هل سوف تتسيد الصين القرن الواحد والعشرين؟

د.صلاح أبونار –

مع كل تطور جديد في الحرب التجارية المشتعلة بين واشنطن وبكين، يعاود المهتمون طرح سؤالهم القديم: هل ما يجري مجرد نزاع تجاري؟ أم إنه في جوهره تجليات لصراع قوة صاعدة تتجه لاحتلال مركز القوة في النظام العالمي، والقوة الأمريكية المسيطرة عليه التي تصارع لعرقلة هذا الصعود؟
سؤال يعيدنا إلي السؤال الأم: هل سوف تتسيد الصين القرن الواحد والعشرين؟ سؤال دارت حوله مناقشات ظهر خلالها توجهان: أول يجيب بالإيجاب وثان يراها فكرة تنطوي على تضخيم لإمكانيات الصعود الصيني دونما إنكار لبعض حقائقه.
يطرح المدافعون عن الفكرة ضمن ما يطرحون حججا تاريخية. يذكر المؤرخ الأمريكي البارز نيل فيرجسون: أن الصين في أغلب فترات تاريخها كانت القوة الأولى في العالم بالمعايير الاقتصادية والتقنية، وان فترتي القرن التاسع عشر والعشرين فترات استثنائية.
ماذا يعني ذلك؟
الصين تستعيد مكانة تاريخية، وتمتلك من التراث والذاكرة التاريخية ما يؤهلها لتلك الاستعادة. والحجة ذاتها يطرحها الصينيون. يطرح الاقتصادي الصيني ديفيد لي نفس فكرة فيرجسون من زاوية أخرى. عانى الوعي الصيني من تناقض حاد بين تاريخ بلاده العريق والمجيد، والمهانة العميقة التي تعرضت لها على مدى القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، في سياق التدخل الاستعماري الغربي. وولد هذا الشعور بالمهانة الوطنية ما يدعوه: «الطاقة»، أي طاقة العمل من اجل الدفع بالصين صوب المعاصرة و(إحياء) مكانتها التاريخية. وكان الحزب الشيوعي الصيني تجليا لهذه الطاقة، ومعه سياساته الاستثنائية من «القفزة العظمى إلى الأمام» إلى «الثورة الثقافية»، ثم جاءت سياسات التنمية والتحديث على مدى العقود الأربعة الماضية، لكي تقدم المسار الصحيح لتخطي هذا التناقض. ولكن الفريق الناقد للفكرة سيصطنع من التاريخ ما يوظفه لصالحه.
يطرح كيسنجر أن الصين عاشت في عزلة طويلة منكفئة على ذاتها رغم حضارتها المتقدمة، ومحاطة اغلب تاريخها بدول ضعيفة، وكل هذا لا يمنحها الثقافة الكونية أو الخبرات السياسية اللازمة للقيام بدور قيادي عالمي. ويذكر المؤرخ الشهير هوبسبوم: لدى الهند ميزة غير متوفرة في الصين، وهي درجة من الأصالة الحقة في ميادين التكنولوجيا والبحوث النظرية والفكرية، ليس من السهل أن تتوفر في الشرق الأقصى في المنطقة الكونفشيوسية، وذلك لأسباب تاريخية.
