مسيرة البناء مستمرة وإننا على العهد ماضون

سالم بن سيف العبدلي/ كاتب ومحلل اقتصادي –

لقد كان الأسبوع الماضي أسبوعا حزينا قاتما شديد السواد وعاشت عمان من شمالها إلى جنوبها ساعات وليالي عصيبة وتوشحت بالسواد الحالك وغيم الهدوء والصمت على مسقط ومختلف ربوع السلطنة ، ولم تشفع لنا زخات المطر التي تعودنا أن نستقبلها بالفرح السرور، كيف لا وعمان تصحو على خبر مفجع لم تطقه مسامعنا ولم تصدقه آذاننا منذ الوهلة الأولى وهو رحيل مؤسس النهضة العمانية الحديثة وباني مجدها المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد- طيّب الله ثراه.
إن إيماننا العميق بقضاء الله وقدره وأن هذه هي إرادة الله التي لا راد لقضائها وأن لكل أجل كتابا وأن الصبر عند المصيبة حكمة لذا قلنا كما قال الصابرون: «إنا لله وإنا إليه راجعون» إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك يا أبانا لمحزونون.
لقد مرت السلطنة بدرس عظيم ومحنة تم تجاوزها بكل جدارة وحكمة تعلمنا منها الكثير وهي درس حقيقي لكل الشعوب ونموذج فريد للغاية للتداول السلس للسلطة دون أي منغصات وخلال ساعات معدودة فبعد صدور البيان برحيل فقيد الوطن بدأت التحركات مباشرة من أجل سد الفراغ الدستوري وتم الاحتكام إلى النظام الأساسي للدولة والذي وضعه المغفور له بإذن الله والذي ينص في مادته السادسة على:
«يقوم مجلـس العائلة المالكة، خلال ثلاثة أيام من شغور منصب السلطان، بتحديد من تـنتـقل إليه ولاية الحكم، فإذا لم يتـفق مجلس العائلة المالكة على اختيار سلطـان للبلاد قام مجلس الدفاع بالاشتراك مع رئيسي مجلس الدولة ومجلس الشورى ورئيس المحكمة العليا وأقدم اثنين من نوابه بتثبيت من أشار به السلطان فـي رسالته إلى مجلس العائلة»
هناك ثلاثة أركان أساسية كان لها الدور البارز في تنفيذ وصية أو رسالة جلالة السلطان بكل حكمة واقتدار وهما مجلس العائلة المالكة والذي نكن له كل الاحترام والتقدير لاستجابته المباشرة والسريعة ولم يأخذ الوقت الذي حددته الوصية وهي ثلاثة أيام وإنما خلال ساعات قليلة أعلن صاحب السمو فهد بن محمود أن مجلس العائلة الحاكمة قد اتفق على ما أوصى به جلالة السلطان- طيب الله ثراه.
أما مجلس الدفاع فقد ضرب أروع الأمثلة في إدارة الأمور وفي أحلك الأوقات وأصعب الظروف وبطريقة محترفة حيث تم فتح الرسالة أمام الجميع وتلاوة ما جاء فيها من توصية بشأن اسم السلطان الجديد الذي يخلف المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد حيث أشارت إلى أن من يتولى الحكم هو جلالة السلطان هيثم بن طارق- حفظه الله- وذلك لما توسمه جلالته- رحمه الله- فيه من صفاتٍ وقدراتٍ تُؤهله لحمل هذه الأمانة حسبما جاء في نص الوصية.
أما الركن الثالث فهو الشعب المكلوم الذي أبدى ارتياحه باختيار من أوصى به جلالة السلطان قابوس- رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- كيف لا وهو من أفنى كل حياته في خدمة عمان وشعبها، ولا شك أن اختياره لم يأت من فراغ وإنما عن قناعة وهذا ما أشارت إليه الرسالة بالقول: «وذلك لما توسمنا فيه من صفات وقدرات تؤهله لحمل هذه الأمانة».
الممارسة الديمقراطية الفريدة والتي تمت بهذه السلاسة وبهذه الطريقة الحضارية تدعونا جميعا للفخر والاعتزاز بأننا في هذا الوطن الغالي نعيش في أمن وأمان ونسير على الطريق الصحيح وتحت قيادة أمينة وأن جلالة المغفور له بإذن الله تعالى مثل ما عاهد الله تعالى أن يضمن العيش الكريم للمواطن في حياته فإنه أراد كذلك أن يضمن ذلك بعد مماته.
إن حبنا وتقديرنا لفقيد الوطن ينبغي أن ينعكس على أعمالنا ونترجمه إلى أفعال على أن نستمر في البناء والعطاء والإخلاص في العمل والمحافظة على مكتسبات الوطن وعلى النظام الذي أرسى قواعده جلالته- طيب الله ثراه-، وأن نلتف جميعا حول القيادة الحكيمة لجلالة السلطان هيثم بن طارق– حفظه الله ورعاه- والذي هو بلا شك عند حسن الظن وما أثلج صدورنا جميعا هو أن جلالته سوف يسير على نفس النهج الذي اختطه المغفور له والذي وضع اللبنة الأولى لنهضة مستمرة وهذا ما أكد عليه في أول خطاب له بعد أداء القسم.
نهضة عمان سوف تستمر وتمضي قدما وعلى أسس راسخة ومتينة حيث إن جلالة المغفور له بإذن الله تعالى قد أقام دولة مؤسسات وقوانين، كما أن أغلب البنى الأساسية قد اكتملت ولله الحمد يبقى خلال الفترة القادمة التركيز للبناء على ما تم إنجازه خلال مسيرة النهضة الحديثة في مختلف القطاعات.. ونسأل الله العلي القدير أن يوفق جلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور -حفظه الله ورعاه- وأن يكون خير خلف لخير سلف.