الأشهر القادمة ، التي تسبق انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر القادم ، اما مصير أفغانستان كدولة وكشعب فإنها تأتي في مرتبة تالية ، بغض النظر عن أية تصريحات في هذا المجال.
ثالثا : من المؤكد أن كل خطوة يمكن أن تحقق السلام والاستقرار لأي من الدول الشقيقة أو الصديقة ، تعد خطوة في الاتجاه الصحيح ، ليس فقط لأنها تتسق مع ما تتمناه السلطنة وما تسعي إليه في المنطقة والعالم ، ولكن أيضا لأن السلطنة دولة سلام ، ولأن السلام والاستقرار في المنطقة والعالم هو في النهاية محصلة لمجموعة الحلول والتطورات السلمية والتوافق لحل المشكلات بالطرق السلمية . وبالنسبة لاتفاق الدوحة للسلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان ، فانه يتطلب في الواقع خطوات متتابعة من أجل ان يتحقق السلام ويعود الاستقرار الى ربوع أفغانستان ؛ ولأن الشيطان يكمن دائما في التفاصيل، فإن المخاوف المتعلقة بتنفيذ الاتفاق ، وبمدى الخطوات المنتظرة، وحدودها والتوافق بشأنها هو ما يقلق البعض على هذا الجانب أو ذاك.
وفي الوقت الذي رحبت فيه القوى الإقليمية بدرجات متفاوتة باتفاق السلام ، حيث رحبت باكستان والصين وروسيا والهند بالاتفاق ، في حين انتقدته إيران التي توجد مشكلات عديدة في علاقتها بالولايات المتحدة في هذه الفترة ، فان تصريح مبعوث أمريكا للسلام في أفغانستان السفير زالماي خليل زادة ، وهو من أصول أفغانية ، بأن « امريكا لا تبحث عن اتفاق انسحاب بل اتفاق سلام يمكن من الانسحاب » كان بالغ الدلالة ، وكان بمثابة طمأنة للكثير من الأطراف، التي ربطت ، وبحق إلى حد كبير ، بين الاتفاق وبين انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة ، خاصة وان عملية الانسحاب في المرحلة الأولى ، التي تتم خلال 135 يوما تتواكب مع الانتخابات ، وهو ما يمكن ان يستثمره ترامب لصالحه ، من منطلق انه أوفى بما قطعه على نفسه من وعود بإعادة القوات الأمريكية ، وهو ما يرضي الناخبين الأمريكيين ويصب في مصلحته.
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في عملية تنفيذ الاتفاق من جانب حركة طالبان من ناحية ومدى قدرتها على الالتزام بما تعهدت به في الاتفاق والمتمثل في قطع العلاقات مع تنظيم القاعدة وتنظيم داعش وإنهاء العمليات ضد حكومة كابول والدخول في مفاوضات مع حكومة كابول للاتفاق على مستقبل أفغانستان من المفروض أن تبدأ اليوم ، العاشر من مارس .
من جانب آخر فانه في حين تعهدت أمريكا من جانبها باحترام سيادة أفغانستان وسحب كل القوات الأمريكية من أفغانستان بعد نحو عشرة اشهر بعد المرحلة الأولى ، وان تدعم قوات الأمن والمؤسسات الحكومية الأفغانية ، وأن تلتزم بتسيير المناقشات بين أفغانستان وباكستان لضمان عدم تهديد أي منهما للآخر ، إلا أن ذلك يظل مرتبطا ، بل متوقفا على تحقيق الهدوء والدخول في مرحلة استقرار في أفغانستان ، وعلى إمكانية التوافق بين حركة طالبان وحكومة كابول حول عدد من الجوانب المتصلة بالدولة الأفغانية ومدى وكيفية المشاركة بين القوى الأفغانية لتسيير مؤسسات تلك الدولة في الفترة القادمة ، وكذلك مدى النجاح في تنفيذ الإفراج المتبادل عن الأسرى لدى الجانبين – طالبان وحكومة كابول – وهذه كلها أمور لن تتحقق تلقائيا ولا بسهولة ، خاصة وان تنظيم داعش يمكن أن يزيد من عملياته الإرهابية في الفترة القادمة في محاولة لعرقلة الاتفاق .
وعلى أية حال فانه إذا كان الرئيس الأمريكي يمكنه أن يلقي بمسؤولية فشل اتفاق السلام ، اذا حدث ، على عاتق طالبان ، خاصة بعد ان أظهر نفسه بأنه حاول الوفاء بتعهداته للناخبين ، فإن حركة طالبان استفادت بالفعل من المفاوضات مع الإدارة الأمريكية ، وتفسرها على انها بمثابة اعتراف بها ، وهو ما يرضيها في هذه المرحلة على الأقل . ومن هنا فان نجاح الالتزام بتنفيذ الاتفاق سيحتاج بالضرورة إلى تعاون واشنطن وحركة طالبان بشكل جاد وصادق ، حتى لا يكون خطوة يتيمة ، وحتى تستقر حمامات السلام على أرض أفغانستان.