الخوالدي: من الخطأ إلقاء اللوم على الدين إذا ما قضى الحكم الشرعي بخلاف أهوائنا

علينا اتهام أنفسنا بالزلل والتقصير –

حذر فضيلة الشيخ الداعية خالد بن سالم الخوالدي في محاضرة له بعنوان (تصويب) من أن يلقى اللوم على الدين إذا ما قضى الحكم الشرعي بخلاف أهوائنا، فالأصل أن تتقبل النفوس الحكم الشرعي وتقبل إليه بانشراح صدور وبتسليم مطلق هذا الأمر يجب علينا أن ننتبه إليه وأن نهتم به.
موضحًا أنه من الواجب الشرعي علينا أن نحكم شرع الله تعالى في كل شؤوننا وإرادتنا وأعمالنا، ثم نسلم لحكم الشرع فيه فلا نجعل الدين مطية لأهوائنا، ولا نجعل الدين مظلة لتقصيرنا، ولا نجعله لعبة بأيدينا نرفعه حينما تكون لنا مصلحة في ذلك الذي قضى به الشرع ونضعه حينما يحكم بما يخالف هوى نفوسنا.
ونبّه إلى أنه علينا أن نتهم أنفسنا بالزلل والخطأ والتقصير وضعف الديانة حينما يحصل منا مثل هذا لأنه لو كنا مؤمنين صادقين فإن الإنسان إذا جاءه الحكم الشرعي يسلم لأمر الله لا يعترض على أمر الله ورسوله، فيقول (سمعنا وأطعنا) في ظاهره وفي باطنه.. وإلى ما جاء في المحاضرة.

بداية قال الشيخ الداعية الخوالدي: حينما نستقرئ ما يقع فيه كثير من الناس، فإن منهم من يقع في مؤاخذة الدين إذا ما حصل له المكروه فتجده إذا ما عاش في السعة والراحة والدعة والهناء والاستقرار شكر حال الدين وعظم شعائره واهتم بأوامره واعتنى بالتزام أحكامه وامتدحه وأثنى عليه، ثم إذا ما حصل له شيء من النقص أو المصاب أو الحرمان أو الضعف أو الابتلاء أدى ذلك إلى تنكره للدين وقدحه فيه وكرهه له ونبذه ربما -عياذًا بالله- وكأنه يقرن بين ثباته على الدين وبين عيشه في هناء ورغد وسعة فلا يرى وهو الملتزم بأحكام دينه المطبق لشرعه لا يرى نفسه إلا انه قمين بالتكريم والرفعة والهناء والسعة والدعة والراحة، فإذا ما حصل له ضد هذه الأمور من ألوان الابتلاء وأصناف الحرمان قدح في الدين.
ويضيف: كمثل ما كان الجهلة من الأعراب قديما حينما كانوا في بداية إسلامهم فتلد نسائهم وتنتج خيولهم ويغنمون شيئا من الغنائم يقولون هذا والله دين صالح، فإذا ما فقدوا شيئًا من أهلهم أو أموالهم أو أصابتهم فاقة أو احل بهم مرض قالوا هذا الدين لا يصلح، كيف نصاب بهذه الأمور ونحن دخلنا في هذا الدين، هذا بلا شك انحراف عن سواء الصراط والله جل وعلا قد عاب على الذين يظنون بأنهم بمأمن من الابتلاء وينقلبون على أعقابهم إذا ما أصابهم ويظنون أنهم لا يستحقون أبدا إلا التكريم ما داموا يدينون بهذا الدين (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين) أي من الناس من يعبد الله على غير تمكن وثبات كمثل الذي يقف على حرف أو طرف الشيء فهذا ليس متمكنا في هذا الوقوف فكذلك هذا الشخص لا يأخذ دينه بتمكن بل يعبد ربه جل وعلا على غير تمكن فإذا أصابه الخير والسعة والدعة والراحة اطمأن به وقال: حال ممتاز وجيد، والدين في تكريم والعبادة فيها خير وبركة وما إلى ذلك، (وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) ارتد عن هدايته وطاعته والتزامه بأحكام الله فيخسر الدنيا والآخرة.

