السلطان هيثم بن طارق.. مسيرة حافلة إلى عرش عُمان

معارف علمية متنوعة وحضور في السياسة والثقافة –

كتب ـ عاصم الشيدي:-
«وذلك لما توسمنا فيه من صفات وقدرات تؤهله لحمل هذه الأمانة» كتب السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور، طيب الله ثراه، هذه العبارة قبل ربع قرن من الزمن، وبالتحديد في عام 1996 بعد صدور النظام الأساسي للدولة في تعليل للأسباب التي دعته، رحمه الله، لاختيار من يخلفه ليكون سلطانا لعمان. ورغم مرور ربع قرن منذ لحظة الكتابة إلى فتح الرسالة فجر يوم 11 يناير الماضي إلا أن تلك الصفات والقدرات بقيت قائمة في الشخص الذي اختاره السلطان قابوس ليعتلي من بعده عرش عُمان.. فلم تخب فراسته ولا خاب ظنه به. وألحق السلطان الراحل جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، أعزه الله، بأهم مدرستين تستطيعان إعداد رجل يليق بعرش عمان وهما: مدرسة الدبلوماسية عندما انخرط، حفظه الله، بالعمل في وزارة الخارجية العمانية وتدرج فيها ليصل إلى منصب أمين عام الوزارة. أما المدرسة الثانية فكانت مدرسة التراث والثقافة عندما عمل وزيرا للتراث والثقافة قرابة 18 عاما، اقترب خلالها من عظمة التاريخ العماني تراثا وثقافة، وعرف عن قرب تاريخ البلد الذي سيحكمه ومعطياته الثقافية. كما أن السلطان الراحل، عليه رحمة الله، اختاره ليكون رئيسا للجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية 2040.
وبالعودة إلى التاريخ فإن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، ولد في مسقط في 11 أكتوبر من عام 1955، وهي فترة شهدت أحداثا مهمة ومفصلية في تاريخ عمان وكان لوالده السيد طارق بن تيمور دور مفصلي فيها. والتحق جلالته في ستينات القرن الماضي بالمدرسة السعيدية بمسقط. وسبق لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم أن استعاد بعض المواقف التي يتذكرها خلال دراسته في السعيدية، وعن مديرها في تلك المرحلة علي القاضي. وقال حينها إن «دراسته كانت طبيعية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى» في إشارة إلى أن وضعه كان مثل بقية الطلاب في المدرسة دون أي تمييز. وهناك صور متداولة للسلطان هيثم، حفظه الله، عندما كان طالبا في السعيدية بصحبة مجموعة من الطلاب الدارسين في ذلك الوقت.
ولا تشير المعلومات المتوفرة ما إذا كان السلطان هيثم قد رافق والده في الترحال والتنقل في مرحلة ستينات القرن الماضي خاصة خلال إقامته في ألمانيا الغربية ولكن المؤكد أنه في مطلع سبعينات القرن الماضي ألحقه والده، رحمه الله، بقسم داخلي بمدرسة مرموقة في لبنان لدراسة المرحلة الإعدادية، وتشير وثائق بريطانية منشورة أن السيد طارق كان مشغولا بموضوع دراسة أبنائه بشكل عصري.
كان السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله، في الخامسة عشرة من عمره عندما وصل إلى لبنان للدراسة، والتحق بالقسم الداخلي لمدرسة «برمانا العليا» وهي مدرسة نخبوية في لبنان تقع في جبل لبنان شرقي العاصمة بيروت وتأسست عام 1873 وفق البيانات المتوفرة عن المدرسة. وأشار تقرير صحفي لمراسل جريدة الرأي الكويتية في بيروت خلال الأيام الماضية أن ملف «هيثم بن طارق» في المدرسة يشير إلى أنه كان «شاطرٌ، متعاونٌ، وصدوق، وعلاماته بمستوى جيد جدا في السلوك والدراسة، رياضي، شاطر بالفيزياء، والبيولوجيا والجغرافيا وعلاماته على الدوام جيد جدا».
وأعاد السلطان هيثم بن طارق زيارة مدرسته عندما زار بيروت عام 2009 بوصفه وزيرا للتراث والثقافة ووقف على ذكريات تلك المرحلة من حياته والتي شكلت الكثير من جوانبه المعرفية والحياتية.
