أهل الإصلاح والإحسان لا يموتون

محمود إبراهيم عبدالغني عبده –
أخصائي مدارس القرآن الكريم بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية –

«يكفي السلطان قابوس – طيب الله ثراه – أنه من أهل الإصلاح والإحسان الذين لا يموتون حتى لو انتهت أنفاسهم من الحياة، فما مات من أصلح وما فني من بقيت أعماله تُحيي العباد والبلاد، فاللهم جازه بإحسانه إحسانا يليق بصفات كمالك وجمالك وجلالك، ولاقه برحمتك ورضاك واجعل سعيه في ميزان حسناته وفي صحيفة أعماله وبارك في عمان قيادة وشعبا وزيدهم مما هم فيه أمنا وأمانا وسلما وسلاما، وسخاء ورخاء، وأكرم السلطان هيثم بما أكرمت به عبادك الصالحين ووفقه وسدده وأيده بالبطانة الصالحة الذين يعينونه على مسير السلام والإصلاح وزد عمان كلها فضلا وبركة»

لا عجب إذا نطق القلم بما كُتب في القلوب، وكأنه يتحول من صفته كآلة للكتابة إلى ناطق يترجم عما كُتب في القلوب من حب للسلطان قابوس – أكرمه الله برضاه – إن الإنجاز والإصلاح لهو الأفصح لسانا والأقوى بيانا. تُرى – ونحن شهود على هذا العصر – كيف ارتبطت كلمة «السلطان» باسم قابوس، ليس في عمان فحسب بل في كل بلد نطقتها ألسنة العرب أو لاكتها ألسنة العجم، إن لها من التاريخ المشرّف ما أبرز للعالم كله طبيعة الشعب العماني ممثلة في قائده، وكأنها كلمة حق ولسان صدق نطق به الواقع والتاريخ، فما القائد إلا جزء من شعبه وما الشعب – في علم الأنثروبولوجيا – إلا لُحمة ونسيج متكامل يعبر بصفاته وسلوكه وواقعة عن توجيهات وسياسة قائده، فإذا ما شهد العالم لقابوس – أكرمه الله برضاه – بأنه سلطان القلوب وحكيم هذا العصر فهي رسالة وجه بها القائد وطبقها الشعب، ولو كان ثمة انفصام بين القائد وشعبه في رسالة السلام ما نطقت القلوب قبل الأقلام بأن قابوس سلطان الحب والسلام.
إذا تكلمتُ عن نهضة عمان فأنا أشير إلى دوافع الإصلاح ومقوماته لدى العمانيين قيادة وشعبا، وأنا – بحكم عملي كإمام جامع أو واعظ أو معلم للقرآن الكريم – أخالط الشعب العماني لأكثر من خمسة عشر عاما وأرى أثر الإصلاح كل يوم وألمس حبه لقائده وانتماءه لوطنه بشكل يستحق أن يقف الكل له احتراما وأن يُدرّس للأجيال؛ لابد أن أقف على الأسباب والدوافع التي أخرجت هذا الصرح العظيم من التلاقي بين الشعب وقائده حتى أضحى العالم كله لا يعرف عن عمان إلا السلام وعن السلطان قابوس إلا أنه رجل الحكمة والسلام، في وقت أودت الفرقة بشعوب وأقطار، وكأن هذه المنهج الفريد لدى العمانيين هو صمّام الأمان لقيادة وشعب عُمان. وهذا استقراء لما أقوله وأبرزه كمثل يَحتذي به كل قائد وكل زعيم لأن السلطنة هي في القلوب، ثم تترجم عنها مواقف القادة والشعوب، ويوم ترى إجماعا على شخص بهذه الصورة المشرفة لابد أن تتعلم.. نعم إنه توفيق من الله، ولعله بسبب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل عمان ووصفه لهم بصفات هم جديرون بها بفضل الله، ولكن هنا صورة لابد أن تبرز وتتضح لكل ذي عينين، فلا عجب أن ترى الشعب العماني سلطانا في أدبه وحسن تعامله ودماثة أخلاقه وجميل سجاياه.
