البلدان العربية وموقعها في مجال البحث العلمي

أماني أحمد –
شهد العالم أربع ثورات صناعية، الأولى في القرن الثامن عشر وقادها «محرك البخار» والثانية الكهرباء والثالثة الكمبيوتر والأنترنت لكن الثورة الصناعية الرابعة الحالية ودعامتها الرقمنة والابتكار وتقوم على دمج التقنيات وإزالة الخطوط الفاصلة بين المجالات المادية والرقمية والبيولوجية وتظهر في عدد من المجالات والتطبيقات مثل الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، النانو تكنولوجي، التكنولوجيا الحيوية،الطباعة ثلاثية الأبعاد وسيكون لهذه الثورة تأثيرات هائلة على الصناعة وتغييرات عميقة في أنظمة الإنتاج والإدارة والحكم.
يُعد الابتكار جوهر الثورة الرابعة فهو العامل الرئيسي في تحويل المعارف العلمية والتكنولوجية إلى منتجات وخدمات ووظائف مفيدة. وهي عملية إبداع إنساني تجمع مختلف الأفكار الجديدة بطريقة يمكنها التأثير على المجتمع بصورة إيجابية نافعة ويُعد الاستثمار في مجال التكنولوجيا والابتكار عاملاً أساسياً في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة وفي كتابه الثورة الصناعية الرابعة يؤكد كلاوس شواب، مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس أننا نعيش ثورة تغيير جذرية في الطريقة التي نعيش ونعمل بها والتي نتواصل فيها مع بعضنا البعض وإذا كانت الثورات الصناعية السابقة حررت البشرية وجعلت الإنتاج الضخم ممكنا فإن الثورة الجديدة جلبت إمكانات رقمية لمليارات البشر، بظهور مجموعة من التقنيات الحديثة التي تدمج العوالم الفيزيائية والرقمية والبيولوجية، والتي تؤثر على جميع التخصصات والاقتصادات والصناعات، وحتى الأفكار لديه القدرة على ربط مليارات الأشخاص حول العالم بالشبكات الرقمية، وتحسين كفاءة المؤسسات، وحتى إدارة الأصول بشكل كبير، مما قد يؤدي إلى التقليل من أضرار الثورات الصناعية السابقة.
ومن أبرز أدوات الثورة الصناعية الرابعة التجارة الإلكترونية وهي وسيلة مثلى للمجتمعات الأقل تطوراً والأكثر عزلة للتغلب على معوقاتها الاجتماعية والجغرافية. بالنسبة للشركات الجديدة والشركات الناشئة، حيث لا تحتاج إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتسويق. الثورة الصناعية الرابعة تتجاوز الحاجة إلى استثمارات باهظة في البنية التحتية والتسويق. تشير التقديرات إلى أن المتاجر الريفية على الإنترنت في الصين خلقت أكثر من 28 مليون وظيفة في عام 2017 وفي المغرب، تبيع السيدات اللائي ينسجن السجاد والمنسوجات في منزلهن إنتاجهن عبر الإنترنت ويحافظن على حصص كبيرة من الأرباح، بينما في مصر بدأ شاب في تسويق وجبات صحية يصنعها بمنزله.
أدى تراجع أسعار النفط إلى تشابه اقتصادات معظم الدول العربية سواء كانت منتجة أم غير منتجه للنفط، مما فرض خصوصا على الدول المنتجة للبترول البحث عن بدائل لاقتصادها بعيدا عن القطاعات النفطية والعقارية التقليدية وكان الاتجاه نحو قطاعات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي لتحقيق النمو من خلال استثمار طاقات الشباب» في القطاعات الرقمية والابتكار ويتناغم هذا الاتجاه الجديد للحكومات العربية بعد أن وصل الإنترنت إلى مستوى التأثير الذي لا يمكن لأية أعمال أو صناعة أو حكومة تجاهله وأصبح المواطن العربي الأعلى استخداما للهواتف الذكية ولوسائل التواصل الاجتماعي!
