موازنة 2020 في سياقات مسيرة التنمية العمانية

صلاح أبو نار –

تشكل الموازنة الجديدة عام الخطة الخمسية التاسعة الأخير، أي خطة استراتيجية «عمان 2020» الخامسة والأخيرة، كما تشكل أيضا العام التمهيدي لاطلاق استراتيجة «عمان 2040» التنموية الطموحة.

فما هي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للموازنة الجديدة؟
وما هو موقعها في سياق حركة وإنجازات مسيرة التنمية العمانية؟
وما هو موقع الموازنة الجديدة من مسيرة التنمية العمانية؟
وفقا لبيانات «الكتاب الإحصائي السنوي 2019»، تضاعفت تقريبا قيمة الموازنة العامة العمانية فيما بين عامي 2009 و2014 الماليين. فارتفعت الإيرادات من6,7 مليار ريال إلي14,1 مليار، وارتفعت المصروفات من 7,4 إلى 15,2 مليار ريال عماني. ولكن عام 2015 جاء معه بتدهور حاد في أسعار النفط، وهكذا انخفضت الإيرادات إلى 9 مليارات والمصروفات إلى 13,7 مليار ريال، وتواصل الانخفاض في عام 2016 ولكن بمعدلات أخف كثيرا.
بالتوازي مع ما سبق ارتفع عجز الموازنة فيما بين نفس العامين من 680 مليون ريال فقط، إلى 1,6 مليار ريال. ولكن ابتداء من عام 2017 ومع بداية استعادة أسعار النفط لعافيتها أخذت الإيرادات ومعها النفقات في التصاعد، حتى وصلت إيرادات عام 2019 المقدرة إلى 11,1 مليار، ووصلت النفقات المقدرة الى13,7 مليار. وبالتوازي مع ما سبق ارتفع عجز الموازنة من 4,6 مليار عام 2015 إلى 5,3 مليار عام 2016، ثم بدأ في الانخفاض في العام التالي ليصل في 2019 إلى 2,6 مليار.
وسوف يكون من المفيد أن ننقل التحليل إلى المستوى الاقتصادي الكلي، القادر على منح أرقام الموازنات سياقها الاقتصادي الأعم والأشمل وبالتالي دلالاتها الأكثر تحديدا. استهدفت الخطة التاسعة تحقيق معدل نمو حقيقي مقداره 2,8%، وتمكنت خلال سنواتها الثلاث 2016 – 2018 من تحقيق معدل نمو 2,4%. وفي إطار حركة النمو الاقتصادي واصلت سنوات الخطة التاسعة التحولات التي بدأت منذ منتصف العقد الأخير من القرن الماضي، من اقتصاد يسيطر عليه القطاع النفطي إلى اقتصاد تلعب فيه الأنشطة غير النفطية الدور الأساسي. وهكذا حققت الأنشطة غير النفطية نسبة 63% من الناتج المحلي خلال السنوات الثلاث نفسها مقابل 37% للأنشطة غير النفطية. وخلال الفترة نفسها حققت القطاعات الفرعية للأنشطة غير النفطية معدلات النمو التالية: 9,6% في الصناعات التحويلية، و6,6% في النقل والخدمات اللوجيستية، و2,2% في السياحة، و0,5% في التعدين، و1,3% في الثروة السمكية.
ويمنحنا المنطق الاقتصادي للتحولات السابقة السياق العام الذي حدد أهداف موازنة 2020.
أول هذه الأهداف مواصلة العمل على تحقيق التوازن المالي من خلال الضبط المالي والسيطرة على معدلات العجز. وفقا لحسابات ميزانية 2019 الأولية كان عجز الموازنة العامة 2,8 مليار ريال، بينما كان 2,7 مليار في 2018، وفي عام 2016 كان 5,3 مليار، وهو ما يعني النجاح في تخفيض بنسبة 51% فيما بين 2016 – 2019.
ثم جاء مشروع الموازنة الجديدة ليواصل تلك السياسة، فحدد العجز بمقدار 2,5 مليار ريال، أي ما يساوي 8% من إجمالي الناتج المحلي، على أن يمول 80% من خلال الاقتراض المحلي وتمول النسبة الباقية من الاحتياطي النقدي. وحددت الميزانية عدة سياسات لتحقيق هذا الهدف. منها البحث عن وسائل مبتكرة لتمويل المشاريع والخدمات الحكومية. ومنها الاستمرار في إجراءات ترشيد ورفع كفاءة الإنفاق العام، من خلال إجراءات مثل تطوير نظام وآليات المشتريات الحكومية. ومنها رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى جملة الإيرادات الحكومية. ومنها العمل على تطوير نظام وآليات المشتريات الحكومية. وفي سياق تلك السياسة الأخيرة بلغت قيمة مساهمة الإيرادات غير النفطية 3 مليارات ريال بينما كانت 2,655 في موازنة 2019، وهو ما يعني مواصلة اتجاه تصاعدي حيث لم تتعدَ نسبة مساهمتها 1,926 مليار في عام 2015.
