القيادة وأخلاقيات السير.. بين تعاليم الإسلام وعدم الالتزام

فن وذوق وأخلاق –

أحمد بن علي الحداد –

«من تلك السلوكيات الخاطئة التي تُعد ظاهرة هو الانشغال بالهاتف أثناء القيادة الذي بسببه نرى مآسيَ وأنفس تزهق وأخطاء في الطرق تصل للذي ليس له ذنب وهو في حال سبيله بسبب السلوكيات الخاطئة والمفاجآت التي تحدث من قلة الاهتمام وعدم المبالاة من السائقين، وكذلك الجلوس على الطرقات أو عدم الوقوف في الأماكن المخصصة للوقوف في الطرق؛ الذي يسبب اختناقات مرورية وتعطل مصالح الكثير من الناس».

النعمة لا تُقدر بثمن فهي تدوم بالشكر، وتزول بالجحود والكفر، ومن النِعم التي نرفل فيها في هذا البلد الغالي هي شبكة الطرق التي قربت البعيد وسهلت الكثير؛ فيجب علينا كمرتادي لهذه الشبكة أن نحافظ على هذه النعمة ولا يمكن الحفاظ عليها إلا من خلال الوعي والتحلي بالذوق في أثناء القيادة وتصرفنا بمسؤولية ونحترم المبادئ والقوانين واللوائح المنظمة لها.
فلا يخفى على أحد ما يحدث في طرقنا اليومية، وأغلبنا لابد وأنه تعرض لموقف على أقل تقدير أو يشاهد سلوكيات خاطئة تمارس وترتكب في شبكة الطرق؛ فلهذا كان لزاما التركيز على موضوع السلوكيات المشاهدة في الطرق وتسبيب أسبابها والمساهمة بمقترحات لعلها تنفع في علاج السلوكيات الخاطئة.
فما نشاهده من سلوكيات خاطئة في طرقنا كثيرة وتتباين في تأثيرها على شبكة الطرق، ومن هذه السلوكيات هو أن هناك فئة من السائقين -هدانا الله وإياهم- يتصرفون في الطرق كأنها لهم وحدهم، أو أن هناك سباقا فيمن يصل أولا، أو هم لهم وضع خاص كسائقين لهذا الطريق كالتجاوز غير القانوني من الجانب الأيمن، أو أن يقوم بمضايقة السيارة التي أمامه سواء بعدم أخذ المسافة القانونية الكافية أو بالإضاءة العالية وهذا كثيرا ما نشاهده في طرقنا اليومية، أو بمضايقة السيارة التي بسبب ظروف الطريق لم تتح له مجال للتجاوز؛ فتتسبب هذه السلوكيات -وإن كان بعضها يرقى إلى ظاهرة تُشاهد كل يوم- في كثير من المآسي كالحوادث الناتجة عن أمور غير محسوبة فتصبح الطرق دموية، أو المشادات الكلامية والتي قد تصل إلى أمور لا تُحمد عقباها، وبسببها أيضا يحدث الزحام، ويمكن وصف هذه السلوكيات الخاطئة كأننا في حلبة سباق وتارة قد تتحول إلى حلبة مصارعة.
ومن تلك السلوكيات الخاطئة التي تُعد ظاهرة الانشغال بالهاتف أثناء القيادة الذي بسببه نرى مآسي وأنفس تزهق وأخطاء في الطرق تصل للذي ليس له ذنب وهو في حال سبيله بسبب السلوكيات الخاطئة والمفاجآت التي تحدث من قلة الاهتمام وعدم المبالاة من السائقين، وكذلك الجلوس على الطرقات أو عدم الوقوف في الأماكن المخصصة للوقوف في الطرق؛ الذي يسبب اختناقات مرورية وتعطل مصالح الكثير من الناس.
فالجهات المعنية متمثلة في شرطة عمان السلطانية من خلال الواقع المعايش والمشاهد بذلت ومازالت تبذل المزيد من خلال سن القوانين واللوائح والإرشادات والحرص على تطويرها فضلا على بذل منتسبي شرطة عمان السلطانية كرجال المرور على مدار اليوم للحفاظ على حركة المرور من خلال التنظيم ومساعدة مرتادي الطرق والحملات التوعوية التي تقوم بها والتي نجحت بنسبة كبيرة مثل الحملات التي أُقيمت في التوعية من الحوادث المرورية ما أدى إلى انخفاض في نسبتها بعدما كانت تُقرع نواقيس الخطر؛ وهذا بفضل الله من ثم الجهود التي تُبذل من هؤلاء المخلصين.
وبالرغم من هذا إلا أننا نرى مثل هذه السلوكيات الخاطئة لا تزال موجودة ومشاهدة وبعضها يصل إلى درجة ظاهرة من كثرة الانتشار والمشاهدة اليومية وهم يدركون تمام الإدراك أن هذه السلوكيات خاطئة وقد تؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها كالحوادث المرورية؛ إلا أنهم ينقصهم الوعي والتثقيف بالقوانين الصارمة لمثل هذه السلوكيات الخاطئة وهذا يستدعي على كافة المجتمع ومختلف قطاعاته الحكومية والخاصة وغير الربحية إلى الوقوف معًا لمواجهة مثل هذه السلوكيات الخاطئة في طرقنا وهذا من أقل الشكر على هذه النعمة وهي المحافظة عليها.