ولكن للأسف تنبهت الحكومات والمستثمرون العرب لهذا مؤخرا فقد كان إنفاقهم على الاقتصاد الرقمي لذا كان نصيب الاقتصاد الرقمي من إجمالي الناتج المحلي للدول العربية حتى عام 2015 لا شيء، مقارنة بنسبة 11 ٪ في الصين أما الولايات المتحدة الأمريكية فهي الأعلى بالقطاع الرقمي بنسبة 33 ٪ و هي تجذب 43٪ من القوى العاملة بها.
لقد حان الوقت للاستثمار في القطاع الرقمي في ظل تزايد مع معدل بطالة بلغ 30٪ من معدل البطالة بين الشباب أعمارهم عن 30 عامًا في المنطقة العربية والبداية تكون بمبادرات من جانب المستثمرين والحكومات العربية وأولها دولة مثل لإمارات العربية المتحدة 10 مليارات دولار أمريكي تراكمية في شركات التكنولوجيا الرقمية والمملكة العربية السعودية، 2.2 مليار دولار أمريكي سنويا وهو رقم صغير بالقياس بحركة تداول البورصة السعودية. ينتظر المئات من الشباب في دول عربية، استثمار ابتكاراتهم، هؤلاء الشباب لم يتخرجوا المدارس التقليدية، لكنهم خريجو الاقتصاد الرقمي إنهم رواد أعمال رقميون في مجالات متنوعة منها بيع المنتجات والرعاية الصحية وسداد الفواتير وتقديم الاستشارات المختلفة يكفى أن نعلم أن تخصيص 0.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي العربي في الاستثمار في الاقتصاد الرقمي يمكن أن يحقق 30٪ من الناتج المحلي الإجمالي العربي خلال 10 سنوات. بينما تم إنفاق أكثر من 10 تريليونات دولار على البناء والبنية التحتية في المنطقة العربية بينما نبخل باستثمار 0.1٪ من ذلك على الشباب العربي في مجال الاقتصاد الرقمي.
ومن أخطر التحديات التي تواجهها الجامعات العربية والمؤسسات العلمية غياب خطة استراتيجية واضحة للبحث العلمي وعدم استقلالية الجامعات و ضعف الإنفاق العربي على البحث العلمي الذي لا يتجاوز 0.2 – 0.4٪ من الناتج القومي الإجمالي للدخل، في حين أنه يصل إلى حوالي 4-6٪ في الدول الصناعية المتقدمة، كما تشير إحصائيات اليونسكو (2007) ان عدد الباحثين لا يتجاوز 450 لكل مليون نسمة في الدول العربية في حين أن العدد في البلدان المتقدمة هو 5000 لكل مليون نسمة.
إلى جانب هشاشة أنظمة التعليم الجامعي بشكل عام بسبب حداثتها حيث تم إنشاء معظم الجامعات في الربع الأخير من القرن العشرين. إلى جانب تدني جودة التعليم بسبب تضخم عدد الطلاب وعدد محدود من الأساتذة ما يجعلهم يُفْرطون في الأنا ويرفضون التفاعل مع فريق العمل البحثى.
من ناحية أخرى مع انخفاض معدلات الإنفاق على العلوم والأبحاث هناك انخفاض في مخرجات البحث العلمي (المنشورات وبراءات الاختراع). والاعتماد على طريقة نقل وحفظ المعرفة بدلاً من الحصول عليها من خلال البحث والأساليب التقليدية في التدريس لطلاب الدراسات العليا التي تغفل قضايا التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
كما ان قلة التعاون والتنسيق بين الجامعات وعدم وجود مراكز متخصصة للبحث العلمي أضعف الروابط بين معاهد البحوث وقطاعات الإنتاج. كذلك عدم تبادل المعلومات والخبرات والمنشورات والبحث المشترك بسبب الانفصال بين البحث العلمي وخطط التنمية المستدامة الوطنية ونحو حل المشكلات وقلة أنشطة البحث العلمي وتأثيرها على التنمية المستدامة.