بعد أول خطبة لي في عمان دعا لي أحد كبار السن قائلا: بارك الله فيك وفي قابوس! ثم سرعان مازال العجب لما وجدت هذه الدعوة على لسان الكثيرين من أهل عمان من شيبة وشبانا، هنالك أيقنت أن لابد من دراسة هذه الحالة المشرّفة للاستفادة والدرس، فانطلاق ألسنة الشعب بالدعاء لقائده قد ارتبطت بمكان وزمان استجابة الدعاء حيث الجامع وبعد خطبة الجمعة. وبحساب بسيط أستطيع أن أميط لثام العجب لتفصح هذه الحالة عن شعب أحب سلطانه حتى أصبح كل أفراده سلاطين بما لديهم من القيم والمبادئ التي توارثوها جيلا بعد جيل. فإذا كان السلطان قابوس – أكرمه الله برضاه – قد تولى قيادة عمان خمسة عقود فإن من كان عمره خمسين عاما اليوم هو مولود في عهده وأستطيع أن أضيف على ذلك خمسة عشر عاما أخرى – على الأقل – هي الفترة التي يستطيع الطفل أن يدرك فيها من هو قائده، لأقول بأن الذي عمره خمسة وستون عاما اليوم خرج إلى الدنيا ولا يعرف قائدا إلا قابوس وسمع ورأى من يكبره سنا ومقاما مع كل موقف يدعو لقابوس وكأنها رسالة توارثها الأجيال تترجم واقعا سلوكيا ونهضة حقيقية أساسها الحب والتقدير والاحترام بين القائد وشعبه، أصلها هبة من الله استقبلها العمانيون وعرفوا قيمتها فتمثلت فيهم حتى شهد الناس بهذا لهم.
العمانيون ضربوا أروع الأمثلة حين استجابوا لنداء القائد العظيم السلطان قابوس – أكرمه الله برضاه – يوم رأيتهم ينظفون الشوارع بأنفسهم بعد إعصار «جونو» وكل واحد منهم يستطيع أن يرسل عملا أو يستأجر عاملا إلا أننا رأيناهم بأنفسهم ينظفون الشوارع طواعية منهم وحبا لبلدهم واستجابة لنداء قائدهم دون انتظار لمكافأة أو أجر نظير عمل لهذا لا أغالي إذا قلت السلطان قابوس – أكرمه الله برضاه – ربّى وخلّف شعبا كل واحد منهم سلطانا في مكانه وفي أدائه لرسالته. وإذا كان المواطن العماني قد عاش آمنا على أهله ونفسه وماله في عهد السلطان قابوس – أكرمه الله برضاه – فما آل سعيد إلا ذرية بعضها من بعض، رأت عمان منهم الخير وسترى – إن شاء الله – الخير والبركة والسخاء والنهضة على يدي زعيمها وقائدها العظيم صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه -، فهو إن شاء الله خير خلف لخير سلف، وسيكون كأخيه وعلى مستوى رزانته وحكمته ونهجه العظيم، وهذه عمان تسطر تاريخها وتضرب مثلا رائعا في انتقال السلطة من جيل إلى جيل بصورة رائعة متفردة يعمها الرضا بين الشعب وقيادته فهذا درس آخر ينبغي أن تتعلمه الشعوب والدول.
ويكفي السلطان قابوس – أكرمه الله برضاه – أنه كأهل الإصلاح والإحسان الذين لا يموتون حتى لو انتهت أنفاسهم من الحياة، فما مات من أصلح وما فني من بقيت أعماله تُحيي العباد والبلاد، فاللهم جازه بإحسانه إحسانا يليق بصفات كمالك وجمالك وجلالك، ولاقه برحمتك ورضاك واجعل سعيه في ميزان حسناته وفي صحيفة أعماله وبارك في عمان قيادة وشعبا وزدهم مما هم فيه أمنا وأمانا وسلما وسلاما، وسخاء ورخاء، وأكرم السلطان هيثم بما أكرمت به عبادك الصالحين ووفقه وسدده وأيده بالبطانة الصالحة الذين يعينونه على مسير السلام والإصلاح وزد عمان كلها فضلا وبركة.