فبعدما أسهبنا في توصيف بعض الواقع فكان لزامًا علينا ذكر الأسباب التي قد تؤدي لمثل هذه السلوكيات الخاطئة، والتي هي عديدة ولكن يمكن اختزالها في أمرين وهما «الثقافة» و«الذوق»؛ فعندما تُزرع ثقافة احترام الطرق وسلامتها في الفرد والتي تبدأ من الأسرة ودور العبادة والتعليم؛ فهذه كلها مكملة لبعض وعلى الجهات المعنية تغذية هذا المثلث بما ينعكس بالإيجاب على أفراده في مختلف شؤون الحياة ولاسيما في مثل موضوعنا هذا وهي التوعية من السلوكيات والممارسات الخاطئة في الطرقات، فهذه الثقافة إن تم تنشئتها في الأفراد وزرعها فيهم؛ فحتمًا سننعم بطرقٍ هادئةٍ وآمنةٍ بإذن الله، وبعدما يتحلى الفرد بهذه الثقافة، ويتكون لديه وعيٌ في كيفية استخدام شبكة الطرق والحذر من السلوكيات الخاطئة؛ فسينعكس على سلوكه من خلال تحليه بالذوق الرفيع في احترامه للقوانين واللوائح المنظمة وسيشعر بالمسؤولية في استخدامه لشبكة الطرق وتوعية الآخرين بذلك. وأما على صعيد المقترحات التي قد تساهم في حلحلة كثير من هذه السلوكيات الخاطئة فإن الأمر يتطلب مثلما ذكرنا تكاتف الجهود في المجتمع بمختلف المكونات والقطاعات لأن هذه السلوكيات تمس بالمجتمع وأفراده، ولا يمكن لجهة ما أو قطاع بعينه وحده القيام بالحد من هذه السلوكيات إن لم يكن علاجها إلا أن تتشارك هذه القطاعات المختلفة مع المجتمع في حلها؛ فهنا سنسرد بعض المقترحات الموجهة لكافة القطاعات للمساهمة في علاج هذه السلوكيات الخاطئة: أولا:- لابد من إيجاد مدارس لتعليم السياقة وفق المواصفات العالمية المعمول به في كثير من الدول المتقدمة، وأن تكون هناك شروط نوعية وأكثر دقة لاختيار معلمي السياقة.
ثانيًا: أن يخضع المتقدمون لرخصة القيادة لدورات معنية بسلامة الطرق وثقافتها وتحدد ساعات معينة للجانب النظري والتطبيقي لرفع مستوى الوعي والثقافة لديهم.
ثالثًا: أن تكون هناك حملات إعلامية مكثفة لمساندة الجهة المعنية بالمرور من أجل التوعية عن السلوكيات الخاطئة في الطرق.
رابعا: القيام بحملات توعوية على مدار السنة تستهدف طلاب الجامعات والكليات والمراحل المتأخرة من المدارس؛ لأنهم أكثر الفئات الذين يقومون بمثل هذه السلوكيات الخاطئة المذكورة لنقص الوعي والثقافة في هذا الشأن.
خامسًا: تُستغل المساجد والمناسبات الدينية في التوعية من السلوكيات الخاطئة في الطرقات والحث على السلوك الإيجابي فيها.
فلقد بيّن الإسلام أهمية سلامة الطرق وأمر أتباعه الالتزام بالذوق العام العالي في الطرقات ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والجلوس في الطرقات) فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: (فإذا أبيتم إلا المجلس فاعطوا الطريق حقه) قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: (غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)؛ فهذا الحديث يفترض أن يُنقش بمِداد من ذهب لكل مرتادي الطرق، فإن رأيت من يؤذيك أو يسعى في مضايقتك في الطرق فتذكر هذا الحديث فغض عنه البصر، وكذلك عندما تكون في الطريق فلا تتلفت يمنى ويسرى فغض بصرك عن الآخرين، وإياك أن تؤذي أحدًا لا بالإضاءة العالية للسيارة ولا بعدم ترك المسافة القانونية بحيث من خلالها يستطيع أن يتحرك، أو تتعدى على أحد وإن رأيت ما يؤذي المارة في الطرقات أو غيرها من السلوكيات الخاطئة فقم بالتواصل مع الجهات المختصة لإعلامهم بما تراه فإن هذا من إنكار المنكر أو الأمر بالمعروف، ويستفاد من الحديث النبوي أيضا على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى السلام أنه قام بتوجيه صحابته -رضي الله عنهم- في البداية بعدما كان هناك منع من عدم الجلوس على الطرقات؛ والعلة من المنع هي أذية المارة، ولما ما كان من الصحابة رضي الله عنه إلا أن يجلسوا فجاءهم الإرشاد النبوي من المصطفى صلى الله عليه وسلم من أجل ضمان سلامة المارة وعدم تعريضهم للأذية؛ فهنا نلاحظ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رفع مستوى الوعي لدى صحابته رضي الله عنهم وزرع فيهم ثقافة حق الطريق لأجل سلامة المارة فضلا على أن هذا الخطاب للأمة الإسلامية إلى أن يرث الله ومن عليها؛ فعندما ارتفعت الثقافة لدى الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم رأينا الذوق العالي في إعطاء الطريق حقه واحترامه؛ فعلينا أن نتذكر ونذكّر بأن «السياقة فن وذوق وأخلاق» ومن الواجب الشرعي والقانوني أن نتحلى بالذوق والأخلاق العالية عند استخدامنا لشبكة الطرق.