إن تبني الدول العربية التقنيات الجديدة وتحويل الاقتصاد دون الاستعداد لذلك سيكون أمرًا مدمرًا، وستحتاج إلى تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي التي تم تجديدها الآن، ترتبط شبكات الأمان الاجتماعي بالمهن، ومعظمها في القطاع العام، والتي تستثني الغالبية العظمى من السكان في القطاع غير الرسمي. هناك حاجة إلى الأنظمة الحديثة التي تركز على الأفراد واحتياجاتهم الخاصة.
وأحد المخاطر التي سيتعين على العرب مواجهتها هي أزمة الاقتصاد الجديد التي تهيمن على عالمه عمالقة التكنولوجيا الكبيرة التي من المحتمل أن تفترس الدول التي لديها أنظمة ضعيفة نسبيًا لحماية البيانات الشخصية، والتي تعتبر في الاقتصاد الرقمي ذات قيمة مثل النفط.
وهناك مخاوف شديدة للمؤسسات التي قد لا تكون قادرة على التكيف؛ مما يخلق مخاوف أمنية جديدة للدولة؛ قد تنمي عدم المساواة؛ وتفتت المجتمعات فضلا عن الآثار السلبية التي يمكن أن تلحق بالحكومات والشركات والمجتمع المدني والأفراد لكن هناك اقتناع بأن الثورة الصناعية الرابعة يمكن أن تصبح تحت السيطرة طالما أن هناك تعاونا عبر المناطق الجغرافية والقطاعات والتخصصات لاغتنام الفرص التي تتيحها والاستفادة من هذه الثورة لمواجهة تحديات المستقبل.
سيؤدي تخلف العرب عن الثورة الصناعية الرابعة إلى فجوة رقمية ستدفع ثمنها الشركات الناشئة والشركات الصغيرة بها التي ستعجز على المنافسة بعد ان يتم استبعاد المنطقة من سلاسل القيمة العالمية للسلع والخدمات. بدون السحابة والوصول لأحدث البرامج التي توفرها.
وحتى تواجه البلدان العربية هذه المخاطر على صناع القرار فيها تغيير اللوائح لخلق اقتصادات تنافسية يقودها الابتكار لجني ثمار عائدات الرقمنة وخلق الوظائف، هذه هي الصيغة الوحيدة القادرة على تلبية تطلعات الشباب العربي الذي يواجه البطالة وعلى الدول التي تعتمد على الاقتصادات الريعية أن تتبنى لوائح مرنة لاستيعاب الصناعات سريعة الحركة التي تقوم عليها الاقتصادات الجديدة الآمنة للسماح بمشاركة الاستثمارات الأجنبية والانتقال من الشركات الناشئة إلى النمو وزيادة توليد الوظائف وهو ما سيعزز ظهور المواهب العربية المحلية التي ستحتاج شركات التكنولوجيا المحلية إلى الظروف المناسبة لتنمو إلى الحد الذي يمكنها من خلاله أن تبرز عالميا وتكون في وضع يمكنها من الشراكة مع عمالقة التكنولوجيا العالمية وهذا سيتطلب ذلك تطوير وتعبئة المواهب المناسبة، بما في ذلك الاعتماد على مجموعة المهارات والمعرفة. ختاما تتطلب مواجهة مخاطر وتحديات الثورة الصناعية الرابعة البدء في خطط لإصلاح التعليم الجامعي والبحث العلمي حيث يواجه العالم العربي اليوم مجموعة من العقبات بما في ذلك الافتقار إلى التركيز الواضح في أولويات واستراتيجيات البحث العلمي، وعدم كفاية الوقت والتمويل لتحقيق الأهداف البحثية، وانخفاض الوعي بأهمية وتأثير البحث العلمي الجيد البحث، وعدم كفاية فرص التواصل وقواعد البيانات، وبالطبع هجرة العقول بسبب عدم الاستقرار السياسي والظلم الاجتماعي، غياب الحريات والبيئة المناسبة لإجراء البحوث و الافتقار إلى المرافق البحثية وانخفاض معايير الجودة والأجور وعدم وجود حوافز.