المنظومة الأمنية في السلطنة.. تقسيمات شكلية لجوهر واحد

ترسيخ الوعي الأمني كمفهوم داعم للاستقرار والنهوض المجتمعي –
أحد معالم النهضة العمانية الحديثة –

عمان: منذ انطلاق النهضة المباركة تعزز دور الأجهزة الأمنية والجيش والشرطة في الوفاء بمتطلبات المحافظة على مكتسبات الوطن ومنجزاته وحماية أراضيه وحدوده، لينعم المواطن بالأمن والأمان في ظل ما تبذله هذه الأجهزة من جهود ملموسة، وتضحيات بالنفس والنفيس أيًا كانت الظروف لأجل عُمان وشعبها وأراضيها.
وقد اهتم المغفور له ـ بإذن الله ـ السلطان قابوس بن سعيد ببناء منظومة أمنية قوية قادرة على تحقيق تطلعات الشعب والحفاظ على مجده التاريخي ومكتسباته. وتجلت هذه المنظومة في التأكيد على الجانب الأمني والدفاعي وما يمثلانه من حرص على استقرار البلاد وأمن مواطنيها من جانب، وصيانة منجزات النهضة من جانب آخر. وبذلك تميزت المنظومة الأمنية بتكامل العلاقة بين الأمن وما يوفره من الاستقرار وبين مشاريع التنمية وما تحتاجه من عوامل يأتي في مقدمتها الاستقرار بجميع مستوياته.

وإذا كان جوهر الخطاب الأمني في السلطنة يقوم على واجب الدولة في كفالة الأمن والاستقرار، فإنه انبنى كذلك على تفعيل دور المواطن باعتباره حارسًا أمينًا على مكتسبات الوطن فهو المقصود والمستهدف منها في النهاية.
وتطلبت هذه الرؤية السديدة ترسيخ الوعي الأمني كمفهوم حيوي لا غنى عنه في دعم الاستقرار والنهوض المجتمعي. وقد تجلى ذلك في إعداد الفرد وتسليحه بالوعي اللازم والضروري للاضطلاع بدوره وفي حرص الدولة على تحديث وتطوير أجهزة الدفاع والأمن والشرطة كيفًا وكمًّا. وهو ما نجحت السلطنة في تكريسه، حيث أصبحت المنظومة الأمنية في حد ذاتها أحد معالم النهضة الحديثة من خلال ما تحظى به من عناية وما تبذله من جهد في أداء واجباتها بإخلاصٍ وتفانٍ.
وإذا كان التقسيم الظاهري للمنظومة الأمنية يتألف من ثلاثة أجهزة هي: ‏الجهاز المدني الإداري، وجهاز الأمن المعني بالحفاظ على أمن الوطن الداخلي، ‏والجهاز العسكري المدافع عن الوطن من أي خطر خارجي. فإن وحدة الهدف والتعاون والتنسيق في العمل وبذل الجهد هو الأساس الذي تقوم عليه هذه الأجهزة في أداء واجباتها، وهو ما يجعل التقسيم فيما بينها شكليًا، وهي تمارس مهامها وأهدافها العليا نحو أمن الوطن وسلامة المواطن.
وكشفت الأنواء المناخية (جونو) التي تعرضت لها السلطنة في يونيو من عام 2007 عن هذا النهج من وحدة الهدف وتكامل الأدوار في المنظومة الأمنية بصورة مشرفة، فقد توارت الفروق الشكلية بين المدني والعسكري والأمني أمام التوحد على تجاوز الأزمة وعمل الجميع بمستوى رفيع من التكامل.
ويعتبر إحساس الفرد بالأمن مقياسًا لمدى استقرار الدول ومؤشرًا قويًا للدولة الحديثة، فهي ـ وفق الباحثين السياسيين ـ كيان تقل فيه المخاطر داخلية وخارجية على المواطن إلى أدنى درجة ممكنة ومتصورة. وهنا يأتي دور المنظومة الأمنية وقدرتها على الحماية وفرض القانون بما لا يترك مجالًا لأي من الجرائم التي يمكن أن تخترق أمن المواطن. كما يتضح جوهر عمل المنظومة الأمنية بكل تقسيماتها ممثلًا في الإنسان وما يتعلق به من صون للنفس والعرض وحماية للممتلكات وهي حاجة نفسية واجتماعية بالأساس يحقق ضمانها الفاعلية والسعادة في الحياة.
وفي هذا السياق يشير باحثون في علم الاجتماع المعاصر إلى «أن حاجة الفرد إلى توفر الأمن حاجة نفسية خاصة، فكلما أحس الفرد بالأمن والاطمئنان على حاضره ومستقبله كان أكثر قدرة على التفاعل والتكامل والإبداع بثقة مع مجتمعه المحيط به».

