ماذا قُلتُ لكوشنر عن خطته لسلام الشرق الأوسط؟

آرون ديفيد ميلر – وقف كارنيجي للسلم العالمي  –
ترجمة قاسم مكي –

فور الكشفِ عن خطة ترامب « السلام من أجل الازدهار» والتي طال توقعها ذكر جاريد كوشنر لكريستيان أمانبور (مذيعة شبكة سي إن إن) أن بعض النقد لجهوده صدر عن وسطاء سابقين حاولوا وفشلوا في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
بعدما عكفت على هذه المشكلة المتطاولة لما يقرب من عقدين في كلا الإدارتين الجمهورية والديمقراطية وظللت أنتقد دون هوادة ما اعتبرته خطة سلام غير جاهزة ليس هناك أدنى شك في أنني من بين أولئك الذين خطروا في بال كوشنر حين قال ما قال.
رغما عن ذلك وإحقاقا للحق، سعى كوشنر بكل لطف واحترام منذ تولى دوره كمبعوث سلام لنسيبه (والد زوجته ترامب) إلى استشارتي بجانب آخرين.
سأذكر أدناه الدروس الأربعة التي نقلتها إليه. وليس مفاجئا تقريبا أنه لم يأخذ بنصيحتي . فأنا بعد كل شيء كنت صانع سلام فاشل.
وهو من جانبه أوضح لي في جلاء عند أول لقاء معه أنه عازم على أن يفعل الأشياء بطريقة مختلفة.
لا تثريب في ذلك.
فنحن حصلنا على فرصتنا مع رؤساء سابقين جمهوريين وديمقراطيين. والآن جاء دوره. لكن أظن أن رسالتي لم تصل إليه بما فيه الكفاية. لقد تشكلت ملاحظاتي من خلال الفشل. وقدمتها له في مسعى لمنع تكرار حدوثه.
أنا لست معجبا بهذا الرئيس (ترامب). لكنني أبلغت كوشنر إنه إذا نجح سأكون من بين أول من سيحتفلون بنجاحه. وإذا فشل في أن يقدم شيئا يتصف بالصدقية سأقول ذلك.
هاهنا ما أخبرت به كوشنر.
أولا: المهمة المستحيلة أول مرة ألتقي فيها كوشنر قلت له «نِصفَ» ممازحٍ أنني أتمنى لو أن نسيبي يثق بي بنفس مقدار ثقة نسيبه به. لماذا؟ لأنه كُلِف بمهمة مستحيلة. فبالنظر إلى الفجوة بين طرفي الصراع حول كل القضايا الجوهرية خصوصا القدس وحدودها وعمق عدم الثقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس والسياسة الإنقسامية على كلا الجانبين من المستبعد أن تنجح خطة كبيرة.
رد بقوله أن نسيبه يريد خطة سلام كبيرة. قلت له هذا جيد، لكن كن حذرا جدا. فإذا لم يقدِّر (كوشنر) القضايا حقَ قدرها وفضَّل على نحو سافر جانبا على الجانب الآخر قد ينتهي به المطاف إلى جعل الوضع أسوأ كثيرا.
ثانيا: لا تتجاهل الماضي.
اقتبست له من رواية وليام فوكنر «ترتيلة جنائزية لراهبة» العبارة التالية: الماضي لم يمت أبدا. بل هو ليس ماضيا. وأوضحت أن ذلك ينطبق إلى حد كبير على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وبدلا عن التخلي عشوائيا عما «حَدَثَ» خصوصا فيما يتعلق بمواقع كلا الجانبين نصحته بدراسة الماضي بحثا عن سُبُل لتشكيل نوع مختلف من المستقبل وفي ذات الوقت الانتباه إلى دروسه. وأنه ليس عليه بالضرورة أن ينحصر في الماضي لكنه لا يمكنه تجاهله.
قلت له أنك إذا لم تكن تعلم أين كنتَ فالاحتمال ضئيل جدا في أن تعلم أين يمكنك أن تذهب. ليس من الواجب أن يكون الماضي سجنا. لكنك لا يمكن أن تبدأ من جديد أو تتظاهر بأن الماضي لا يوجد. بدا لي أن كوشنر ينوي أن يفعل ذلك بالضبط وبطريقته الخاصة.
