رسالة إلى العالم حول مبدأ السلطنة في الحفاظ على السلام العالمي

فتحي مصطفى –

منذ فجر النهضة المباركة عام 1970، قطعت السلطنة على نفسها عبر قائدها الكبير -المغفور له بإذن الله تعالى- السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- عهودا وطموحات، ورسمت أهدافا سعت إلى تحقيقها، وشهدت الأيام والسنوات السابقة تنفيذها على أرض الواقع بنجاح واقتدار، لعل أبرزها هو اتباع سياسة الحكمة والحياد، والعمل على تحقيق السلام والأمن الداخليين للسلطنة، بل وامتد ذلك إلى خارج الحدود سواء على مستوى الإقليم أو على الصعيد الدولي.

وجاء خطاب جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- التاريخي، ليرسخ هذا المبدأ ويؤكد حرص السلطنة على استمرار نهجها في نشر السلام الدولي، باعتبارها رسالة وهدفا ساميا تسعى إلى تحقيقه، فيقول -حفظه الله- موجها حديثه إلى أبناء شعبه المخلصين: «لقد عرف العالم عمان عبر تاريخها العريق والمشرف كيانا حضاريا فاعلا ومؤثرا في نماء المنطقة وازدهارها واستتباب الأمن والسلام فيها، تتناوب الأجيال على إعلاء رايتها وتحرص على أن تظل رسالة عمان للسلام تجوب العالم حاملة إرثا عظيما ورايات سامية. تبني ولا تهدم، تقرب ولا تبعد، وهذا ما سنحرص على استمراره معكم وبكم».
فبرغم جميع الظروف المواتية والعقبات الكؤود التي يمر بها العالم، والصراعات الجارية في المنطقة، إلا أن السلطنة لا تتخلى عن موقفها الحيادي الداعم للعملية السلمية، دون انحياز إلى أي طرف أيا كان، ومهما كانت الضغوط، وتحاول إيجاد حلول وسط لنزع فتيل الأزمات، وقد ينالها بعض الأذى أو العداءات التي تتعارض مع مصالح بعض المتخاصمين على الساحة الدولية، ولكن قيادتها الحكيمة لا تأبه بذلك ولا يدخل في حساباتها، فكل ما يهمها هو الحلول العادلة والشاملة التي تضمن حقوق الطرفين وإنهاء النزاعات بصورة عادلة.
وهو قول حق لفقيد السلطنة والأمة العربية المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-: «لقد أثبت النهج الذي اتبعناه في سياستنا الخارجية خلال العقود الماضية جدواه وسلامته بتوفيق من الله، ونحن ملتزمون بهذا النهج الذي يقوم على مناصـرة الحق والعدل والسلام، والأمـن والتسامح والمحبة، والدعوة إلى تعاون الـدول من أجل توطيد الاستقـرار وزيادة النماء والازدهـار، ومعالجة أسباب التوتر في العلاقات الـدولية بحل المشكلات المتفاقمة حـلا دائما وعادلا، يعزز التعايـش السلمي بين الأمم ويعود على البشرية جمعاء بالخير العميم».
ولا يخفى على أحد الدور المهم الذي لعبته السلطنة في «الاتفاق النووي»، الذي لم تكن لتلعبه وتحقق فيه نتائج مرجوة، إلا لتمتعها بعلاقات جيدة مع الجانبين الإيراني والأمريكي، فالسياسة الوسطية والحياد اللذان تتبعهما السلطنة، جعلاها في مكانة يسعى إليها الباحثون للحد من التوتر، وإعادة الأمور إلى طاولة المفاوضات، بدءاً من دورها المرحلي لدى بدء المحادثات السرية عام 2012، ثم دورها في خروج المفاوضات إلى العلن.
والتاريخ لا ينسى موقف عمان تجاه القضية الفلسطينية، وكذلك الصراعات العربية الإسرائيلية بصورة عامة، وموقفها الداعم لأي حق عربي، والحق المصري على وجه الخصوص، إبان معركة أكتوبر عام 1973، وكان لها دور بارز لدى توقيع معاهدة 1979 التي جرت بين مصر وإسرائيل، بإقرارها بالحق المصري في السلام، والذي جاء انطلاقا من رؤيتها التي تسعى دائما إلى تحقيقها، لترسخ مبدأها المعلن الذي لا يتغير ولا يتبدل وهو أن الخيار الاستراتيجي والحتمي للجميع، فلا الحرب ستحقق التنمية ولا العداء المطلق سيجلب الخير للمنطقة العربية».
ولعل مشاركة سلطنة عمان في مؤتمر ميونيخ الأمني الأخير، تشي باهتمام كبير بمستقبل العالم وعملية المشاركة الإنسانية في صنع القرار من أجل بناء عالم أفضل، على جميع الأصعدة، وتعزيز السلام والأمن ما بين مختلف دول العالم، اعتماداً على قاعدة الاحترام المتبادل والحوار والتعايش بين الجميع، باعتباره من السمات الأساسية لخلق الثقافات المرجوة للوصول إلى غد مشرق وأكثر ازدهارا للإنسان بشكل عام، ويضع عنوانا مهما للمرحلة القادمة بين جميع دول العالم هو «السلام».. ثم «السلام».
ولقد توج العالم السياسات التي تنتهجها سلطنة عمان بإهداء قائدها المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- جائزة السلام الدولية، نظير إسهاماته المتواصلة في الجهود التي بذلها ويبذلها في تحقيق السلام ودعم أواصره، ليس خارج حدود منطقة الخليج أو الشرق الأوسط فحسب، بل على الصعيد العالمي، باعتباره أول زعيم يتم منحه هذه الجائزة في حفل وصفته الأوساط الإعلامية والصحفية بأنه تاريخي، في العاصمة الأمريكية واشنطن، وبإجماع من 33 من أبرز الجامعات والمراكز والهيئات، وكان التثمين العالمي ـ طبقاً لقرار هيئة الجائزة ـ حيث أكد: «أن السلطان قابوس نشر السلام بطرق عديدة، فقد فاوض وحل خلافات حدودية صعبة مع جميع جيرانه، وأوصل عمان إلى مركز قيادي في الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، ويعمل نحو تسوية نهائية عادلة تحمي الحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني، وله الكثير من المواقف السياسية، مثل دوره في حل كثير من القضايا الإقليمية والنزاعات الدولية مثل المشكلات الحدودية المعقدة مع الدول المجاورة والمساهمة بدور فعال في إنهاء حروب كبيرة مثل الحرب العراقية – الإيرانية، وغيرها من القضايا».
سياسة السلطان قابوس جعلت هيئة الجائزة تشيد بدوره في تطوير بلاده وتثمن الإنجازات التي تحققت على يده فيها، لذلك أكدت الهيئة أن هذه الجائزة تعد: «تقديرا مستحقًا للسلطان قابوس، وأن حصول جلالته على جـائزة السلام الدولية إنما هو اعتراف دولي بدوره الفاعل في خدمة السلام الدولي، وأنه مصباح منير لمحبي السلام».
ويأتي خطاب جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- التاريخي الذي جاء بعد انقضاء فترة الحداد التي عاشتها السلطنة حزنا على قائدها وصاحب نهضتها المباركة، ليبعث على الاطمئنان ويوجه رسالة إلى العالم أن مبدأ السلطنة في الحفاظ على السلام العالمي والسعي الدائم لحل أي خلافات أو نزاعات، هو نهج سلطنة عمان قيادة وشعباً، وهي رسالة مستمرة لا ولن تنتهي ما دامت القلوب تدق في الصدور.

جريدة عمان

مجانى
عرض