«الأخلاق البيولوجية» .. استحقاقات المراحل البيئية

أحمد بن سالم الفلاحي –

إن المعاهدات الدولية التي ترسخ مبدأ الأخلاق في التعامل مع مكونات النظام البيئي؛ إلى حد الآن؛ لم تثمر عن تعاون صادق، والدليل ارتفاع نسب الأضرار السلبية على مكونات النظام الغازي والذي تعاني منه كل الدول، انعكاسا للتعامل السيء للنظام البيئي على الأرض، فهل يعمد البشر على حرق أنفسهم بأنفسهم؟
تنحصر المشكلة هنا أكثر أن الإنسان الفرد، أو عبر جماعة معينة لا تعني له الطبيعة أكثر من أنها مورد من موارد الدخل، وبالتالي تساق الفكرة تجاهها وفق هذه الرؤية، ومعنى ذلك أكثر أنه لا يجب أن تكون هناك حدود جغرافية، أو قانونية، أو سياسية، أو أخلاقية، أو عرفية تحول دون الحصول على كامل المورد الذي تمثله طبيعة ما، ومعنى ذلك أيضا أن تداس كل هذه الحدود الأخلاقية، في وقت استغلال مجموعة المنافع التي تتيحها الطبيعة للإنسان الفرد، أو الجماعة، أما ما هي كمية الضرر الناتجة بعد ذلك من أثر هذا الاستغلال، فذلك غير مهم؟
وأما كيف تعوّض مجموعة الأضرار الماثلة بعد ذلك، فهذه أيضا مسألة أخرى؟
وأما ما هو مقدار الضرر مقابل المنفعة المتحققة من هذا المورد أو ذاك، فهذا توضع له حسابات أخرى ربما يكون معني بها المنظمات الدولية المهتمة بالبيئة، لا أكثر؟
وأما تحقق معادلة المخرجات مع المدخلات، فهذا أيضا يمكن أن تبحث فيه الأجيال القادمة مع الزمن، وليس الآن؟
وأما هل يمكن تعويض الفاقد العضوي أو النوعي، أو الكمي، فذلك لا ضرورة في البحث فيه في المراحل الأولى من مشروعات الإنتاج؟
فالمهم استغلال ما هو متاح الآن، وفقط، وهذا هو واقع العلاقة القائم بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها من حوله، وفي نهاية المطاف يجلس الجميع على طاولات مستديرة، أو بيضاوية للبحث عن حلول، وهذه الحلول هي ما تتمخض عنها «النداءات العالمية المستمرة نحو المحافظة على هذا البيئة ومكوناتها الكبيرة والصغيرة، ووضع الاستراتيجيات المحكومة زمنيا بالمحافظة على البيئة، حيث تناولت القمم العالمية: «قمة ستوكهولم (1972م) وقمة جانيرو عام (1992م) وقمة جوهانسبرج (2002م) والذي عرف بـ ريو+10، ومؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في ريو دي جانيرو (2012م) والذي عرف باسم ريو+20» – حسب research.un.org – وهذه واحدة من اجتماعات ماضية، ومؤتمرات تصاغ بنود جداولها في المستقبل القريب، وكل ذلك للحد من تطاول الإنسان على البيئة، ومن ضرورة إيجاد حالة من التوازن بين الضرورات والمحظورات، ومحاولة الموازنة في استغلال المقومات البيئية» فقرة من مقال سابق نشر في هذه الزاوية – ولكن ظلت حبيسة الأدراج، دون إيمان صادق بأهميتها، وفي المقابل ظل التطاول على المكونات البيئية المختلفة مستمر.
وعلى ما يبدو أن هناك تنازعا أزليا غير متكافئ بين الطبيعة كمكون – بيئي بما تتضمنه من حمولة مواردية اللامحدودة تمثل إغراء مستمرا، وبين الإنسان كفاعل في هذا المكون البيئي؛ وهو الباحث عن هذه الموارد بصورة مستمرة وأكيدة، ونتيجة لهذا التنازع وعدم التوافق الذي يبديه البشر – بوصفهم كائنات عاقلة – بفعل أطماعهم المغرقة في الخصوصية، أو في الحاجة، أو في التميز، أو في شراهة البحث والوصول إلى حقائق الأشياء غير المرئية، تتلقى؛ في المقابل؛ الطبيعة بمكوناتها ومواردها، وعناصرها المختلفة المأزق الناشئ في هذه العلاقة القائمة بين الطرفين، وتدفع الطبيعة ثمن مختلف الأخطاء، والتسلط، والجبروت الذي يبديها البشر؛ ليس فقط؛ مقابل حرصهم على البقاء، ولكن للذهاب أكثر إلى إملاء نهم الرغبة، وعدم الوقوف عند مستوى معين من مستويات الحياة، التي تحد منها هذه الاتفاقات «الأخلاق» وهنا تكبر المشكلة أكثر.