لم يدم بقاء جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله، في بيروت كثيرا إذ سرعان ما غادرها في عام 1972 متوجها لبريطانيا لمواصلة دراسته الثانوية ومن ثم الجامعية حيث التحق في واحدة من أعرق جامعات العالم، جامعة أكسفورد ودرس فيها العلوم السياسية، ثم تابع دراسته العليا في كلية بيمبروك في أكسفورد.
وفي أغسطس من عام 1979عين جلالة السلطان هيثم موظفا في وزارة الخارجية، وفي 25 من مارس 1982 أصبح مديرا للدائرة السياسية الثالثة بالوزارة، وفي 20 من إبريل من نفس العام أصبح رئيسا للدائرة الأوروبية والأمريكتين. وفي عام 1985 ترقى إلى درجة سفير، إلا أنه لم يلتحق بالعمل في أي سفارة في الخارج. وفي الثاني من يناير من عام 1986 صدر مرسوم سلطاني بتعيينه وكيلا لوزارة الخارجية للشؤون السياسية.
وفي ١ نوفمبر ١٩٩٤ صدر مرسوم سلطاني بتعيينه أمينا عاما لوزارة الخارجية بمرتبة وزير الأمر الذي أتاح له الاقتراب كثيرا من صناعة السياسة الخارجية للسلطنة، إضافة إلى التّماس المباشر مع الكثير من الملفات السياسية الخارجية في مرحلة شهدت الكثير من الأحداث المهمة التي عصفت بالمنطقة والإقليم.
وفي 14 من فبراير من عام 2002 أصدر جلالة السلطان الراحل، طيب الله ثراه، مرسوما بتعيينه وزيرا للتراث والثقافة لتبدأ بعد ذلك مرحلة مهمة في صناعة شخصيته، حيث الجانب الثاني من جوانب إعداد سلطان عمان ليكون على عرش السلطنة العظيم.
وخلال عمله في وزارة الخارجية شارك جلالة السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله، في اجتماعات ومؤتمرات دولية مهمة كما مثل السلطنة في اجتماعات الأمم المتحدة.
وكان جلالته يرأس جمعية الصداقة العمانية البريطانية، وجمعية الصداقة العمانية اليابانية.
وبعيدا عن السياسة والدبلوماسية والثقافة فإن لجلالة السلطان هيثم بن طارق اهتمامات رياضية واسعة. وكان قد ترأس أول اتحاد عماني لكرة القدم خلال الفترة من عام 1983 إلى عام 1986، وهي المرحلة التي شهدت تأسيس الكثير من الجوانب التنظيمية في عمل كرة القدم والأندية في السلطنة. وخلال هذه المرحلة الزمنية استضافت السلطنة بطولة كأس الخليج السابعة، كما ترأس جلالته اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الآسيوية الشاطئية الثانية التي استضافتها السلطنة في عام 2010.
وخلال مسيرته العملية حصل جلالة السلطان هيثم بن طارق على أوسمة سلطانية عدة في مقدمتها وسام الرسوخ الذي تسلمه من السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، في نوفمبر 2010، إضافة إلى وسام آل سعيد، ووسام عمان ووسام النهضة العمانية.
كما حصل في مارس من عام 2001 على وسام الشرف الكبير للخدمات المقدمة إلى جمهورية النمسا، وفي ديسمبر من عام 2006 حصل من المملكة العربية السعودية على وشاح الملك عبدالعزيز من الطبقة الأولى، وفي نوفمبر من عام 2010 حصل من المملكة المتحدة على وسام الفارس الفخري الكبير للصليب الملكي الفيكتوري.
ومن المنتظر أن تساهم الخبرات العلمية والعملية التي يتمتع بها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في قيادته لعُمان خلال المرحلة القادمة.
وكان جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ قد أكد في خطابه الأول بعد تنصيبه سلطانا أنه سيتأسى بالخطى النيرة للسلطان الراحل والتي خطاها بثبات وعزم إلى المستقبل والحفاظ على ما أنجزه والبناء عليه.
كما أكد أنه سيرتسم خطى السلطان الراحل في السياسية الخارجية مؤكدا على الثوابت التي اختطها لسياسة بلادنا الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير واحترام سيادة الدول.