شفافية: الأمن الصناعي ورؤية السلطان قابوس

محمد بن أحمد الشيزاوي –
shfafiah@yahoo.com –

بدأت السلطنة في وقت مبكر من نهضتها الحديثة التي أسسها جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيب الله ثراه- التركيز على قطاع الصناعة باعتباره أحد أبرز القطاعات التي تلبي احتياجات السكان في البلاد، وتساهم في التنويع الاقتصادي وتوفير فرص العمل أمام الشباب.

ولعل حديث جلالته -طيب الله ثراه- في خطابه في العيد الوطني الثاني في 18 نوفمبر 1972 يؤكد هذا الاهتمام، فبعد حديثه عما حققته السلطنة من تنمية وإنجازات في قطاعي التعليم والصحة أكد أهمية الاقتصاد باعتباره «العمود الفقري الذي تقوم عليه البلاد»، مشيرًا إلى أهمية استغلال المواد الطبيعية لتنمية الاقتصاد. وفي الحقيقة لا يمكن تنمية الموارد الطبيعية إلا من خلال تحفيز القطاع الصناعي وهو ما أكده -طيّب الله ثراه- في قوله: «ولوجود المواد الخام للاسمنت في أرض عُمان سيبدأ مصنع الاسمنت عمله في العام القادم، وسوف تكون فيه أسهم وطنية»، وانتقل جلالته بعد ذلك إلى تنمية قطاع صناعي – اقتصادي آخر وهو قطاع الزراعة بقوله: «وسنعمل على تنمية مواردنا الطبيعية بالعمل على أن تعطينا الزراعة في المستقبل اكتفاء ذاتيا وفائضا نصدره إلى الخارج بعد ذلك»، وهذه الرؤية الحكيمة منذ السنوات الأولى لانطلاق النهضة الحديثة للبلاد تتجلى أيضا في الخطاب نفسه عندما تحدث جلالة السلطان قابوس -طيب الله ثراه- عن الثروة السمكية بقوله: «كما أن شركة استثمار الثروة السمكية على أهبة الاستعداد للعمل ليس لسد حاجة البلاد من السمك فقط بل للعمل على انخفاض السعر وتعليب الفائض وتصديره إلى الخارج». وبهذا يكون السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور قد حدد رؤية واضحة لانطلاق قطاع الصناعة ينبغي لكل من يعمل في هذا القطاع أن يضعها نصب عينيه؛ فالصناعة هي السبيل الحقيقي لتحقيق الرخاء الاقتصادي والأمن الغذائي وزيادة فرص التوظيف وتنمية الناتج المحلي وتحقيق الاستقرار للمجتمع الذي يجد ما يحتاج إليه في بلده دون حاجة إلى استيراده من دول أخرى.

ولم يتوقف اهتمام جلالة السلطان قابوس بقطاع الصناعة عند هذا الحد بل نجد على مدى مسيرة النهضة الحديثة التي انطلقت في 23 يوليو 1970 الكثير من الشواهد التي تؤكد ذلك، ولعل أبرزها تخصيص عامي 1991 و1992 عامين للصناعة «بهدف إيجاد ‏صناعة حديثة ومتطورة تحقق الاعتماد ‏على الذات قدر الإمكان، وترتقي بمستوى الإنتاج وجود‏ته، في الوقت الذي تعمل فيه على تقليل تكلفته إلى أد‏نى حد ممكن مما يساعدها على منافسة المنتجات الأجنبية في الداخل والخارج»، وهذا ما نص عليه جلالة السلطان الراحل في خطابه في العيد الوطني الـ21 الذي يعتبر منهاج عمل لمختلف الشركات الصناعية وللمسؤولين عن تطوير القطاع الصناعي، ففي ذلك الخطاب الذي ألقاه -طيب الله ثراه- في 18 نوفمبر 1991 أكد جلالة السلطان قابوس أن «الصناعة تعتبر ركيزة أساسية» في التنمية التي تشهدها البلاد، مؤكدًا أن تطوير الصناعة «على أسس علمية، وقواعد فنية» يمكّنها من «أن تسهم وبشكل فعال في بناء الاقتصاد ‏الوطني».

إن رؤية السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور لأهمية الصناعة و«د‏ورها الوطني في التقدم والرخاء الاجتماعي» لم تقتصر فقط على التوجيه وإنما تجلّت أيضا في تحفيز القطاع على النمو من خلال توفير الحوافز والإعفاءات الجمركية والضريبية، وقد أكد جلالة السلطان في الخطاب الذي ألقاه في عام الصناعة الأول ضرورة قيام صناعة عمانية قوية، معتبرا ذلك هدفا استراتيجيا، وقال: إننا «لا نألو جهدًا في د‏عم القطاع الصناعي وتوفير الحوافز المناسبة له وصولا إلى نهضة حقيقية في هذا المضمار تؤتي ثمارها الطيبة» مؤكدًا أن «التطوير المستمر للمنتج العماني نحو الأفضل يقتضي اهتمام الصناعة الوطنية بإجراء البحوث والدراسات اللازمة في هذا الشأن، والعمل على إيجاد ‏قاعدة علمية تدفع عجلة التصنيع قدما إلى غايتها المنشودة»، مشددًا على أن «د‏ور الصناعة في بناء الاقتصاد ‏الوطني … لا يكتمل ولا يكتسب بعده الوطني إلا بمقدار نجاح التنمية الصناعية في استخدام وصقل المهارات والكفاءات البشرية الوطنية من جهة، واستغلال موارد ‏البلاد ‏الطبيعية من جهة ثانية. فالتنمية ليست غاية في حد ذاتها، وانما هي من أجل بناء الإنسان الذي هو أد‏اتها وصانعها، ومن ثم ينبغي ألا تتوقف عند مفهوم تحقيق الثروة وبناء الاقتصاد، بل عليها أن تتعدى ذلك إلى تحقيق تقدم الإنسان وإيجاد ‏المواطن القاد‏ر على الإسهام بجدارة ووعي في تشييد صرح الوطن وإعلاء بنيانه على قواعد متينة راسخة لا تزعزعها هوج العواصف، ولا تنال منها صروف الدهر ونوائب الزمان».

‏إن إعادة قراءة الفكر السامي لجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور فيما يتعلق بالأمن الصناعي وتطوير قطاع الصناعة تقودنا إلى تحقيق العديد من أهداف التنمية الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل، وعلى مدى الـ50 سنة الماضية من عمر النهضة الحديثة شهد القطاع الصناعي الكثير من التطوير وأصبحت السلطنة ضمن الدول الرائدة في مجال الصناعات البتروكيماوية، ومع التطور العالمي نجد أن قطاع الصناعة لديه الكثير من الإمكانيات للنمو بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة مستلهمًا من الأسس التي وضعها جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور منطلقًا جديدًا في مسيرة التنمية المتواصلة للسلطنة والتي لا يمكنها أن تتوقف عند زمن معيّن.