سنة الابتلاء
ويقول الخوالدي: إن من أعظم الأساسيات التي لا بد أن يفقهها الإنسان المسلم بأن الابتلاء سنة ماضية في الخلق وأن الله جل وعلا يبتلي من شاء من عباده بما شاء من بلائه ينزل البلاء حتى بالعبد الصالح فالنبي صلى الله عليه وسلم يذكر حال الأنبياء فيقول (أعظم الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل) فالأنبياء مع انهم أعظم الناس درجة ومنزلة عند الله إلا أنهم اعظم الناس في ابتلاء.
فالابتلاء سنة ماضية جعلها الله تعالى في الخلق ليمحص الإيمان (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم)، (الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين)، (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين)، (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين، وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين، أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين) والله جل وعلا جعل البلاء سنة ماضية ليمحص الإيمان وليسحب الهمم وليقوي العزائم وليرفع الدرجات ويمحو السيئات ويكفر الخطايا (من يرد الله به خيرا يصب منه) هكذا يقول صلى الله عليه وسلم، ويقول (لا يزال البلاء ينزل بالعبد المسلم في نفسه وأهله وماله حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة) فهكذا نجد أن البلاء سنة ماضية في الخلق يمحص الله بها الإيمان ويرفع بها الدرجات ويمحو بها السيئات ولا بد أن يؤمن الإنسان بهذا الأمر ولا بد أن يوطن نفسه عليه وليس معناه انك عبد طائع لله ملتزم بشرعه محافظ على فرائضه قائم بالحقوق والواجبات التي أوجبها عليك أن تكون بسبب هذه العبادة والالتزام بأنك ستكون في مأمن من إصابتك بالمصائب والبلايا ونزول الابتلاءات عليك بل ذلك أمر جرى في الخلق لا يسلم منه أحد سواء فيما يتعلق بالأمراض أو فيما يتعلق بالفاقة والفقر أو فميا يتعلق بالأحباب أو غير ذلك مما يتعلق من أصناف الابتلاءات.

لا لتحكيم أفعال الشخوص في شرع الله
وينبه فضيلة الشيخ الداعية: من الخطأ أن يؤاخذ الدين ويقدح فيه حينما يصيب الإنسان شيء من البلاء فيجعل التهم موجهة للدين ويقدح فيه ويقول كيف أصاب بذلك وأنا ملتزم به وكيف يتنعم من هو عاص لله كافر بدينه فاسق منحرف عن هديه وكيف يعيش في رغد وصحة وهناء وأعيش أنا في ضنك من العيش في شدة وعسر وبلاء يعقبه بلاء تترادف الابتلاءات الواحد تلو الآخر، فيقدح في دينه فيقول هذا الدين ليس سليما والعبادة التي أنا عليها ليست سليمة وهذا المنهج الذي أسير عليه ليس سليما، هذه الفكرة فكرة خاطئة لا بد أن تصحح، بل يجعل البلاء الذي ينزل به أنها منحة في بطن المحنة يحسن الظن مع ربه ويتعامل بما ينزل به بالتعامل الشرعي الذي يجب ولا يتعامل معه بهذه السلبية.
قد يقع بعض الناس في مؤاخذة الدين من خلال تحكيم أفعال الشخوص في شرع الله، فتجد أن هذا الشخص إذا وقع له أو وقع عليه أو رأى خطأ من شخص ما جعل ذلك الخطأ أو ذلك الفعل الذي صدر من ذلك الشخص المخطئ سببًا في القدح في الدين ولمؤاخذة الدين.
فمثلا لو وقع خطأ في تطبيق أحكام الشرع لجهالة أو لهوى أو لضعف نفس أو غفلة أو ما إلى ذلك من الأمور، فينظر هذا الشخص إلى فعل ذلك الشخص الخاطئ ويجعل ذلك الفعل سبيلا للقدح في الدين.
قد يسيء شخص إليه في أمر من الأمور أو يفعل شناعة من الشنائع فيجعل هذا الشخص فعل ذلك المخطئ سببًا للقدح في الدين فيقول هذا الدين لا يصلح، كمثل ما ترون مثلا حكم بعض الجهلة من الناس على الدين بأنه فيه خلل حينما يرون إخلالات بعض الأشخاص، كمثل من يستبيح مثلا دماء المسلمين أو يستبيح أموالهم فيرى بأن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حلال الدم، لأنه يخالفه في أمر معين أو لم يأتِ بشيء معين، وهذا بلا شك انه غلو وضلال فتجد أن بعض الناس يجعلون ذلك الشخص المخطئ في هذا الفهم يجعلونه هو الدين، ويحاكمون الدين من خلال فعل ذلك الشخص فيقولون هذا الدين يأمر بالإرهاب، وهو دين قتل، ودين سفك دماء، ودين سيف، ومعاد للإنسانية إلى غير ذلك من الشعارات الزائفة التي يرفعها أولئك، فيؤاخذون الدين بفعل ثلة من الضُّلاَّل الذين انتهكوا أحكام الدين أو تكلموا باسم الدين، أو فعلوا أفعالهم وقالوا بأن هذا هو الدين.
