مبادرة السلام الأمريكية وتكريس الاحتلال

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

تظل القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية منذ عام 1948 عندما حدث التامر الغربي وتم طرد الشعب الفلسطيني من ارضه لتصبح قضية فلسطين من القضايا الكبرى التي عجز المجتمع الدولي عن إيجاد حل عادل وشامل رغم وجود قرارات الشرعية الدولية، حيث كان للانحياز الأمريكي ومن خلال الإدارات المتعاقبة دور سلبي وتكريس للاحتلال الإسرائيلي الذي يقضم الأراضي الفلسطينية بشكل متواصل من خلال بناء المزيد من المستوطنات.
ورغم الظلم الذي وقع علي الشعب الفلسطيني المقاوم على مدى اكثر من سبعة عقود فإن إسرائيل ظلت تعيش قلق السلام من خلال تواصل النضال الفلسطيني ومن خلال عزلة إسرائيل ككيان محتل ومن هنا سعي العرب إلى إيجاد مبادرة للسلام تم اعتمادها في القمة العربية في بيروت عام 2002 وتعتمد على حل الدولتين من خلال إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية علاوة على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وحل مسالة اللاجئين علي ضوء قرارات الشرعية الدولية.
وكانت المبادرة العربية هي حل واقعي بحيث يتم إحلال السلام في المنطقة علاوة على إرجاع الجولان السوري المحتل إلى سوريا والأراضي اللبنانية المحتلة في جنوب لبنان ومن هنا يحدث التعايش بين دول وشعوب المنطقة.
ومع قدوم إدارة الرئيس ترامب عام 2016 انقلبت الأمور رأسا على عقب من خلال قرارات الرئيس الأمريكي غير القانونية حول القدس والمستوطنات وحتى موضوع الجولان المحتل، في اختراق غير قانوني للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومن هنا فإن صفقة القرن أو مبادرة السلام الأمريكية التي اعلن عنها مساء امس في واشنطن تأتي لتصفية القضية الفلسطينية او ما تبقى منها ومع ذالك فان هذه المبادرة الأمريكية قد سقطت شعبيا حتى قبل الإعلان عن بنودها.

مبادرة مرفوضة

تنص مبادرة السلام الأمريكية على اقتطاع المزيد من أراضي الضفة الغربية وخاصة الكتل الاستيطانية وضمها إلى إسرائيل مع بقاء القدس عاصمة لإسرائيل وإقامة دولة فلسطينيه على ما تبقى من أراضي الضفة الغربية وبعض البلدات المحاذية للقدس وقطاع غزه وتكون تلك الدولة منزوعة السلاح وتبقى إسرائيل مسيطرة على الوضع الأمني مع إنهاء الفصائل المسلحة في قطاع غزه كحركة حماس والجهاد وإطلاق مشروع اقتصادي يتضمن استثمارات بعدة مليارات من الدولارات لإقامة بعض المرافق في غزه كميناء ومطار والربط بالطرق مع الضفة الغربية ونسيان موضوع اللاجئين من خلال موضوع مبادلة الأراضي ومن هنا ينتهي الصراع في المنطقة وخاصة بين العرب وإسرائيل وتنطلق مسالة العلاقات العربية-الإسرائيلية بشكل علني ورسمي. وعلى ضوء تلك المبادرة يتم اقتطاع 30 في المائه من أراضي الضفة الغربية لصالح إسرائيل وهذه كارثة كبيرة، كما أن المستوطنات الكبيرة سيتم تحويلها إلى إسرائيل، ومن هنا فإن هذه المبادرة هي تصفيه حقيقيه للقضية الفلسطينية بشكل كامل وتحويل فلسطين إلى كانتونات وبالتالي ينتهي حلم الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ومن هنا فإن الرفض الفلسطيني الشعبي والرسمي جاء منسجما مع هذه المؤامرة الأمريكية والتي تخطت كل الأعراف والقوانين والقرارات الدولية. المبادرة الأمريكية تأتي في ظل انحياز كبير كما وصفه نتانياهو بأنه الأهم في تاريخ العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، كما أن تلك المبادرة تأتي في ظل ضعف وتمزق عربي كبير حيث الحروب الأهلية والخلافات والصراعات في سوريا واليمن وليبيا والمشكلات في لبنان والعراق والأزمة الخليجية ومن هنا شعر ترامب بان هذا المناخ السياسي سوف يساعد على إطلاق تلك المبادرة الهزيلة والمرفوضة.