ولكن الاقتصاد وليس التاريخ هو الذي يحتل صدارة الجدال. يبدأ المدافعون برصد الموارد. يذكر فيرجسون أن الصين يعيش فيها خمس سكان العالم، وسكانها ضعف سكان كندا أربعين مرة، ويشغلون مساحة ضخمة إذا نظمت علي المنوال الأوروبي يمكن أن تشكل تسعين دولة. وبها 11 مدينة يتعدى عدد سكانها 6 مليون، بينما يوجد في الاتحاد الأوروبي مدينة واحدة، بل يحتوي 11 دولة سكانها اقل من 6 مليون. وهو ما يعني ضخامة قوة العمل والموارد والسوق. ولكنها ليست ضخامة فقط بل ضخامة مقرونة بدينامكية اقتصادية. على مدى ثلاثين عاما نما اقتصاد الصين بمعدل يزيد عن 10%، وصحيح انه انخفض بعد 2008 لكنه لا يزال أعلى معدلات النمو في العالم. وكانت الصين تعتمد على الاستثمار الأجنبي ولكنها الآن اكبر مستثمر خارجي في العالم، واصبح لديها احتياطي نقدي قدر عام 2012 بثلاثة تريليونات، وصندوق سيادي تصل أصوله إلى 200 بليون دولار. ثم أطلقت مبادرة الحزام والطريق، التي ستزودها ببنية تحتية عالمية تشكل قاعدة تبادل تجاري واسعة ومتنوعة الوجهات وسريعة، متداخلة مع مناطق اقتصادية خاصة وبالمشاركة مع دول عديدة. وهو ليس مجرد نمو اقتصادي بل نمو تُغذيه نهضة تعليمية وقدرات ابتكارية.
يذكر فيرجسون انه عام 2012 تخطى عدد براءات الاختراع الصينية عددها في ألمانيا، وانه في نفس العام حصل الطلاب الصينيون في سن 15 في إقليم شنجهاي على درجة 600 وهي أعلى معدل عالمي في تحصيل الرياضيات، بينما حصل الطلاب الأمريكيون على487 درجة واحتلوا المركز 25. ويذكر ديفيد لي انه في 2012 كان عدد الطلاب الصينيين الذي يدرسون في جامعات أمريكا وكندا 6 أضعاف عدد طلاب جامعة تورونتو مجتمعين.
ولكن الناقدين لا يسلمون بكل الحجج الاقتصادية للمؤيدين. لا احد ينكر ضخامة الإنجاز الصيني وسرعته وتوسعه وتواصله، ولكنهم يضعون ايديهم -عن حق أحيانا- على ثغرات ومآزق هذا النمو.
ينبهنا كيسنجر لعيوب الضخامة الكبيرة على الصين سنويا أن توفر 23 مليون فرصة عمل، وتحمل أعباء خدمات زيادة سكانية ما بين 150 -200 مليون، ومشاكل 6 مليون يتدفقون من أريافها إلى مدنها. وكل هذا يخلق ضغطا هائلاً علي الموارد، لن تستطيع استيعابه على الدوام. ولاحظ فريد زكريا وآخرون أن ظاهرة معدلات النمو الاقتصادي الفائقة عرفتها اليابان بعد أن أصبحت القوة الاقتصادية الثانية، وان اغلب النمور الآسيوية نمت بنسبة 9% على مدى ربع قرن، ولكن النمو الفائق اعقبه تباطؤ واحيانا ركود، ولم يترتب عليه انتقال اليابان إلى موقع وراثة النفوذ الأمريكي. ويضيف زكريا أن النمو الصيني يحمل درجة عالية من عدم الكفاءة الاقتصادية، ودلل بان معدل الاستثمار المباشر خلال شهر واحد في الصين يساوي المعدل الهندي في عام كامل، ومع ذلك فإن المعدل النمو الصيني أعلى من المعدل الهندي 2% فقط. ويلاحظ كيسنجر أن النمو الصيني يحمل معه تفاوتا حادا بين مناطق الساحل والداخل، فالداخلية ريفية ومتخلفة والساحلية حضرية ومتقدمة، كما يحمل معه آفات تضعف تكامل ومرونة النظام الاقتصادي. ويتحفظ جوزيف ناي في عام 2014 حول ما يطرح بشأن التعليم الصيني، فيذكر انه لا توجد جامعات صينية مصنفة ضمن افضل مائة جامعة عالميا، وان عدد براءات الاختراع الصيني يتصاعد ولكن معظمها غير ذي أهمية كبري، وانه من ضمن اكبر25 علامة تجارية عالمية لا توجد علامة صينية واحدة.
