صراع الكبار.. يهدد بقاء الأمم المتحدة

نبيل نجم الدين –

لا شك أن التعرض لحال ومستقبل منظمة الأمم المتحدة يستدعي استرجاع ملابسات وتاريخ عصبة الأمم.. المنظمة الدولية الأولى التي أنشئت في 25 يناير 1919م لحل النزاعات قبل أن تتحول إلى صراعات مسلّحة، لكنها للأسف فشلت في مواجهة القوى الاستعمارية الكبرى في العالم، ففشلت في وقف العدوان الياباني على الصين في عام 1931، وفشلت في وقف اعتداء إيطاليا على الحبشة عام 1935م، وفشلت في ردع عدوان ألمانيا على تشيكوسلوفاكيا عام 1937م، وفشلت في تسوية كل من النزاع بين فنلندا والسويد في عام 1921، والنزاع بين بلغاريا واليونان في عام 1925.
المثير أن الولايات المتحدة، بقيادة الكونجرس ذي الأغلبية الجمهورية آنذاك، رفضت التصديق على ميثاق عصبة الأمم أو الانضمام لها. ورأت واشنطن في النظام التأسيسي لعصبة الأمم سعياً من الدول الأوروبية الاستعمارية في ذلك الوقت وهما بريطانيا وفرنسا بصفة رئيسية الاستئثار بغنائم الحرب العالمية الأولى التي حطت أوزارها في عام 1918، وشارك فيها 79 مليون مقاتل من 33 دولة، وراح ضحيتها 10 ملايين قتيل و 20 مليون جريح، وبلغت خسائرها المادية 208 مليارات دولار كل ذلك الفشل قاد العالم إلى الحرب العالمية الثانية التي أجهزت على عصبة الأمم المتهالكة فتفككت عصبة الأمم وحلت نفسها تلقائيا في 18 أبريل 1946. وهكذا ولدت منظمة الأمم المتحدة أملاً في علاج القصور الذي شاب تكوين وأداء عصبة الأمم، واجتمع ممثلون من الدول الأربعة الكبرى الضالعة في الحرب، وهي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وروسيا والصين في مؤتمر موسكو عام 1942 واتفقوا على إنشاء منظمة الأمم المتحدة على أساس المساواة في السيادة بين جميع الدول المحبة للسلام، وبرز كيان الأمم المتحدة رسمياً إلى المجتمع الدولي يوم 24 أكتوبر 1945 لكن الأمم المتحدة، وهي تقترب من عامها الخامس والسبعين، تواجه تحديات ومخاطر حقيقية عديدة فالمنظمة التي تتخذ من نيويورك مقرا لها، وينضوي تحت سقفها 193 دولة، تواجه تساؤلاً كبيراً وهو هل نجح هذا الكيان الدولي في تحقيق الأهداف السامية المدبجة في ميثاقه ومنها حفظ السلام في العالم، وتطوير علاقات دولية ودية، وتحسين حياة الفقراء، والتغلب على الجوع، والمرض، والأمية، وتشجيع احترام حقوق الإنسان.
في الحقيقة فإن العقود الثمانية التي مرت من عمر منظمة الأمم المتحدة لم تشهد أداء يرقى لمستوى أحلام أو آمال الـ51 عضواً الذين أسسوها، أو أحلام وآمال من انضموا إليها فيما بعد حتى وصلت عضوية الأمم المتحدة إلى 193 دولة.
والشاهد أن الأمم المتحدة لم تستطع لا بجمعيتها العمومية ولا بمجلس الأمن الدولي أن تحفظ أو تحقق السلم في جنبات هذا العالم الذي تعصف به بين الفينة والأخرى أزمات متلاحقة، سرعان ما تتحول إلى صراعات مسلحة تخلف الدمار والقتل وملايين اللاجئين والنازحين.
والحقيقة التي يجب أن لا نشيح الوجه عنها هي أن الأمم المتحدة تكاد تكون رهينة لإرادات الخمسة الكبار الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، فهؤلاء الخمسة الكبار وهم الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والصين الشعبية والمملكة المتحدة وفرنسا، يستحوذون رسمياً على صلاحية إجهاض إرادة 188 دولة، هم بقية أعضاء الأمم المتحدة، من خلال تمتعهم بحق الفيتو، ومما يزيد الأمر تعقيدا وبؤساً هو أن أولويات وأجندات الدول الخمس الكبار متباينة ومتصارعة في معظم ملفات وقضايا كوكب الأرض.
