تحديد الأولويات والأهداف للمرحلة المقبلة

عبدالله العليان –

في خطابه السامي في الثالث والعشرين من فبراير المنصرم، حدد جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- المرتكزات الأساسية، التي ستسير عليها بلادنا في المرحلة المقبلة، وهي محددات للمستقبل، وما ينبغي أن تنطلق منها الرؤية العمانية المتعلقة بالنماء الوطني الداخلي، والذي يستهدف مواصلة البناء على ما تحقق من تقدم ونهضة، ليضاف هذا البناء الجديد على أسس قويمة ومدروسة ومخططة، في ظل المتغيرات الاقتصادية الراهنة، لا سيما فيما ينبغي مراجعته وتقييم أدائه، باعتبار أن هذا من الأولويات والأهداف التي تسعي إليهما نهضتنا الحديثة في ظل قيادة جلالته، ومحط اهتماماته لتحقيق المزيد من الإنجازات والأهداف، فيما يتعلق بالتنمية الوطنية، والبناء الاقتصادي، والإداري، والاجتماعي، ولاستكمال مسيرة النماء التي شهدتها عمان في العقود الخمسة الماضية، والتي كما قال جلالته في هذا خطاب أنها: «شهدت تحولًا كبيرًا في بناء الدولة العصرية، وتهيئة البنى الأساسية الحديثة والمتطورة في كافة ربوع الوطن، بقيادة باني عمان الحديثة، المغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيب الله ثراه-، وبجهود المخلصين من أبناء عمان الذين نسجل لهم كل التقدير والإجلال على ما بذلوا من أجل رفعة عمان، وإعلاء شأنها. وإننا ماضون بعون الله على طريق البناء والتنمية، نواصل مسيرة النهضة المباركة، كما أراد لها السلطان الراحل -رحمه الله».
وأشار جلالته في هذا الخطاب المهم، إلى أهمية دور الشباب العماني، في بناء الوطن، باعتبارهم رصيد الحاضر وعدة المستقبل، وأهمية للاستماع إليهم، والتعرف إلى تطلعاتهم واحتياجاتهم، ولإتاحة الفرصة للشباب للتعبير عن ذاته، وما يجيش في ذهنه من أفكار وآمال وطموحات، وتطلعات مستقبلية لهذا الوطن العزيز، ورأى جلالته -حفظه الله- في خطابه هذا، إلى أهمية تعليم الشباب العماني، وتأهيله وتدريبه في شتى مجالات المعرفة والعلوم الإنسانية الحديثة والمتجددة، وأنها ستأخذ الألوية اللازمة بما يستحقها، من الرعاية الكاملة، من أجل البناء الصحيح والسليم، للتأسيس الجيد لتكون النتائج طيبة وإيجابية، للشباب المؤهل، فكل الأمم والحضارات عبر تاريخها، لم تستنهض وتتقدم، إلا بشبابها القادر على العطاء والبذل، والمتسلح بالعلم النافع، لتأدية الدور الرائد في التنمية الحقة، ومن هذه المنطلقات المهمة في مسيرة النهضة العمانية المتواصلة، اعتبر جلالته في هذا الخطاب أن: «الشباب هم ثروة الأمم وموردها الذي لا ينضب، وسواعدها التي تبني، هم حاضر الأمة ومستقبلها، وسوف نحرص على الاستماع لهم وتلمُّس احتياجاتهم واهتماماتهم وتطلعاتهم، ولا شك أنها ستجد العناية التي تستحقها. وأن الاهتمام بقطاع التعليم بمختلف أنواعه ومستوياته وتوفير البيئة الداعمة والمحفزة للبحث العلمي والابتكار سوف يكون في سلم أولوياتنا الوطنية، وسنمده بكافة أسباب التمكين باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن أبناؤنا من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة».
