الانتخابات التمهيدية والثلاثاء الكبير

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

مع ظهور هذا المقال اليوم تكون الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي قد حسمت يوم الثلاثاء الكبير الذي يضم أربع عشرة ولاية، حيث أن نتائج الأمس تعني الى حد كبير أن ملامح المرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي قد اتضحت الى حد كبير ومن هنا فإن كل المؤشرات تذهب الى ان السباق في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي سوف تنحصر في نهاية المطاف بين بيرني ساندرس وجو بايدن.

فالأول يعد من الشخصيات التي سبق لها ونافست على الفوز بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي خلال الانتخابات الرئاسية عام 2016 قبل أن ينسحب لصالح الديمقراطية هيلاري كلينتون والتي خسرت في السباق الى البيت الأبيض أمام الرئيس الجمهوري الحالي دونالد ترامب ويحظى ساندرس بشعبية خاصة تجاه الأوساط الطبقات الشعبية ، ويعد الأقرب الى الفكر الاشتراكي الذي ينادي بحقوق الطبقات الفقيرة ودعم المهاجرين وحتى إيجاد حل عادل ومنصف للقضية الفلسطينية حيث انتقد خطة السلام الأمريكية الأخيرة المعروفة بصفقة القرن.
فيما يخص جو بايدن فإن تجربته السياسية أكبر حيث شغل منصب نائب الرئيس الأسبق باراك أوباما لفترتين في البيت الأبيض وله توجهاته المحافظة وقد دخل في خلاف شديد مع الرئيس الحالي ترامب فيما يخص قضية أوكرانيا وهو الأمر الذي وصل الى محاكمة ترامب برلمانيا ولكن مجلس الشيوخ أعلن براءته كما هو متوقع في إطار المناكفات الحزبية.
ويبدو لي أن المرشح عن الحزب الديمقراطي والذي سوف ينافس الرئيس ترامب يوم الثالث من نوفمبر القادم في إطار الانتخابات الرئاسية لن يخرج عن بيرني ساندرس او جو بايدن، وسوف نتائج الثلاثاء الكبير إشارة قوية على تفوق أحدهما على الآخر مع انسحاب عدد من الشخصيات الديمقراطية من السباق وهو أمر تقليدي خلال موسم الانتخابات الرئاسية ولاشك ان الرئيس ترامب قد يميل الي بيرني ساندرس وهذا يعود الى أن حملة الرئيس ترامب سوف تسلط الضوء على أفكاره التقدمية والتي قد تتعارض مع الليبرالية الأمريكية والشعبوية التي يتخذ منها ترامب سلاحا قويا بالنسبة لكتلته الانتخابية والتي تتركز علي البيض في الضواحي والمدن الكبرى في الولايات المتحدة.

عوامل الفوز والخسارة

من المبكر الحديث عن حظوظ مرشح الحزب الديمقراطي خلال الانتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم فهناك تحليلات من الدوائر الأمريكية تشير إلى أن جو بايدن قد يكون افضل خيارات الديمقراطيين أمام الرئيس ترامب، كما ان الحزب الديمقراطي لم ينجح في مناسبتين لإزاحة الرئيس ترامب عن البيت الابيض وهي التحقيقات الخاصة التي أجراها روبرت مولر على مدى شهور حول احتمالية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية عام 2016 والتي أدت الى فوز الرئيس الجمهوري ترامب وخسارة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون والحدث الآخر المهم يتعلق بالموضوع الاوكراني ومكالمة ترامب الشهيرة مع الرئيس الاوكراني والتي أدت الى فتح مجلس النواب الامريكي والذي يسيطر على أغلبيته الحزب الديمقراطي تحقيقات واسعة اعتبرت مشابهة الى أحداث ووترجيت.
ورغم أن الاتهامات وجهت الى الرئيس ترامب فيما يخص عرقلة عمل الكونجرس واستغلال السلطة الا ان المحاكمة البرلمانية في مجلس الشيوخ الذي يسيطر على أغلبيته الحزب الجمهوري قد برأت الرئيس ترامب من كلا التهمتين، وهو أمر كان متوقع كما كان الحال عليه مع الرئيس الديمقراطي الاسبق بيل كلينتون في عقد التسعينات ومن هنا فإن تلك الحادثتين سوف تلقي بظلالها إيجابا أو سلبا خلال الحملات الانتخابية الرئاسية.
عادة الرئيس في البيت الابيض كما هو الحال الآن مع ترامب يكون ممسكا بأوراق مهمة من خلال الزخم السياسي والتحركات الداخلية على مستوى القضايا التي تهم الشعب الامريكي ولعل التصريحات المكثفة للرئيس ترامب ونائبه بنس حول فيروس كورونا المستجد يدخل في هذا الاطار من خلال الترويج لإمكانية انجاز لقاح في المستقبل القريب لعلاج المصابين بالفيروس داخل الولايات المتحدة وخارجها، كما أن هناك ترويجا مهما حول ان الحزب الديمقراطي أضاع مجهود الكونجرس في قضايا لم تثبت صحتها وتم ضياع الكثير من الوقت والجهد، وعلى الصعيد الخارجي فإن أبرز حدثين هما التوقيع علي اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان الاسبوع الماضي في العاصمة القطرية الدوحة وأيضا فوز بنيامين نتانياهو في الانتخابات الإسرائيلية أمس الثلاثاء.
تلك الاحداث المحلية والخارجية سوف تعطي دفعة سياسية وانتخابية للرئيس ترامب ومع ذلك فإنه من المبكر الحديث عن حسم للسباق الى البيت الابيض خاصة وأن الحزب الديمقراطي لديه أوراق مهمة خاصة على الصعيد الاقتصادي والتشكيك في الارقام من خلال خطاب حالة الاتحاد والتي جعلت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي تمزق خطاب الرئيس ترامب أمام شاشات التلفزة الأمريكية بحجة ان كل المعلومات الواردة فيه غير صحيحة.