وثاني هذه الأهداف مواصلة تحفيز الاقتصاد الوطني. ولتحقيق هذا الهدف طرح واضعو الميزانية السياسات التالية: استكمال مشاريع البنية الأساسية، وإعطاء الأولوية لتنفيذ المشاريع الملحة وغير المكتملة، وأولوية استكمال التحول الإلكتروني للخدمات الحكومية، والاهتمام بمخصصات الصيانة للحفاظ على ما تحقق من إنجازات، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص وتعظيم دوره في مجال المرافق والخدمات. وتقع الاعتمادات التي خصصت لتنفيذ تلك السياسات تحت بند «المصروفات الإنمائية للوزارات والوحدات الحكومية» من المصروفات. تصل قيمة هذا البند إلى 1,300 مليار ريال، أي أقل قليلا من مصروفات موازنة 2019 التي خصصت 1,325 لهذا البند. وفي هذا الصدد أشارت صفحات الموازنة إلى أهم المشاريع التي خصصت لها بنود المصروفات الإنمائية، في قطاعات المياه والنقل والموانئ والأسماك والزراعة والصناعات التحويلية والصناعات البتروكيماوية. ومن أمثلتها استكمال مشاريع خطوط نقل المياه وسدود التغذية الجوفية، واستكمال مطار مسقط ومشاريع الطرق، واستكمال منشآت موانئ الدقم وصلالة وشناص، واستكمال منشآت منطقتي الرسيل وصحار الصناعيتين، واستكمال مشروعي الإدارة المتكاملة لمكافحة الآفات الزراعية وتحصين الثروة الحيوانية.
وثالث هذه الأهداف الحفاظ على مستوى الخدمات الاجتماعية الأساسية، في مجالات التعليم والصحة والإسكان والضمان والرعاية الاجتماعية. سنجد النفقات المخصصة لتحقيق هذا الهدف في بند «مصروفات الوزارات المدنية» وتدعي أيضا «النفقات الجارية»، ثم بند «النفقات الإنمائية»، مع ملاحظة أن كل بند يختص بجانب معين من الإنفاق الخدمي الاجتماعي.
وعلى سبيل المثال تؤسس المستشفيات الجديدة والمرافق العامة المكملة لها من خلال بند النفقات الإنمائية، ولكن تمويل إدارة المستشفيات وتجهيزها باحتياجاتها الطبية يأتي من خلال وزارة الصحة الممولة من بند مصروفات الوزارات المدنية.
وفي حدود التحليل السابق خصصت الميزانية 4,6 مليار ريال كمصروفات للوزارات المدنية، بينما كانت مخصصاتها 4,5 مليار في عام 2018. وفي موازنة 2020 خُصص 40% من مخصصات الوزارات المدنية للخدمات الاجتماعية، بينما كانت هذه النسبة 39% في عام 2019، و32% في عام 2016.
ووفقا لأرقام ميزانية 2020 يذهب إلى قطاع التعليم17% من إنفاق المصروفات الوزارات المدنية، يليه قطاع الصحة بنسبة 11%، والضمان والرعاية الاجتماعية بنسبة 7%، والإسكان بنسبة 5%. وفي إطار ما سبق خصصت الموازنة 80 مليون ريال لتوفير 1587 قرضا للإسكان، بينما كانت مخصصات 2019 هي 60 مليونا لتوفير 1375 قرضا للإسكان. وخصصت 500 مليون ريال لدعم الكهرباء، وكانت 485 مليونا في موازنة 2019.
ورابع هذه الأهداف تعزيز عملية التنويع الاقتصادي. ولقد سعت الميزانية إلى توفير الاعتمادات للمشاريع العامة المعززة لهذا التنوع، سواء عبر سياسات المشاركة المباشرة مع القطاع الخاص، أو عبر الفرص التي توفرها المشاريع العامة التي تخلق معها أنماط معينة من الطلب الصناعي محفزة لنمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة. خصصت الموازنة 2,7 مليار دولار للمشاريع الاستثمارية للشركات الحكومية، مثل مشاريع المصافي ومحطات تخزين النفط والصناعات البتروكيماوية، والمشاريع اللوجستية من موانئ وطرق ومطارات، ومشاريع المناطق الصناعية الخاصة مثل الرسيل وصحار، ومشاريع تطوير موانئ الصيد البحري مثل سدح والمصنعة ومحوت، ومشروع الأمونيا بصلالة ومجمع لوي للصناعات البلاستيكية، وتعدين النحاس بالمضيبي. وتعتبر منطقة الدقم الصناعية الخاصة أهم نماذج تحفيز القطاع الخاص والتنويع عبر المشاركة مع رأس المال العام، فحتى أواخر 2019 وصل حجم الاستثمار الحكومي الى 2,6 مليار ريال، ووصل مقدار استثمارات القطاع الخاص الملتزم بها إلى 4,3 مليار.
ماذا بشأن الإيرادات؟ وصلت قيمة إيرادات الموازنة الجديدة إلى 10,7 مليار ريال في مقابل نفقات قيمتها 13,200 مليار. وإيرادات 2020 أعلى قليلا من إيرادات 2019 التي كانت 10,1 مليار، ولكنها أعلى كثيرا من إيرادات عام 2016 التي وصلت إلى 7.608 مليار مع تدهور أسعار النفط، بعد أن كانت 14,107 في عام 2014. وجاءت مصادر الإيرادات من النفط والغاز بقيمة 7,700 مليار ريال، أي 72% من إجمالي الإيرادات وبنسبة 51% للنفط و21% للغاز. وتوزعت المصادر غير النفطية بين 2,450 مليار رسوم وضرائب، و550 مليون إيرادات واستردادات رأسمالية، أي بنسبة 18% للرسوم والضرائب و9% لغير الضرائب. والملاحظة الأساسية في هذا الصدد هي أنه بينما كانت مساهمة القطاعات النفطية في الموازنة الجديدة 72% سنجد مساهمتها في الناتج المحلي 27% فقط، وبينما كانت مساهمة القطاعات غير النفطية في الموازنة الجديدة 28% وصلت قيمتها في الناتج المحلي إلى 63%. وهنا سيظهر التحدي الذي ستواجهه استراتيجية عمان 2040. فلن تواجه تحدي بناء اقتصاد معرفة حديث ومتنوع فقط، بل هناك سؤال الوصول إلى تجانس بنية توليد موارد الموازنة العامة مع بنية توليد الناتج المحلي.

جريدة عمان

مجانى
عرض