الموقف العربي

وفي ظل إطلاق المبادرة الأمريكية فإن العرب أمام مفترق طرق والكل ينتظر موقفا عربيا حازما من خلال عقد قمة عربية طارئة او اجتماع لوزراء الخارجية وتنديد واضح بتلك المبادرة والتأكيد علي ان المبادرة العربية للسلام هي الأساس الذي تنطلق منه ترتيبات السلام بين العرب وإسرائيل وان المبادرة الأمريكية مرفوضة شعبيا ورسميا هذا هو الحد الأدنى للموقف العربي. ان القضية الفلسطينية تمر الآن بأصعب وأدق مراحلها في ظل الانحياز السافر لإدارة ترامب والتي تضرب بعرض الحائط بقرارات الشرعية الدولية وبأن الكيان الإسرائيلي هو كيان محتل وهو آخر احتلال في تاريخ الإنسانية الحديث، كما أن الأمم المتحدة لابد أن تدافع عن قراراتها الصادرة من مجلس الأمن والجمعية العامه للأمم المتحدة.
نؤمن بأن تلك المبادرة الأمريكية سوف يكون مصيرها الفشل وان الشعب الفلسطيني سوف يظل الرقم الصعب الذي يدافع عن مشروعه الوطني وسوف يستمر الكفاح لنيل الحقوق ومهما كانت السطوة الأمريكية فإن التاريخ يحدثنا عن انتصار الشعوب في نهاية المطاف وان أي كيان محتل لابد أن يسلم بالحقائق التاريخية، هذا هو منطق الأمور.
العرب الآن وعلى ضوء هذا التطور الخطير هم في مفترق طرق ولابد أن تكون الإرادة الشعبية دافعا للقيادات العربية بأن تأخذ مواقف وطنية وقومية تنسجم وتطلعات الشعوب لأن العالم سوف يتابع الموقف العربي خاصة في هذا الموقف الصعب الذي تمر به القضية الفلسطينية والتي تناقش أوضاعها في واشنطن بعيدا عن أصحاب الشان وهو الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية.
ان الموقف الشجاع للرئيس محمود عباس هو موقف وطني يسجل في مسيرته من خلال الرفض حتي الحديث إلى الرئيس ترامب هاتفيا وهذا شيء منطقي، ومن هنا فإن العالم العربي ليس فقط رسميا ولكن شعبيا ومن خلال المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والمدنية لابد ان يكون لها موقف ومن خلال تحرك واسع النطاق لإفشال تلك الصفقة المشبوهة.
ان مناقشة خطة السلام في البيت الأبيض مع نتانياهو ورئيس حزب ابيض ازرق المعارض تعطي إشارة إلى أن ترامب لا يهتم بقضايا الشعب الفلسطيني ولا الشعوب العربية ويقرر مصير شعب بأكمله من خلال مبادره تنتهك القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة.

المصير المجهول

الرئيس ترامب يواجه حاليا محاكمة برلمانية في مجلس الشيوخ ويواجه انتقادات لاذعة من الصحافة الأمريكية ويبدو انه يريد ان يخرج من تلك المشكلات من خلال تلك الصفقة ويوجه الانتباه إلى الشرق الأوسط بدلا من الداخل الأمريكي، كما إن رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل نتانياهو لديه مشكلات من خلال الاتهامات بالرشوة والفساد من قبل القضاء الإسرائيلي، ومن هنا فان تلك المبادرة وكأنها طوق نجاه لترامب ونتانياهو من مشكلات الداخل في ظل تطلع ترامب لولاية رئاسية ثانية خلال الانتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم، كما ان نتانياهو يريد أن يحصل على مزيد من المكاسب للداخل الإسرائيلي حتي يفوز في الانتخابات القادمة في إسرائيل. ومن هنا فإن اللعب بمصير الشعوب هي مسالة لاتهم ترامب الذي يريد أن يحل القضية الفلسطينية من خلال التبرع بمزيد الأراضي والسيادة لمستقبل الدولة الفلسطينية والتي تعد هي أساس الحل لأي حل واقعي للسلام الدائم والشامل، وسوف تظل القضية الفلسطينية حية في ضمير الشعب الفلسطيني والشعوب الحرة في العالم وسوف يكون مصير مبادرة السلام كمصير عدد من المبادرات الأمريكية في كامب ديفيد وواي ريفر والتي رفضت القيادة الفلسطينية تسويق تلك المبادرات غير المنصفة. وفي المحصلة الأخيرة فإن الشعب الفلسطيني سوف يرمي بتلك المبادرة وإفشالها ليظل الضمير الوطني والإنساني كوقود يشعل جذوة الكفاح والنشاط السياسي والسلام العادل والحقيقي وان هناك الآن مسؤولية عربية كبيرة تجاه ما يحاك من مؤمرات ضد القضية الفلسطينية وضد الحلم الفلسطيني والذي سوف يتحقق يوما ما وهذه هي سمات الشعوب الحيه والمؤمنة بعدالة قضيتها.