نوافذ: مجرد .. «كاريكاتور»

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

حلت رسمة، أو صورة الـ «كاريكاتور» كرسالة حديثا، حيث لم تستحضرها الذاكرة كرصيد تاريخي مثل كثير من الوسائل التي سخرها الإنسان لأداء رسالته، كما هو الحال في الأصناف الأدبية المختلفة، من مقال، وقصة، ورواية، وبحث، ودراسة، ولذلك ينظر إلى الـ «كاريكاتور» على أنها مفهوم حديث؛ قياسا بحداثة التجربة؛ في هذا الجانب، وتأخذ خصوصيتها التعبيرية، نظرا لقوة السهم المصوب تجاه من يوجه إليه الرسالة، فحالة الـ «كاريكاتور» غير حالة الأصناف الكثيرة من الرسائل المقبولة نسبيا، وإن كانت تحمل في مضامينها الكثير من العنف المعنوي والمادي على حد سواء، ولكن حالة الـ «كاريكاتور» تتجاوز كثيرا مجموعة الحواجز والنواهي، والأوامر، والتابوهات أيضا، حيث تذهب إلى عمق «المأساة» إن تجوز التسمية، ولا تدع فرصة إطلاقا لمجموعة من المحفزات العاطفية، كالمجاملة، والمداهنة، والإعتبارات الأخرى، التي عادة ما تحول بين الشخص وعيوبه، حيث يظل صورة نقية أمام المشهد العام، يعاصر عيوبه بنفس، يختلف أو يتفق معها، فذلك شأنه.
من هنا تأتي الرسالة الـ «كاريكاتورية» صارخة، وجارحة، ومعرّية كل مدسوس، ومظهرة كل مضموم، يضعها صاحبها بكل تجرد، وحيادية – كما يفترض، ويتوقع – لصديقه وعدوه على حد سواء، فالهدف هو الإصلاح، والغاية هي الوصول إلى كلمة سواء، ولذلك يلقى صاحب رسالة الـ «كاريكاتور» ما يلقى من صنوف المواجهة، خاصة مع الكبار، وقد يدفع حياته ثمنا لذلك، وهو يعي تماما، أن مصيره لا يقل عن ذلك لصراحته المطلقة التي يوجهها للطرف المتلقي لرسالته، وكثير منا يستحضر النهاية المأساوية التي ختمت حياة الرسام الـ «كاريكاتوري» المشهور عربيا (ناجي العلي) الذي جسد أصدق تعبير في مقاومته للآلة العسكرية الإسرائيلية في بلاده فلسطين، فدفع حياته ثمنا لهذه الرسالة.
الـ «كاريكاتور» .. ليست صورة هزلية، وجدت للضحك والتندر، وفق مقاييسنا التي نعرف، بل هي أكبر من ذلك، وأعمق، وإلا لما ضمنتها صحف كثيرة؛ ورقية كانت؛ واليوم إلكترونية؛ ضمن مادتها الرئيسية، بل راهنت عليها كثيرا في جلب القارئ، وتقصده للبحث عن جريدته المحببة من خلال الرسالة الـ «كاريكاتورية» التي تنشرها يوميا، وهناك من القراء من يكفيهم أن يقرأ ما تحمله من معانٍ ودلالات، لا تستطيع ألف كلمة أن تعبر عنها أصدق تعبير، وهي ليست بتلك السهولة، فرساموا الـ «كاريكاتور» يتميزون بوعي غير عادي، وبذكاء صارخ يتجاوز حدود معقول العوام من الناس، ولذلك فمن يستطيع أن يقرأ الرسالة الـ «كاريكاتورية» هو أيضا ليس إنسانا عاديا، وإنما هو في مستوى صاحب هذه الرسالة، حيث الذكاء، والفطنة، وسرعة البديهة، ومن فرط القلق الذي ينتاب هؤلاء الرسامون لمشاريع الـ «كاريكاتور» تجدهم؛ عندما تضيق بهم المساحات؛ يخلدون رسوماتهم على الجدران، والأماكن العامة، فالرسالة الـ «كاريكاتورية» تستوعب كل أنشطة الحياة التي يقوم بها الناس، وبالتالي فهذه الرسالة لم تتخصص فقط في المشروع السياسي الصلف، ولكنها تذهب إلى أكثر من ذلك في مخاطبتها للجمهور، حيث تتقصى انفعالاتهم المبهجة والحزينة على حد سواء.
يقول الأستاذ الدكتور منصف المرزوقي في كتابه، (من الخراب إلى التأسيس): «الكاريكاتور كما نعرف جميعا، أسلوب وطريقة في تقديم شخص أو فكرة تفضح طبيعته الخفية وتسلط عليها مجهر الاستهجان والاحتقار في ثوب السخرية. وهو أيضا محتوى أي عيب وصل درجة من الضخامة والإسفاف لا ينفع في إخفائه قناع، فأصبح مصدرا للسخرية البريئة عندما يكون العيب بريئا كالبخل ومصدرا للاحتقار الساخر عندما يكون العيب حقيرا كالكذب والنذالة والانتهازية»- انتهى النص -.
من تعنيه الرسالة الـ «كاريكاتورية» لا شك أنه يضيق ذرعا، لأنها تنقب عن شيء مما يخفيه عن الآخر، وتفضحه، ولذلك تأتي ردة الفعل قوية ومزلزلة.