وتحدث جلالته في خطابه، على أولوية إيجاد الطرق والوسائل الدافعة، لتحقيق الأهداف المبتغاة، من خلال اتخاذ الإجراءات التي تستهدف، إعادة النظر في الهيكلية القائمة في جهاز الدولة الإداري وتنظيمه، ومراجعة النظم واللوائح والقوانين والتشريعات القائمة، وغيرها من الإجراءات، بما يضمن انسيابية العمل الإداري والقانوني بعيدًا عن البيروقراطية والروتين، وتطبيق الأسس الفاعلة في دقة الأداء، مع وجود سياج النزاهة، والمساءلة، والمحاسبة، وهذه الأخيرة، هدفها تطويق مكامن الفساد ومحاصرته، وضرب تحركاته. ولا شك أن إضعافه بلا شك هدف مهم من أهداف التنمية السليمة والناجحة، وقال جلالته في هذه المسألة الدقيقة والمهمة في تنظيم الجهاز الدولة الإداري: «إننا عازمون على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وتحديث منظومة التشريعات والقوانين وآليات وبرامج العمل وإعلاء قيمه ومبادئ وتبني أحدث أساليبه، وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة، لضمان المواءمة الكاملة والانسجام التام مع متطلبات رؤيتنا وأهدافها، وسنعمل على مراجعة أعمال الشركات الحكومية مراجعة شاملة بهدف تطوير أدائها ورفع كفاءتها وتمكينها من الإسهام الفاعل في المنظومة الاقتصادية، وسنهتم بدراسة آليات صنع القرار الحكومي بهدف تطويرها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا، وسنولي هذه الجوانب كل العناية والمتابعة والدعم».
وأشار جلالة السلطان هيثم، في هذا الخطاب، إلى أن التوجيه السليم، للموارد المالية، في ظل الظروف الاقتصادية التي يعيشها العالم اليوم في ظل متغيرات كثيرة وتحولات اقتصادية متعددة، ومن خلال إدارة تتسم بالكفاءة والقدرة على تحقيق الأداء الكامل في العمل الإداري الناجح، ومراعاة التوازن بين المتطلبات والإمكانيات، ومن هنا يرى جلالته -حفظه الله-، أنه لا بد من اتخاذ الخطوات الجادة، لخفض المديونية، من خلال العمل على زيادة الدخل، والتنويع الاقتصادي، واستغلال مواردنا الذاتية، التي تملكها بلادنا في مجالات كثيرة، وقال: «إننا سنحرص على توجيه مواردِنا المالية التوجيه الأمثل، بما يضمن خفض المديونية، وزيادة الدخل، وسنوجه الحكومة بكافة قطاعاتِها لانتهاج إدارة كفؤة وفاعلة، تضع تحقيق التوازن المالي، وتعزيز التنويع الاقتصادي، واستدامة الاقتصاد الوطني، في أعلى سُلّم أولوياتها، وأن تعمل على تطوير الأنظمة والقوانين ذات الصلة بكل هذهِ الجوانب بمشيئة الله».
وتطرق جلالته، إلى مسألة التشغيل ضمن التطوير الوطني الشامل، بما تتطلبه الضرورة الوطنية الراهنة، وإعطاء هذا الجانب الرعاية والاهتمام اللازمين، بما يعزز دور الاقتصاد الوطني، وتفعيله، وتحسين أدائه، في القطاعين العام والخاص، ومن هذه المنطلقات، يرى جلالته، أن هذا الاهتمام بتطوير التشغيل بصورة شاملة لكونه يمثل: «ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني، يستوجب استمرار تحسين بيئته في القطاعين العام والخاص، ومراجعة نظم التوظيف في القطاع الحكومي وتطويره، وتبني نظم وسياسات عمل جديدة تمنح الحكومة المرونة اللازمة والقدرة التي تساعدها على تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد والخبرات والكفاءات الوطنية، واستيعاب أكبر قدر ممكن من الشباب، وتمكينهم من الانخراط في سوق العمل، لضمان استقرارهم، ومواكبة تطلعاتهم، استكمالًا لأعمال البناء والتنمية».