هذا خطأ محض، على الناس أن يتركوه فالدين لا يقيّم بفعل الشخوص بل الدين هو الذي يقيّم فعل الشخوص، ففعل الأشخاص ليس حاكما على الدين مهما علت منازلهم، وإنما الدين هو الذي يحكم على فعل الأشخاص.
فمن وافق فعله أمر الدين الذي أمر به الله أو رسوله -صلى الله عليه وسلم- ففعله صواب، ومن خالف أمر الشرع الذي أمر به ربنا جل وعلا في كتابه أو رسوله في سنته فهو المخطئ الذي يرد قوله وفعله، فلا نقدح في الدين.
لماذا نقدح في الدين؟ هل الدين أمر بذلك الفعل الخاطئ الذي ارتكبه ذلك الشخص؟ وهل ذلك الشخص يمثل الدين؟ الدين له مصادر تستقى منها أحكامه وله علماء يستنبطون هذه الأحكام من مصادره، ويبينونها للناس، وهم مؤتمنون في بلاغ هذه الأحكام في بيان هذه الأحكام.
أما أفعال الناس فإنها ليست حاكمة في الشرع، كمثل ما أن لو كان هنالك شخص ما طائع لربه معروف هكذا ملتزم بأحكام الشرع قائم بأمر صلاته وبأمر صيامه وزكاته وعبادته سيرته حسنة في الناس ثم وقع في خطأ، فتجد بأن الجهلة من الناس يقدحون في الدين كله بسبب أن فلانا ذلك الذي كان ملتزما بهذه الأحكام قد وقع في ذلك الخطأ، يقدحون في العبادة ويقدحون في المعاملات وفي غير ذلك من الأمور، يقدحون في الدين كله لأن فعل فلان المخطئ كان سببًا لذلك القدح.
فلان هذا مهما علت منزلته تحاكم أفعاله وفق شرع الله، شرع الله فوق كل أحد، شرع الله حاكم على كل أحد، الذي يوافقه فهو المحق صغيرا كان أو كبيرا، قويا كان أو ضعيفا، مجهولًا كان أو معروفا، ومن يخالفه فهو المبطل كبيرًا كان أو صغيرًا، مشهورًا كان أو مغمورًا، قويًا كان أم ضعيفًا.
فليس الاتباع للأفعال ونغض الطرف عن الحق هذا فعل جاهل، مثل ما فعل الجهال حينما كانوا يعظمون أفعال آبائهم ويجعلونها شرعة يسيرون عليها ومنهجا يمضون عليه ويغضون الطرف عن الحق، يجعلون أفعال آبائهم هي الحاكمة على الحق (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُون)، (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُون)، (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُون) هذا منهج جاهلي، كيف يمسخون عقولهم ولا ينظرون في الصواب، ولا يحكمون الحق في الأفكار بل يعظمون شأن أفعال الآباء والأجداد فيجعلوها حاكمة على كل فكر وعلى كل تصرف، هذا منهج ينبغي أن يصحح.