يبحث الطرح هنا في العلاقة القائمة بين الواقع البيولوجي، وبين قدرة القيم الإنسانية على كبح جماح الإنسان في عدم التأثير على هذا الواقع في جوانبه البيئية الآمنة، خاصة في ظل ترقي معرفي مستمر، يكاد يكون أكثر من قدرة البشرية على استيعابه، ولأنه كذلك، فمن هنا تبدأ مجموعة الإخفاقات في التعامل مع النظام البيئي شديد الحساسية، لحساسية العلاقات القائمة بين العناصر المختلفة، على عكس ما هو متوقع، وهو أن تكون العلاقة بين الطرفين علاقة يسودها التنظيم، والرفق، والتوافق، واستحضار حق الأجيال اللاحقة في بيئتهم الآمنة، وتأتي «الأخلاق البيولوجية» كأحد المحددات الأساسية للحفاظ على النظام البيئي ككل بكل مكوناته، وعناصره، وعدم التعدي عليه، حيث تمثل السياج الآمن للبقاء والاستمرار لهذا النظام الجميل، وهو مصطلح شاع في سبعينيات القرن العشرين المنصرم، بعد أن بدأ الإنسان يقسو على البيئة، ويحدث فيها ما لم تتحمله، وما هو من شأنه أن يحدث أضرارا كبيرة على حياة كل الكائنات الحية على التي تعيش على سطح هذه الأرض، واليوم يتم الحديث عن التأثيرات السلبية على النظام الغازي، ومصطلح الأخلاق البيولوجية «ظهر في أواخر القرن العشرين، ويتكون من مقطعين هما «Bio» وتعني الحياة، «ethics» وتعني المبادئ والقواعد لما هو صواب أو خطأ. وعلى الرغم من أن المصطلح حديث النشأة إلا أن المفهوم قديم الممارسة، (…) ويرجع تاريخ المصطلح إلى عام 1970، ثم استخدم المصطلح عنوانا لكتاب صدر عام 1971 بعنوان الأخلاق البيولوجية جسرا إلى المستقبل. ويهدف إلى إقامة أخلاقيات شاملة تتسع لتشمل علوم البيئة والطب. يفهم من كلمتي «النظام البيئي» أن هناك نظاما مكونا من عناصر مختلفة، تتفاعل هذه العناصر مع بعضها البعض، لتشكل حياة الكائنات المكونة لهذه العناصر، ووفق السياق الطبيعي لهذا النظام البيئي الذي وضعه رب الكون سبحانه وتعالى فإن مكونات هذا النظام في تفاعلاتها الطبيعية المختلفة لن تكون هناك تأثيرات سلبية، فهي تسير وفق تراتبية منتظمة، وتواصل هذه المكونات دورات حياتها الطبيعية كما خلقت له، ولكن لقصور معرفي يبديه الإنسان نظير اجتهاد غير موفق في كثير من محطاته في التعامل مع النظام البيئي، يحدث بين هذه المكونات خلل بفعل الجهد البشري غير الموفق، فيأتي بفعل أطماعه، وخوفه مما يحيط به، ليحدث في مكونات هذا النظام، فيحوله من بيئاته الساكنة السليمة، إلى بيئات مختلفة غير متوافقة على البيئة الأصل، بل يتعدى الأمر إلى الإضرار، وإلى خلق بيئات أخرى طاردة أكثر من أنها جاذبة لهذه المكونات، وهذا الطرد بتأثيراته السالبة يؤدي إلى إحداث أضرار بيئية قاتلة لمكونات النظام ذاته، وإلى التأثيرات السلبية الأخرى التي تؤثر على الأنظمة المصاحبة الأخرى، فالنظام البيئي مكون؛ هو الآخر؛ من أنظمة صغيرة معززة للنظام البيئي الشامل.
ووفق كتاب (ماذا يتحمل كوكبنا أكثر من ذلك – طرق من أجل الاستدامة) والذي استعرضته جريدة عمان في عددها الصادر بتاريخ السبت 30 يناير 2016م، رقم (12660)، أورد النص التالي: «لقد بلغ التغير العالمي قدراً من الخطورة يهدد أسس الحياة على الأرض، ولا يجوز أن نساوي بين التغير العالمي وتغير المناخ، لأن هذا أكبر من ذاك، فالأنشطة الإنسانية تغير سطح الأرض والتعدد النوعي وكمية ونوع الماء والمحيطات وأشياء أخرى أكثر من ذلك. والأصعب من ذلك هو أن الأرض نظام متشابك ومعقد»- انتهى النص – والممارسات في التعدي على البيئة ممارسات لا تعد ولا تحصى، يبدؤها المزارع الصغير من خلال الاستخدام المفرط في استعمال المبيدات والأسمدة الكيماوية الشديدة الضرر على الأرض، وتنتهي بالأطماع الدولية بترسانتها العسكرية، وأجهزتها الضخمة لاستغلال الموارد الطبيعية، دون اعتبار لأخلاق بيولوجية وقيم إنسانية تنظم هذا التطاول المفرط في التعامل مع مكونات النظام البيئي، والمهم في العملية برمتها إشباع الرغبات ولو لفترات زمنية قصيرة.
إن المعاهدات الدولية التي ترسخ مبدأ الأخلاق في التعامل مع مكونات النظام البيئي؛ إلى حد الآن؛ لم تثمر عن تعاون صادق، والدليل ارتفاع نسب الأضرار السلبية على مكونات النظام الغازي والذي تعاني منه كل الدول، انعكاسا للتعامل السيء للنظام البيئي على الأرض، فهل يعمد البشر على حرق أنفسهم بأنفسهم؟

جريدة عمان

مجانى
عرض