وتحدث جلالة السلطان المعظم، عن البناء الوطني، كونه مسؤولية عامة، وقيمة عظيمة، في حياة كل الأمم والحضارات عبر التاريخ، وهو أيضا مسؤولية الفرد والجماعة على السواء، وأن يلتزموا بهذه المسؤولية، ويساهم الجميع في هذا البناء، دون استثناء، وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الذاتية الضيقة، والحفاظ على السلم الأهلي وصون مكتسبات الوطن التي تحققت في وطننا العزيز، وقال جلالته: «إن بناء الأمم وتطورها مسؤولية عامة يلتزم بها الجميع ولا يُستثنى أحد من القيام بدوره فيها، كل في مجاله وبقدر استطاعته، فقد تأسست عُمان وترسّخ وجودها الحضاري بتضحيات أبنائها، وبذلهم الغالي والنفيس من أجل الحفاظ على عزتها ومنعتها، وإخلاصهم في أداء واجباتهم الوطنية، وإعلائهم لمصالح الوطن على المصالح الشخصية، وهذا ما عقدنا العزم على إرسائه وصونه، حتى نصل للتطور الذي نسعى إليه، والازدهار الذي سنسهر على تحقيقه، والنزاهة التي لا بدّ أن تسود كافة قطاعات العمل وأن تكون أساسًا ثابتًا راسخًا لكل ما نقوم به».
وشدد جلالته في هذا الخطاب المهم، على المبادئ والقيم، التي سارت وتسير عليها بلادنا، منذ نهضتها الحديثة، والتي حددها النظام الأساسي للدولة، لا سيما قضية الحقوق والواجبات والحريات، وتحقيق العدالة، وتكافؤ الفرص، بين المواطنين، التي تعد من الثوابت، وليس من المتغيرات، والتي تحرص عليها النهضة العمانية الحديثة، والتي تعد من المنجزات التي نفتخر بها في بلادنا عُمان، وقال جلالته في هذا الصدد: «إن مما نفخر به، أن المواطنين والمقيمين على أرض عُمان العزيزة يعيشون بفضل الله في ظل دولة القانون والمؤسسات، دولة تقوم على مبادئ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص، قوامها العدل، كرامة الأفراد وحقوقهم وحرياتهم فيها مصانة، بما في ذلك حرية التعبير التي كفلها النظام الأساسي للدولة».
واعتبر جلالته أن دور المواطن في حاضر نهضته الحديثة ومستقبلها، هو بمثابة دور الشريك في هذا البناء الوطني، وهذه مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن، وهذه مسألة ليست عابرة أو ثانوية، فالمواطن -الرجل والمرأة- شركاء شراكة كاملة، ضمن الحقوق والواجبات التي كفلتها النظم والتشريعات، وقال جلالته: «إن شراكة المواطنين في صناعة حاضر البلاد ومستقبلها دعامة أساسية من دعامات العمل الوطني، ونحرص على أن تتمتع فيه المرأة بحقوقها التي كفلها القانون، وأن تعمل مع الرجل جنبًا إلى جنب، في مختلف المجالات خدمة لوطنها ومجتمعها، مؤكدين على رعايتنا الدائمة لهذه الثوابت الوطنية، التي لا مُحيد عنها ولا تساهل بشأنها». ولذلك فإن جلالته – حفظه الله-، يرى أن المواطن هو الهدف لهذا التحرك المقبل للانتقال إلى مرحلة، تتحقق فيها طموحاته وأمنياته، باعتباره حجر الزاوية، في كل منطلقات النهوض والتقدم، التي نسعى إليها جميعا، وقال جلالته: «إن الانتقال بعمان إلى مستوى طموحاتكم وآمالكم في شتى المجالات، سيكون عنوان المرحلة القادمة بإذن الله، واضعين نُصب أعينِنَا المصلحة العليا للوطن، مسخرين له كافة أسباب الدعم والتمكين». ولا شك أن الخطاب السامي لجلالته المعظم، لامس وجدان المواطن، وأحاسيسه الوطنية، واحتياجاته، كما حددها في هذا الخطاب السامي، ولذلك، فإن المواطنين في جلساتهم، وفي أحاديثهم، شعروا بسعادة غامرة، لاهتمام جلالته، بقضايا مهمة ومحورية تجاه ما يجيش في صدورهم، خاصة فيما يتعلق بـ: هيكلة الجهاز الإداري للدولة، والاهتمام بالشباب، وتطلعاتهم، والاستماع إليهم، ومراجعة لأعمال الشركات الحكومية القائمة، والتطوير الوطني للتشغيل، والاهتمام بالنزاهة والمساءلة والمحاسبة، وتطبيق مبادئ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص، وغير ذلك من المرتكزات الأساسية في هذا الخطاب المهم لجلالته.