ولا نبالغ إن قلنا أن ذلك التباين يتحول إلى صراع شرس تدور رحاه داخل مقار الأمم المتحدة في صورة استقطابات وابتزاز لأصوات الدول الصغيرة، ويتحول الصراع إلى مواجهة مباشرة فجة يُشهر فيها كل منهم سيف حق الفيتو البتار الذي يعصف في طريقه بكل قيم الشرعية والإنسانية والقانون الدولي وحقوق الإنسان.
الصراع بين الخمسة الكبار لا يهدد فقط منظمة الأمم المتحدة، لكنه حوّل مبنى الأمم المتحدة إلى أكبر أكذوبة عرفتها البشرية، فذلك المبنى الشاهق في نيويورك والذي تنفق فيه مليارات الدولارات يتحول في لحظة إشهار سيف الفيتو البتار إلى كيان كرتوني بائس مفرغ من المحتوى.
وكم من أزمة دولية استعمل فيها حق الفيتو بالباطل لا لشيء إلا لأن العضو الدائم الذي استعمل حق الفيتو تربطه بالدولة المعتدية الآثمة علاقات خاصة، فقد استعمل المندوب الأمريكي الدائم في مجلس الأمن الدولي حق الفيتو 43 مرة من أجل حماية إسرائيل، أو لمنع إجبارها على رد الحقوق المسلوبة لشعب فلسطين، وإذا انتقلنا إلى سوريا فكم من مرة حاولت الأمم المتحدة تفعيل آليات المنظمة لرد العدوان والاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان وباءت كل تلك المحاولات بالفشل الذريع.
وهكذا حتى جاءت إدارة ترامب لتضرب بكل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الخاصة بالأراضي السورية المحتلة عرض الحائط، بقرار من البيت الأبيض يقول فيه بلا أدنى احترام للشرعية الدولية، أن هضبة الجولان غير محتلة، المدهش بمرارة أن الفصل السابع من ميثاق مجلس الأمن الذي يعطي ويجيز استعمال القوة لردع المعتدي لم يستخدم إلا ضد العرب، وما استمرار النزيف الإنساني والاقتصادي والمؤسساتي والمجتمعي في دول كالصومال واليمن وسوريا وليبيا والعراق إلا دليل واضح على فشل المنظمة الدولية في القيام بواجباتها في مثل هكذا أزمات أو صراعات تهدد الأمن والاستقرار العالمي. في الحقيقة إن المهمة الأساسية لأي تجمع إنساني بشري كمنظمة الأمم المتحدة، هو كبح وردع الظالم أيا كان كبيراً.. وحماية المظلوم ورد حقوقه مهما كان صغيرا أو ضعيفا.
لذا فإنه إن لم يتم الإسراع بإعادة النظر وإجراء تعديلات حاسمة وعاجلة في ميثاق الأمم المتحدة بشكل عام، وفي مجلس الأمن الدولي بشكل خاص فإن هذه المنظمة لا محالة ستلقى مصير عصبة الأمم.
فلإنقاذ الأمم المتحدة من صراعات الكبار وهيمنتهم نقترح توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي ليكون تمثيلاً قارياً وليس تمثيلا استعماريا مبنيا على القوة كما كان الحال في عصبة الأمم.. فالتمثيل القاري يجب أن يتناسب مع عدد الدول وعدد السكان، فلا يمكن أن نتصور أن أفريقيا التي يوجد بها 54 دولة ويبلغ تعداد سكانها مليار و440 مليون نسمة، غير ممثلة في مجلس الأمن الدولي الذي هو بمثابة مجلس إدارة العالم، ولا يقبل أن تكون قارة آسيا الكبيرة المتنوعة تمثلها دولة واحدة ذات نسق أو نظام سياسي خاص بها، ثانياً يجب أن يُعاد النظر في حق الفيتو.. من الذي يتمتع به.. وكيف يتم استخدامه.. لأن حق الفيتو بآليات استخدامه الحالية يجهض مفهوم ومقاصد منظمة الأمم المتحدة، ثالثاً يمكن أن يعاد النظر في صلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة بحيث تتحول من مجرد «هايد بارك العالم» بشكلها الحالي إلى أداة تمتلك صلاحيات أقلها ممارسة حق الفيتو على أي دولة في مجلس الأمن تستخدم الفيتو في غير محله.. وأخيرا الفصل السابع وكيفية استخدامه ووضع معايير عادلة لاستخدامه..
إن عالم اليوم تعصف بجنباته صراعات وأزمات وأطماع يمكن أن تتطور إلى حرب عالمية ثالثة.. ولا يمكن الصمت تجاه ما يجري سوى بإصلاح منظمة الأمم المتحدة التي يبدو أنها تنطلق بسرعة جنونية لمصير عصبة الأمم.