الخريطة الانتخابية

هناك قواعد انتخابية تقليدية للحزبين الديمقراطي والجمهوري منذ سنوات طويلة وإذا تم الحديث عن الولايات الكبيرة التي تتمتع بأصوات المجمع الانتخابي فإن ولاية نيويورك مثلا ديمقراطية وكذلك الحال بالنسبة لولاية كاليفورنيا وهناك ولاية تكساس وهي جمهورية ولكن تبقى هناك الولايات المتأرجحة كولاية فلوريدا واوهايو مما يجعل السباق الرئاسي يحسم من خلال تلك الولايات المتأرجحة حيث شكلت ولاية فلوريدا رقما صعبا مع الرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش الابن ضد المرشح الديمقراطي ال جور.
كما شكلت ولاية اوهايو رقما صعبا حتى خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتي حسمها الحزب الجمهوري لصالحه، ومن هنا فإن الحزب الديمقراطي وبعد ان يحسم مرشحه خلال الانتخابات التمهيدية لابد ان يجد الآليات والاستراتيجية المناسبة لاختراق تلك الولايات المتأرجحة، وهذا سوف يتطلب صرف الكثير من الأموال والدعاية الانتخابية خاصة وأن المراقبين لهذا المشهد الانتخابي وهو الاكثر إثارة في الانتخابات العالمية يرون بأن انتخابات نوفمبر سوف تكون واحدة من الانتخابات القوية وهذا يعود الى جملة الاحداث والقضايا والخلافات الحزبية الشرسة بين الحزبين سواء على صعيد تحقيقات الكونجرس او على صعيد التصريحات النارية بين الشخصيات الحزبية.
إذن السباق التمهيدي للحزب الديمقراطي سوف ينحصر بين بيرني ساندرس وجو بايدن ومن خلال الحملات التمهيدية فان الاقرب في تصوري هو جو بايدن لأسباب تخص الحزب الديمقراطي من خلال التركيز على قضايا لا تبتعد كثيرا عن التقاليد الديمقراطية والتي قد يستفيد منها الحزب الجمهوري.
فالرئيس ترامب وكما يبدو يفضل مواجهة بيرني على جو بايدن وعلى ضوء نتائج الامس فإن الحزب الديمقراطي قد يقنع كما حدث في الانتخابات السابقة بيرني ساندرس بالانسحاب ودعم جو بايدن حتى تكون هناك وحدة جماعية للحزب الديمقراطي في مواجهة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب.
ويبدو لي ان الخريطة الانتخابية قد تتغير بعض ملامحها لأسباب تتعلق بوعود ترامب الانتخابية خاصة حول موضوع حساس كالهجرة وايضا موضوع التأمين الصحي وكذلك أوضاع الطبقات الفقيرة والتي لاتزال على حالها علاوة على دخول ترامب في مناكفات سياسية ليس فقط مع الكونجرس الديمقراطي ولكن مع الاعلام الامريكي خاصة الصحف الكبرى كالواشنطن بوست ونيويورك تايمز والقناة الإخبارية المهمة وهي سي ان ان.

ان انتخابات الثلاثاء الكبير سوف تفرز المرشح الاقرب لتمثيل الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية وعلي ضوء الاحداث السابقة والخبرة التراكمية فإن جو بايدن نائب الرئيس السابق أوباما هو الاكثر حظا بالظفر بترشيح الحزب الديمقراطي خلال مؤتمر الحزب الديمقراطي وهو المؤتمر المركزي والذي من خلاله يتم تسمية المرشح الديمقراطي لمواجهة الرئيس الجمهوري ترامب وحتي يحدث ذلك فسوف تتواصل الانتخابات التمهيدية في بقية الولايات ولكن نتائج الثلاثاء الكبير سوف يكون مؤشرا على حسم المرشح الرئاسي للديمقراطيين اما أن يكون جو بايدن أو بيرني ساندرس.