 

القيادة مرآة السلوك –

يحيى بن سالم الهاشلي – إمام وخطيب جامع السلطان قابوس بروي –

«المخالف الذي ظن أنه بعدم وجود جهة الرقابة المرورية يمكنه فعل ما يحلو له متماديا على حق غيره في الطريق فينبغي على مستخدمي الطريق القيام بدورهم بإبلاغ الجهة المختصة عما وقع عليهم خاصة لو كانت المخالفة جسيمة وفيها تهديد لمستخدمي الطريق في أنفسهم وأموالهم أو استهتار بحقوقهم وتوثيق ذلك ما أمكن بالتصوير ونحوه كي ينال المخالف جزاء فعله، فمن لم يكن له وازع من نفسه عن الإضرار بغيره يكن له من القانون رادع، وينبغي للجهات المختصة التعامل الجاد مع ما يصلهم من بلاغات، إذ في ذلك سد لشر المستهتر الذي سيحسب حساب الإبلاغ عن مخالفته فلا يجنح للمخالفة».

لقد كان من فضل الله على عباده أن يسر لهم سبل عيشهم في الأرض، ومن نعمته عليهم أن جعل لهم فيها طرقا يسلكونها إذ لم تكن كلها تضاريس صعبة بل فيها ما سهل من الدروب، وجاء ذكر هذه النعمة في غير ما موضع من الكتاب الكريم، فقال سبحانه: (وَجَعَلنَا فِي الأَرضِ رَواسِي أَن تَمِیدَ بِهِم وَجَعَلنَا فِیهَا فِجَاجا سُبُلا لَّعَلَّهُم یَهتَدُونَ)، وقال: (واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ بِسَاطا لِّتَسلُكُوا۟ مِنهَا سُبُلا فِجَاجا)، ومع تقادم الزمان وتطور وسائل النقل البرية استحدث لها بنو الإنسان طرقا معبدة، فشقوا الأرض بالأنفاق وارتقوا قمم الجبال بالطرق الممهدة ووضعوا الجسور على مجاري الأنهار بل وغاصوا بطرق محمية في قعر البحار، فقربوا البعيد ووصلوا القارات والبلدان.
وكحال أي تقدم وتطور في الحياة استدعى التطور في نظام الطرق والمواصلات إيجاد تشريعات وقوانين تنظم استخدامها وتحاسب من يتجاوز النظام فيها، فنشاهد في الطرقات الكثير من اللوحات الإرشادية التي تعتبر لغة عالمية قد تختلف قليلا بين الدول، تنظم المرور في الطرقات بين الفاعلين فيها، وهذه اللوحات المرورية على بساطتها فإن لها دورًا عظيمًا في الطرقات، فهي تنظم اتجاهات السير لكل شارع وطريق، وترشد إلى كل جائز أو ممنوع من حركة ووقوف، وتنبه لمخاطر قد تعترض السالكين من انحناءات حادة أو منعطفات وغيرها من الإرشادات التي تهدف لتنظيم حركة المرور كما تهدف لحفظ أنفس مرتادي الطريق، كما طور الإنسان أجهزة وتقنيات لذات الهدف من إشارات مرورية ضوئية وأجهزة ضبط متجاوزي السرعة وأنظمة لمراقبة الطرق عن بعد وما زال هناك المزيد والمزيد من التقنيات التي تدخل تباعا مدللة على أهمية الطرق في حياة الناس.
على الرغم من كل ما جعل ووظف في سبيل تنظيم السير في الطرقات، نجد أن هناك فئات من الناس قد جنحت بوسائل النقل من المركبات السيارة لغير ما جعلت له أو لم يراعوا أنظمة المرور استهتارًا وتعديًا على حقوق الغير، فالفئة الأولى هم من اتخذ من المركبات آلة فساد وإفساد وهلاك وإهلاك، فيتدرج في ذلك من إزعاج الناس في مساكنهم أو في أماكن وجودهم بالأصوات الصادرة من المركبات بإصدار أصوات التنبيه أو أثناء الدوران بها بقوة والاستعراض بها إلى جعلها أداة للموت، وذلك بالتمادي في القيادة بسرعات جنونية