مفاهيم الأمن

وتتعدد مفاهيم الأمن حيث تأخذ صورًا مختلفةً تتمثل في الأمن الاجتماعي والأمن الفكري والتعليمي، والأمن الأخلاقي والتربوي، والأمن الصحي، والأمن العقائدي، والنفسي والمادي والاقتصادي، وغيرها من الصور التي يفضي بعضها إلى بعض، كما يعتمد بعضها في تحققه ووجوده على بعض، بحيث يصبح الإخلال بأحدها مؤشرًا لتداعي غيره وانهياره ضمنًا أو علانية.
وهذا التشعب والتعدد الصوري يحيل مفهوم «الأمن» إلى شبكة الحياة المعقدة، ومن ثم فإن النظرة إلى الأمن من خلال زاوية محددة فقط، كان أحد أوجه القصور في رؤى بعض تجارب الدول النامية. وفي هذا السياق يمكن قراءة أحد أبرز مشاهد التحرر من المنظومة الأمنية الكلاسيكية الذي تجلى في المرسوم السلطاني الصادر في سبتمبر من عام 2010 بإلغاء محكمة أمن الدولة.
وفي إطار مجال الأمن والدفاع وعلى سبيل المثال فإن وزارة الدفاع منذ فجر النهضة اضطلعت بتنفيذ السياسة الدفاعية لقوات السلطان المسلحة وذلك من خلال المضي في عمليات التحديث والترقية والمواكبة، على صعيد النوع والآليات، في الوقت الذي ظل فيه التركيز على الإنسان هو الأساس من حيث إعداده وتأهيله للقيام بدوره الوطني. وبموازاة ذلك جاء إبرام اتفاقيات تحديث الأجهزة والمعدات وعقد صفقات التسليح وفق خطط مدروسة وتخطيط واع يفي بالاحتياجات ويواكب خطط التنمية الشاملة بالبلاد، وبما يتفق ومهام حماية التراب المقدس لهذا الوطن العزيز والسهر الدائم على منجزاته.
وقد قام الفكر السامي للنهضة العمانية على أن التنمية لا بد لها من سياج منيع يحميها ويهيئ لها مجال الازدهار والتقدم، وأن دعائم الأمن والأمان والاستقرار والسلام مرهونة ببناء قوة عسكرية على مستوى عالٍ من الكفاءة والجاهزية الدفاعية، تكون قادرة على الذود عن حمى الوطن وصون مقدساته والمساهمة في مسيرة البناء والرخاء والازدهار.
ومنذ تولي السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ مقاليد الحكم في البلاد حرص على إعداد قوات مسلحة تتمتع بكفاءة قتالية عالية تضم بين جنباتها مختلف الأسلحة الحديثة وفق قاعدة تعتمد في مقامها الأول على بناء الكادر البشري وتأهيله التأهيل الأمثل ليقوم بدوره المنوط به في هذه القوات التي أعيدت هيكلتها وفق الأسس الحديثة المعاصرة.
لقد أصبح التطور والتحديث هدفًا تم التخطيط له وفق أسس وثوابت استراتيجية ووطنية لمواكبة متطلبات الألفية الثالثة وتحديات القرن الحادي والعشرين وبما يحقق النمو والازدهار لخير الوطن والمواطن انطلاقًا من شعار القوات المسلحة الذي لا تحيد عنه: (الإيمان بالله، الولاء للسلطان، الذود عن الوطن)، الأمر الذي مكنها من أن تصبح أحد الأعمدة الرئيسية في البناء الشامخ للنهضة العُمانية الحديثة، حيث تحقق لفروعها المتنوعة خلال مسيرة النهضة الكثير من الإنجازات في مختلف الجوانب التسليحية والتدريبية والتنظيمية والتقنية وتنمية القوى البشرية.
وقوات السلطان المسلحة اليوم بما تتمتع به من تنظيم وتسليح وقدرة وكفاءة قتالية عالية صرح حضاري كبير، ومنجز خالد يتفانى منتسبوه في البذل والعطاء للحفاظ على أمن واستقرار ربوع عُمان الغالية.

عماد الأمن والطمأنينة

وعلى صعيد الجهاز الشرطي تأتي شرطة عُمان السلطانية كعماد للأمن والطمأنينة والاستقرار التي هي غاية كل مجتمع. وقد شهدت عقود النهضة المباركة تطويرًا كبيرًا في جهاز الشرطة، لتتأكد انطلاقته الجديدة، حيث انضمت السلطنة إلى المنظمات الدولية العاملة في المجال ذاته. ففي عام 1972م شكل انضمام السلطنة إلى المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) والمنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة دفعة كبيرة لأنشطة الشرطة.
وبفضل التخطيط الدقيق والمستنير وصلت شرطة عمان السلطانية إلى ما هي عليه اليوم من تطور ومواكبة للعصر، حيث تدار بأحدث وسائط التقنية، وتضطلع بمهام مختلفة شرفت بأدائها، وأصبح هيكلها وتنظيمها على نحو متطور يتماشى مع متطلبات العصر والمهام الموكولة إليها.
إنَّ التقدير الذي تجده الأجهزة الأمنية بمختلف تقسيماتها سواء من جانب القيادة السياسية أو المواطنين أو المقيمين لهو أكبر دليل على ما تتمتع به هذه الأجهزة من مصداقية وإخلاص في أداء مهامها في حماية الوطن والحفاظ على مكتسباته بما يمكن السلطنة من أن تظل واحة للأمن والأمان وموطنًا للاستقرار والتنمية.