وماذا بشأن السياسة؟ هنا ستضعف شوكة المدافعين وترتفع حراب المشككين. يطرح المشككون أولا أن الصين تعاني من مشكلة الانتقال السياسي. فلم يتوازى مع الانتقال لاقتصاد السوق تفكك للمركزية السياسية وانتقال للتعددية السياسية. ويعون أن الانتقال السياسي يأتي غالبا أعقاب الاقتصادي وانه سيفرض نفسه، لكنهم يتحفظون انه لن يكون سهلا وسيواجه مشاكل وصراعات بحكم ضخامة الطبقة الوسطى والتعدد الإثني الواسع وتراث المركزية الصينية وضعف المجتمع المدني.
ويضيفون أن هذا الاحتجاز السياسي والمشاكل الضخمة المصاحبة لتجاوزه، يعوق النضج الكيفي للاقتصاد الصيني، ويهدد نموه الاقتصادي، ويحد دور الصين السياسي الدولي. ويسلم المدافعون بجوهر حجج الناقدين، لكن مع دفاع يعجز عن مواجهة الناقدين.
يطرح فيرجسون إمكانية وجود نماذج مختلفة للديمقراطية وصياغة الصين لنموذجها الخاص، وهي حجة صحيحة نظريا لكنها صالحة لتوظيفها كيفما اتفق. وينتهج ديفيد لي نفس الخط، طارحا خطأ القول بغياب الإصلاح السياسي الصيني، فهو يجري بالفعل ولكن تدريجيا ووفقا للمعايير الصينية عبر المؤسسات الموجودة من خلال ترشيد اختيار القادة وصنع القرارات العامة.
ثم ينتقل المشككون إلى إبعاد الدور الصيني الممكن على المستوى الدولي. يرى كيسنجر خطأ جذريا في الحديث عن وراثة الصين للقيادة الأمريكية. فالنظام الدولي الجديد لن يسير على منوال القديم، وليست هناك قوة قادرة على وراثة الدور الأمريكي الذي عهدناه، ببساطة لان النظام سيتجه صوب تعددية قطبية وليس القطب الواحد.
وهنا يتفق ديفيد لي معه، فهذا هو بالضبط ما تريده الصين. ويرى غالبية المشككين أن الصين يمكنها على المدى المتوسط أن توازن القوة الاقتصادية الأمريكية، لكن لن يمكنها مناطحة القوة السياسية الأمريكية. ذلك أن التوازن العسكري يعمل لصالح أمريكا بشكل ساحق ولن يمكن للصين تعديله في المدى المتوسط. كما أن الدور الأمريكي المركزي الراهن ليس مجرد انعكاس للقوة الاقتصادية، بل أيضا انعكاس لأمرين إضافيين. البنية المؤسسية للنظام العالمي التي حددت واشنطن خطوطه الأساسية بعد الحرب الثانية، من الأمم المتحدة مرورا بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وانتهاء بنمط واسع من التحالفات السياسية وعلاقات السيطرة. وتقاليد وخبرات إدارة السياسة الدولية التي امتلكتها أمريكا عبر سنوات طويلة، والتي تعمل من خلال شبكة المؤسسات الوطنية تديرها نخب متمرسة ذات تاريخ طويل.
وما هي الحصيلة النهائية للحوار السابق؟ على المدى المتوسط يمكن للصين أن تتجاوز أمريكا اقتصاديا، ولكنها ستعجز عن تجاوزها سياسيا أو وراثة نفوذها، بل فقط يمكنها موازنتها وكبحها. وفي كل الأحوال يشير منطق التحولات العالمية الجارية، إلى أن عهد القوة الواحدة المسيطرة قد انقضى، والذي سيسيطر هو عالم متعدد الأقطاب يتفاوت فيه التوازن بالضرورة.