والتسابق في الشوارع المزدحمة والتجاوز الخطر استهتارا بحياة الآخرين فهؤلاء ينطبق عليهم قول الحق سبحانه: (وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِیُفۡسِدَ فِیهَا وَیُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ)، فكم من نفس أزهقت وبيوت خلت من ساكنيها بسبب رعونة طائش أحمق، وقد راج في الآونة الأخيرة أن يقوم هؤلاء بتصوير ما يقومون به من حماقات بغرض نشرها في مواقع التواصل الاجتماعي زهوًا وتفاخرًا وكأن ما يقومون مدعاة للتفاخر فبئس الظن والعمل، ولكن جاء هذا الصنيع منهم بالخير للمجتمع إذ تقوم الجهات الأمنية مشكورة برصد هذه المقاطع والوصول إليهم ومحاسبتهم على فعالهم، وهذا هو المطلوب إذ لا ينبغي التهاون مع أمثال هؤلاء حفظًا لهم من شر أعمالهم ووقاية لغيرهم من شرهم، وردع لمن أراد سلوك مسلكهم.
أما الفئة الأخرى فهم من لا يراعي أنظمة المرور التي تنظم حركة المركبات مسببين ازدحاما وعرقلة للسير و تعديا على حقوق الآخرين، والأمثلة على أفعالهم كثيرة نذكر منها ما يقوم به البعض من استخدام أكتاف الطريق الجانبية عند وجود ازدحام أو توقف للحركة فيقوم بتجاوز الكل من جانب الطريق دون اضطرار أو ضرورة ملحة إلا الأنانية، فيفاقم بفعله ذلك الازدحام ويتبعه من بعده غيره وغيره، مما يولد حقدا في النفوس على ذلك المعتدي على حقوق الآخرين، وقد يصل الحال إلى وقوع حوادث ونزاع بسبب العناد بين من يسلك أكتاف الطريق ومن في الطريق الأساسي، إن الذي يدفع أمثال هؤلاء لفعل هذه المخالفات ظنهم أنه بغياب الجهات المسؤولة عن تنظيم المرور يستطيع أن يفعل ما يريد، وهذا الأمر لا يصح أن يصدر من مسلم متق لربه، إن مخالفة أنظمة السير بما يلحق الضرر بالآخرين والتعدي على حقوقهم يعد مخالفة شرعية يأثم صاحبها، إذ أنظمة المرور عقد تعاقد المسلمون على الالتزام به عند استخراجهم لرخص قيادة المركبات والمسلم يفي بما يتعهد به، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حثه على عدم إيذاء الغير، إذ ورد عن أبي برزة أنه قال : (قلتُ: يا نبيَّ اللهِ ! علِّمْني شيئًا أنتفعُ به، قال: اعزِلِ الأذى عن طريقِ المسلمِين)، فأي إيذاء أكبر من التعدي على حقوق الغير في الطريق، إن كنت متأخرا فالجميع متأخر، وإن كنت مستعجلا فالجميع مستعجل مثلك، وليس من الإنصاف أن تتأخر في خروجك لعمل ونحوه ثم تحمل غيرك مسؤولية تأخرك، نعم من كان لديه حالة طارئة وضرورة مستعجلة جعل له سبيل أن يستخدم أكتاف الطريق ويتواصل مع شرطة المرور ليسهلوا حركته، ونجد أيضا من السلبيات المناقضة للتصرف السابق هو من يفتعل الازدحام في الطريق ويتعمد السير البطيء في الطرقات المفردة أو في طريق التجاوز، غير آبه بظروف وأحوال من خلفه وتذمرهم من فعله، وكأنه ملك الطريق أو ورثه، فهنا تكون المسألة مسألة سوء خلق، وفي في كتاب الله النهي عن مثل هذا الصنيع في قوله تعالى: (وَلَا تَمشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولࣰا)، ومثله ما حكاه الله في وصية لقمان لابنه أيضا: (وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالࣲ فَخُورࣲ)، إن الإسلام يرشدنا لعدم الإضرار بالناس بأي صورة من الصور، فكيف بمن يؤخر طالبًا عن مدرسته أو عاملا عن عمله أو مريضًا عن لقاء طبيبه، كما أن المسلم الحق هو من سلم المسلمون من لسانه ويده كما جاء في الحديث، فلو وضع كل سائق نفسه مكان غيره في الطريق قبل القيام بشيء مؤذ لما رضي أن يقع عليه الأذى، فكيف يرضاه لغيره؟.