ثالثا: لاتكن محامي إسرائيل أخبرته أنني ذكرت هذه العبارة التي استخلصتها من مذكرات هنري كيسنجر لوزير الخارجية السابق جيمس بيكر الذي أعجب بها والتزم بكلماتها حين حضر مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991. لم يكن ذلك يعني أن الولايات المتحدة ليست أوثق حليف لإسرائيل. في الحقيقة أسس بيكر علاقة جيدة جدا مع اسحق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها رغم التوترات.
أوضحت لكوشنر أن موكِّله (الذي يترافع عنه) ليس إسرائيل أو الفلسطينيين لكن اتفاق. قلت له أنت يلزمك أن تدافع عن كلا الجانبين وبخلاف ذلك لا يمكنك أن تنجح.
قال أنه سيجعل من المستحيل لنتانياهو أن يقول لا لترامب وذلك بأن يوضح دون لبس وقوف الولايات المتحدة دائما خلف إسرائيل.
رددت بأن ذلك شيء جيد. لكن إذا كانت كل الأمور «عسلا» لإسرائيل « وخلاَّ» فقط للفلسطينيين لن تكون هنالك أية فرصة للنجاح.
رابعا: ماهو النجاح؟
أخيرا، سألني جاريد كوشنر كيف أحكم بالنجاح؟
قلت له أنني سأكون مقتنعا (بنجاح الخطة) إذا قال الفلسطينيون والعرب والأوروبيون وفي الحقيقة المجتمع الدولي كله في اليوم الذي يعقب إعلان الخطة ما يلي:
– هنالك أشياء في الخطة لا تعجبنا. لكن علينا أن نثني على إدارة ترامب لأنها حقا تعاملت بنزاهة وبأمانة مع القضايا المطروحة وقدمت إطارا للمفاوضات يمكن أن يُثمر اتفاقا.
إذا كان ذلك هو رد الفعل سيكون كوشنر قد حقق انتصارا ضخما. وعلى أية حال، آخر شيء تحتاجه الولايات المتحدة هو خطة سلام فاشلة أخرى.
من المحزن أن ذلك هو ما لدينا الآن تقريبا (صفقة كوشنر).
وسيكون (ما لدينا الآن) أسوأ من الفشل إذا أعطت الولايات المتحدة ضوءا أخضرا لإسرائيل كي تضم وادي الأردن أو أغلب مستوطنات الضفة الغربية.
لكن حتى إذا لم تتصرف حكومة نتانياهو الحالية على هذا النحو فإن انحياز شروط هذه الصفقة «غير الطبيعي» لاحتياجات ومتطلبات إسرائيل ووقوفها ضد المصالح والدولة الفلسطينية والقدس ببساطة لا يجعل الخطة أساسا لمفاوضات جادة دع عنك اتفاق.
لكن مرة أخرى. من الممكن جدا بل ربما حتى من المرجح أن حسابات كوشنر (وهو الذي كلف بمسؤولية حل مشكلة يعلم أنه لا يمكنه حلها) قد تحوَّلَت في لحظة ما إلى اعتماد مقياس آخر للنجاح تمثَّل في:
أولا: تحسين فرص صمود نتانياهو سياسيا بحيث يكون موجودا (في الحكم) في نوفمبر 2020 لتوظيفه في تعزيز حملة إعادة انتخاب ترامب وبالطبع تمتين قاعدة أنصاره الإنجيليين والمحافظين.
ثانيا: طرح رؤية بدلا عن «خطة جاهزة للاستخدام» تؤطر مجددا سياسة الولايات المتحدة تجاه حل للدولتين على نحو يتتبَّع ويتماهى على نحو وثيق جدا مع آراء وعواطف مهندسي الخطة المنحازة بشدة لإسرائيل.
لا يمكن لوم إدارة ترامب على فشلها في المساعدة على تقديم حل للدولتين. ففي الوقت الحاضر ليس في مقدور إدارة أمريكية فعلُ ذلك. لكن من الممكن جدا أن تسهم تصرفات ترامب في القضاء على إمكانية مثل هذا الحل في أثناء فترته الرئاسية.

  • الكاتب زميل أول بوقف كارنيجي للسلم العالمي
جريدة عمان

مجانى
عرض