قابوس .. سلطان التحولات التاريخية

عوض بن سعيد باقوير /صحفي ومحلل سياسي –

فقدت السلطنة والإنسانية رمزا ملهما وسلطانا كريما كرس نفسه وجهده وفكره لخدمة وطنه وشعبه على مدى نصف قرن ومن أول خطاب له فور تسلّمه مقاليد الحكم يوم ٢٣ يوليو تحدث عن إقامة الدولة العصرية وكان الكثيرون غير مدركين لأهمية تلك الكلمة ومعناها التاريخي.

وبعد نصف قرن من التنمية الشاملة والتحول التاريخي الذي شهدته عمان أدرك الجميع أن السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيّب الله ثراه- قد أنجز الوعد والعهد حيث وجود الدولة العصرية ودولة المؤسسات والتشريعات والقوانين التي تحفظ السلطنة من خلال النظام الأساسي للدولة، كما أن السلطات التشريعية والرقابية ممثلة في مجلس عمان بغرفتيه مجلس الشورى ومجلس الدولة. وقد استطاع السلطان الراحل أن يبني دولة ذات أركان راسخة حيث اكتمال البنية الأساسية ومكونات الدولة علاوة على رؤية اقتصادية سوف تنطلق العام القادم وهي مستقبل السلطنة خلال العقدين القادمين.

الوحدة الوطنية

من الإنجازات الأساسية في إطار تثبيت الدولة العصرية هو توحيد الشعب العماني من خلال اللحمة الوطنية ومن خلال حل المشكلات الممثلة في حرب ظفار عام ١٩٧٥ وأيضا بعض التوترات القبلية في شمال السلطنة، ومن هنا بدأت التنمية من خلال عودة العمانيين من الخارج وأعطى السلطان قابوس -طيب الله ثراه- الفرص للجميع لتأدية الواجب في سبيل رفعة الوطن.
إذن الوحدة الوطنية تعد الركيزة الأساسية التي من خلالها انطلقت مسيرة النهضة الشاملة وتحولت السلطنة إلى ورشة عمل خلال نصف قرن من خلال فكر مستنير وعمل متواصل للحاق بركب التطور في شتى المجالات، ومن هنا استطاع السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيّب الله ثراه- أن يخلق هذه المنظومة الوطنية والوطن الراسخ في أذهان الشعب العماني.

السياسة الخارجية

تعد السياسة الخارجية هي الوجه المعبر عن دور عمان التاريخي حيث انتهج السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- سياسة واقعية وحكيمة من خلال الثوابت التي شكلت نجاحا كبير جنبت السلطنة المشكلات والصراعات في ظل منطقة ملتهبة شهدت عددا من الحروب خلال العقود الأربعة الأخيرة وبعض تلك الحروب لا تزال متواصلة.
ولعل من الصعب الحديث عن إنجازات السياسة الخارجية خلال نصف قرن من خلال مقال ولكن هناك محطات أساسية ولعل دور السلطنة المشهود لوقف الحرب العراقية الإيرانية وعدم قطع العلاقات مع الشقيقة مصر والوقوف مع دولة الكويت عسكريا وإنسانيا خلال الاجتياح العراقي لدولة الكويت الشقيقة عام ١٩٩٠، كما كان للدبلوماسية العمانية دور حاسم في إبعاد شبح الحروب في منطقة الخليج، ولعل الملف الأهم الذي كان للسلطان الراحل دور مهم هو موضوع الملف النووي الإيراني مع القوى الكبرى، كما يعد السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- من مؤسسي مجلس التعاون عام ١٩٨١ وكان من الداعمين لتلك المنظومة الخليجية.
كما أن دور السلطنة مهم في قضايا اليمن من خلال جهود السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- وبذل في ذلك جهدا كبيرا، ومن هنا حققت السياسة الخارجية خلال نصف قرن إنجازات شهد لها العالم شرقه وغربه، وكان السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- يحظى باحترام وتقدير كبيرين من قيادات العالم نظرا للمصداقية التي ميزت السياسة الخارجية العمانية وثوابتها التي لا تتغير بصرف النظر عن المتغيرات التي شهدها العالم.
كما تحقق حلم السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- في أن يرى كل دول العالم صديقة لعمان وهذا ما حدث وهناك احترام واسع النطاق للمواطن أينما حل وارتحل.

منظومة اقتصادية

حققت السلطنة خلال نصف قرن تطورات كبيرة في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية من خلال ارتفاع دخل المواطن وتوفير المسكن والسلام والأمن الذي يعيشه المواطن والمقيم واقعا وهذا يعطي مؤشرا على الفكر الاستراتيجي للسلطان قابوس -طيّب الله ثراه-، ومن هنا فقد كان رحيل السلطان قابوس صدمة كبيرة للشعب العماني وشكّل خسارة للإنسانية من خلال جموع الوفود الرسمية من قيادات العالم التي توافدت على العاصمة مسقط مقدرة الدور التاريخي وكم العلاقات التي نسجها مع مختلف دول العالم.
لقد رحل السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- بعد أن وعد فأنجز وكوّن دولة عصرية مدنية حديثة هي فخر لكل العمانيين وأوجد قيما حضارية من التسامح وثقافة الحوار والاستقرار السياسي مما مكن السلطنة أن يكون لها مكانة كبيرة بين دول العالم المتحضرة.
لقد كان الفقد كبيرا ولقد أحب الشعب العماني سلطانه المحبوب لمدة نصف قرن في واحدة من الظواهر الوطنية في العالم لأن الشعب العماني يشعر بأن السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- هو أب لكل العمانيين وكبرت أحلام العمانيين مع سنوات النهضة الحديثة العمانية، ومن هنا فإن الارتباط بين السلطان قابوس وشعبه كبير.
إن ما قدمه السلطان قابوس -طيّب الله ثراه- سيبقى في قلوب كل العمانيين وسيبقى هذا السلطان العظيم رمزا كبيرا للوحدة الوطنية وإقامة الدولة العصرية، رحم الله السلطان قابوس رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وألهم الشعب العماني الصبر والسلوان.
لقد سجّل الشعب العماني ملحمة وطنية وعاطفية قلّما تجدها في العصر الحديث، لقد بكاه كل بيت عماني كيف لا وهو السلطان والأب الحنون على شعبه وقطع قرى وأودية وصحاري عمان منذ شبابه حيث تسلّم الحكم حتى رحيله -طيّب الله ثراه- وقد حقق حلم الدولة العصرية لشعبه الذي أحبه بكل جوارحه وأعطى دروسا في تفاني الحاكم في خدمة وطنه حتى آخر لحظة من حياته.
لقد سطر العمانيون أروع صور الوفاء لسلطانهم الراحل وما تجمعاتهم حول المقبرة من كل مكان إلا دليل على ذلك الحب المتدفق لرجل أفنى شبابه وحياته في سبيل إيجاد وطن شامخ متطور ينعم فيه شعبه وكل من سكن السلطنة بالأمن والسلام.
وفي ختام هذه السطور نقول تغمد الله السلطان قابوس برحمته الواسعة وأسكنه فسيح الجنات وألهمنا جميعا الصبر والسلوان، كما ندعوه سبحانه أن يوفق سلطاننا المعظم هيثم بن طارق حفظه الله، في مواصلة المشوار ويتحقق المزيد من التقدم والازدهار لبلادنا، إنه سميع مجيب وسوف نكون مع قيادتنا وسلطاننا -حفظه الله.