إن ما يقوم به المرء هو مرآة لأخلاقه فعليه أن يري الناس ما يحمد منه لا ما يذم عليه.
وفي المقابل من هؤلاء هناك من يقع عليهم التجاوز من قبل المخالفين، فيكون من بعضهم ردات فعل مختلفة غير منضبطة قد تكون انزعاجا وكظما للغيظ على مضض من ذلك التصرف وقد يتطور إلى تراشق لفظي بل قد يصل إلى العراك في بعض الحالات أو أن لا يسمح له بالدخول أمامه ومع إصرار الشخص الآخر يحدث التصادم بينهم وغيرها من التصرفات السلبية المشاهدة التي لا ينبغي أن تصدر من عقلاء، إن أول ما ينبغي للمرء فعله أن لا يفتح مجالا للشيطان أن يزعزع من رشده وتعقله يقول الله تعالى مرشدا العباد لاجتناب مصائد الشيطان: (وَقُل لِّعِبَادِي یَقُولُوا ٱلَّتِي هِي أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ یَنزَغُ بَیۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّیۡطَـٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَـٰنِ عَدُوࣰّا مُّبِینࣰا)، فمن وقع عليه شيء من غيره فليلجأ بداية إلى ضبط ردة فعله وغضبه، وليزن الأمر في فكره، هل ما حصل يستحق أن أهتم له وأغضب له وأفقد اتزاني وحلمي لأجله وأعكر صفو نفسي وقلبي، إن التوجيه النبوي في مثل هذه المواقف هو بضبط النفس وعدم التهور فجاء في الحديث: (ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ)، وليس المقصود من هذا التغاضي عن ما وقع من مخالفة بقدر ما يقصد به عدم الوقوع في خطأ أكبر قد ينقل اللوم للمعتدى عليه، أما المخالف الذي ظن أنه بعدم وجود جهة الرقابة المرورية يمكنه فعل ما يحلو له متماديا على حق غيره في الطريق فينبغي على مستخدمي الطريق القيام بدورهم بإبلاغ الجهة المختصة عن ما وقع عليهم خاصة لو كانت المخالفة جسيمة وفيها تهديد لمستخدمي الطريق في أنفسهم وأموالهم أو استهتار بحقوقهم وتوثيق ذلك ما أمكن بالتصوير ونحوه كي ينال المخالف جزاء فعله، فمن لم يكن له وازع من نفسه عن الإضرار بغيره يكن له من القانون رادع، وينبغي للجهات المختصة التعامل الجاد مع ما يصلهم من بلاغات، إذ في ذلك سد لشر المستهتر الذي سيحسب حساب الإبلاغ عن مخالفته فلا يجنح للمخالفة، كما ستتولد الثقة عند مستخدمي الطريق من جدوى وأفضلية اللجوء إليهم على سلوك مسالك غير قانونية وردات الفعل السلبية، كما يحسن بالجهات المختصة بتنظيم السير حضورهم المكثف في الطرقات خاصة في أوقات الذروة كأوقات الذهاب والإياب للعمل والمدارس والمناطق المعروفة بوجود الزحام فيها كالأسواق والمناطق السياحية، إذ وجودهم مطمئن لمرتادي الطريق ورادع للمستهترين، ويبقى أن سلوك المرء في الطرقات مرآة لخلقه فحري بنا أن نري الناس منا الخير الذي يحمد وأن نتقي الله فيما نعمل ونذر.