ومثل هذا يلتحق به محاكمة أو مؤاخذة بعض الناس الدين أو ربط الدين والالتزام به بشخوص فإذا ضلّ الشخص ضلوا وإذا كفر كفروا وإذا صلح صلحوا، أولئك السابقون يحكمون على الدين من خلال الأفعال، وأما هؤلاء فإنهم يحكمون شخوصا في الدين فتجد بأنه ينظر إلى فلان من الناس مثلا إذا سار بسيرة مستقيمة يتبعه، وإذا انحرف انحرف معه، الله تعالى لم يتعبدك بذلك بل تعبدك بشرع قويم ودين عظيم جعل الناس جميعا ملزمين باتباع أحكامه، الشرع لا يتعلق بالشخوص، الشخوص يأتون ويذهبون، يفعلون ويتركون لكن الشرع قوي باق، إن الله لم يربط الدين حتى بأعظم الشخوص الذين لهم فضل في هذا الدين، فالله جل وعلا يخاطب المسلمين بقوله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِين)، وقد فهمها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في وقت موته عليه أفضل الصلاة والسلام وقبل ذلك فهموا بأن لهذا الدين معالم واضحة وشرعة بيّنة أنزلها الله تعالى وتعبدنا بها، هذا الدين ليس متعلقا ببقاء الرسول أو بذهابه بل الرسول صاحب مهمة يؤديها ثم يذهب فهو بشر يسري عليه في هذا الجانب ما يسري على البشر من الصحة والمرض والموت، ولكن الشرع باق قويم واضح، فعاب على أولئك الذين ينقلبون على أعقابهم إذا ما رأوا موت الرسول (وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِين).
فأنس بن النضر رضوان الله تعالى عليه وهو أحد الشهداء الذين استشهدوا في غزوة أحد، لما حصلت النكسة في غزوة أُحُد واستدار خالد بن الوليد على جيش المسلمين وخلص الكفار إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقتل ابن قمأة مصعبا بن عمير رضوان الله تعالى عليه وصاح في الناس قد قتلت محمدا، يظنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شاع هذا الأمر في المسلمين فوجفت قلوبهم وأصاب الذهول بعض الناس ومرّ أنس رضوان الله تعالى عليه على بعض المسلمين وقد قعدوا ألقوا السلاح وجلسوا حيارى، قال لهم: ما بكم؟ قالوا: قتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: ويحكم فموتوا على ما مات عليه. دينكم دين واضح يأمركم بالجهاد وهذا أوانه، فهل معنى قتل الرسول أن تتركوا كل شيء؟ هذا فهم جليل كان الصحابة يفهمونه مثله ما قاله سيدنا الصديق رضوان الله تعالى بعدما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا الآية التي ذكرناها وقال (من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت)، وشق المسلمون طريقهم رضوان الله تعالى عليهم.

حسب هوى النفس
ثم تطرق فضيلة الشيخ الداعية إلى خطأ عظيم يقع فيه بعض الناس ظلما للدين واتهاما له يؤاخذون دينهم ويتهمونه حينما تحصل مثل هذه الأمور.
هذا الخطأ يكمن في كون الشخص يجعل موقفه من الحكم الشرعي في الدين خاضعا لمصلحته، فإذا كان الحكم الشرعي موافقا لهوى نفسه صابا في مصلحته الشخصية فإنه عندئذ يقبله ويمتدح الدين ويرفع من شأن الدين ويعلي من قدره.
وأما إذا كان الحكم الشرعي غير موافق لهوى نفسه لا يصب في مصلحته فإنه عندئذ يقدح في الدين ويرفض حكم الدين ويصف الدين بالأوساخ التي هو منها بريء فيصف الدين بالتشدد ويصفه بعدم مراعاة الأحوال وبعدم مناسبة الواقع وبأنه حجر عثرة أمام التقدم والتحضر والرقي وغير ذلك من الصفات الذميمة التي يصف بها الدين ينشأ هذا الأمر من هوى نفس، إن هذا الشخص يريد أن يخضع الدين لأهوائه فعنده أن الدين لا بد أن يكون متسايرًا مع هوى نفسه راضخًا لطلباته هو غير حاكم على تصرفاته إذا كان يحب أن يأتيها وعندئذ يكون الدين ليس هناك أحسن منه عنده أبدا.
من الأمثلة على ذلك صورة من صور المعاملات المالية كأن يريد شخص أن يدخل في مشروع أو أن يمارس ممارسة مالية معينة، ثم يسأل هو أو غيره فيصله بأن الحكم الشرعي فيها أنها غير جائزة لاشتمالها على مخالفات شرعية وكان يبني أحلامًا ويأمل آمالًا ويطمح إلى طموحات واسعة يريد أن يحقق كذا، ويحقق كذا من المصالح من خلال هذه المعاملة فلما أتى الحكم الشرعي أو استبان له بأن الحكم الشرعي أن هذه المعاملات المأمولة ليست جائزة، وأن الإنسان لا يجوز له أن يمارسها يرعد ويبرق ويرغي ويزبد ويرفع عقيرته قادحا في الدين سابا للعلماء مضللا للفقه في الدين مبينًا بأن هذا التعامل تعامل يحبط الطموحات ويقتل الإبداع ويقف حجر عثرة أمام مشروعات الشباب وغير ذلك من الأمور التي يهذر بها.. إلى غير ذلك. هذا الأمر ماذا يعني؟ يعني أن من خطأ الناس أن يجعلوا الأهواء والإرادات والمصالح والرغبات الشخصية حاكمة على الدين ولا يقبلون أن يجعلوا الدين حاكما على الإرادات والأهواء والرغبات.
