فلسـفة فريدة في صنـاعة الأحـداث !

وليد جحزر –

عكس حجم حضور القادة وكبار الشخصيات على مسرح السياسة الدولية، الذين توافدوا الى مسقط للتعزية في وفاة الراحل الكبير السلطان قابوس بن سعيد ـ طيّب الله ثراه ـ المكانة الكبيرة التي كان يشغلها القائد العماني الفذ في حيز محيط التقدير العالمي والدولي، بالإضافة الى تأكيد مكانته الاستثنائية التي لا يختلف حولها اثنان، وجاء هذا الحضور للوفود العربية والإسلامية والعالمية، التي لم ينقطع توافدها منذ 3 أيام لتؤكد جميعها حقيقة الإجماع الدولي حول إرث الاحترام والمحبة الذي تركه السلطان الخالد في وجدان العالم، وهي محبة نابعة في الأساس من عبقرية الفكر وفلسفة بناء العلاقات المتوازنة مع مختلف الدول الشقيقة والصديقة.
وجاءت بيانات النعي وبرقيات التعازي من زعماء العالم والمنظمات الدولية والمؤسسات والهيئات العربية والإسلامية لتجمع حول طبيعة الخسارة التي تكبدها العالم برحيل السلطان قابوس الذي مثّل رمزاً من رموز السلم العالمي ونموذجا للحكمة والرؤية القويمة في صناعة مسارات التكامل مع شعوب المنطقة والعالم.
لقد سبقت المشاعر الكلمات في مختلف رسائل النعي التي استقبلتها مسقط خلال الأيام الثلاثة الماضية، كما بدا واضحا على الزعماء والشخصيات الذين حضروا لتأدية واجب العزاء حجم التأثر والحزن بهذا المصاب المتمثل في فقدان زعيم وقائد ظل وعلى مدى سنوات حكمه يمثل القيمة المُثلى لمعاني الحكم الرشيد منطلقا من مصداقية العطاء في بناء الدولة العصرية الحديثة، فكان أن نجح في تحقيق ذلك على مدى خمسة عقود هي خلاصة تجربة استثنائية سيحتاج العمانيون الى المزيد من الجهد للوقوف على مقوماتها واستكشاف الإرث العظيم الذي تنطلق منه، كي يواصلوا وبنفس الروح والإخلاص هذه المسيرة الحافلة المليئة بمعانٍ عديدة لعل من أهمها استلهام الموروث الحضاري في تجاوز التحديات وصولا إلى تحقيق العناوين العريضة من التطلعات.
والحقيقة أن حكاية السلطان الراحل قابوس بن سعيد في بناء وطنه يصعب اختزالها في بضع كلمات، فهي ملحمة خالدة ستشع بمرور الأيام والسنوات، وستبقى متقدة في ذاكرة الأجيال العمانية القادمة.
فقد خلّد السلطان قابوس مسيرته وتاريخه كحاكم استثنائي بإعلاء قيم الإخلاص ومعاني العطاء والبذل لعزة شعبه، وستبقى مآثره تذكّر بجميل صنعه وإنجازاته الوطنية العصية على الحصر.
كانت غايته بناء عمان فحقق الكثير مما يصبو إليه، لذلك حق للعمانيين أن يذرفوا تلك الدموع التي شاهدتها على وجوه الأحبة من الزملاء والأصدقاء يوم وفاته.
وتبقى مقارنة مسيرة السلطان قابوس السياسية والوطنية والتنموية مع واقع أي حاكم عربي آخر فيها الكثير من المغامرة والوقوع في عدم الإنصاف ذلك أن السلطان الراحل كان صاحب مدرسة متفردة في علاقاته الخارجية والداخلية على السواء، كما كان صاحب مشروع إنساني تنموي تجسد في سلوك عمله الدؤوب على مدى خمسة عقود كاملة.
وكما عاش عظيما في سلوكه السياسي والوطني فقد مات عظيما أيضا وهو يخلف من بعده دولة مؤسسات يحكمها القانون ويديرها رجال أوفياء ساهموا في تنفيذ وصيتة بتلك الصورة السلسة والمثيرة للإعجاب التي راقبها العالم ، في صورة سياسية راقية عكست حرصه في الحفاظ على المكتسبات انطلاقا من منهجه الصادق وطريقته الفريدة في صناعة الأحداث.