هذا الأمر أمر ليس جديدًا بل قد وقع سابقا وقع من قبل المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والذين كانوا بين المسلمين، يقعون في مثل هذه الأحوال من منابذة الدين فالله جل وعلا يذكر لنا في كتابه مثل هذا حينما يقول: (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُون) فهو يذكر سبحانه حال فئة من أهل النفاق حينما يوزع النبي صلى الله عليه وسلم العطايا أو الصدقات فلا ينالهم ما يطمحون إليه ولا يكون العطاء بحسب ما يريدون لمزوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما ائتمنه الله تعالى عليه من القيام بالعدل، فقدحوا في عدله عليه افضل الصلاة والسلام، واللمز هو الكلام من خلف الشخص والغمز هو الكلام أمامه، وقيل العكس أي أن اللمز هو أن يتكلم من خلفه واستظهر الإمام القطب هذا انهم يتكلمون من خلفه في عدله، متى يحصل هذا القدح والذم؟ إذا لم يعطوا منها، أما إذا أعطوا منها فإنهم يظهرون الرضا والسعادة والامتنان للدين. هذا المنهج منهج سقيم يجب أن يصحح فما الصحيح إذا؟ الصحيح أن يؤمن الإنسان بأن الدين هو الحاكم على النفوس والأفعال والأهواء والإرادات. وليس العكس، ولا يمكن أن يتحقق الإيمان الكامل الصادق إلا بهذه العقيدة أن يؤمن بأن الدين متحكم في كل أحوال الإنسان؛ لأن الإنسان إنما هو عبد لله وملك لله ومتصرف فيه يكلفه بما يشاء ويأمره بما يشاء وينهاه عما يشاء ويتعبده بما يشاء من أنواع التعبد، فالله جل وعلا لم يستشر الناس فيما أمرهم به هل ترضون أن تفعلوا أو لا تريدون أن تفعلوا بل تعبدهم به وهم مأمورون بطاعته سبحانه.

الأمر أمر الله ورسوله
وينبه فضيلته: الذي يأمر الله تعالى به ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فالله جل وعلا يأمرنا مثلا بأن لا نقدم حكمه وقضاؤه سبحانه بأن جعل محبة الله ورسوله تعبد، يجب على الإنسان أن يطبقه وينفذه، ويجب عليه أن يجعل هذه المحبة لله ورسوله فوق كل المحبة هذا الأمر ليس اختياريا وليس محل استشارة أن استطعت أو لم تستطع وإنما هو أمر رباني نافذ لا بد أن يطبقه الإنسان فقال: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين) فوصف بالفسق وتوعد بالعذاب من لم ينفذ هذا الأمر الشرعي فيقدم محبة الله ورسوله على كل المحاب الموجودة في دنيا الإنسان، وبدون ذلك لن يتحقق الإيمان، وهذا الأمر أيضا أمر يقرره الرب سبحانه وتعالى يبين وجوبه حينما يقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا) فيبين سبحانه بأن الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- إذا قضى الله ورسوله بأمر أي افترضا أمرا أو أوجبا أمرا فليس للمؤمن وليس للمؤمنة خِيَرَة، ليس لهم اختيار أمام أمر الله بل عليهم الاتباع والإذعان.
وقال سبحانه: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)، هذا الآيات تبين أن المسلم عليه أن يحكم شرع الله تعالى في أحواله كلها في تصرفاته جميعا فنفى الإيمان عنهم حتى يحكموا رسول الله فيما شجر بينهم، أي يكون هنالك تحكيم للشرع ثم يكون هنالك تسليم للشرع، (ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ) إذا صدر الحكم الشرعي من الله ورسوله فليس للمؤمن بعد إذٍ إلا أن يسلم وليس له أن يجعل في نفسه حرجا مما قضاه صلى الله عليه وسلم.