تعزيز مفهوم حوكمة الشركات

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

شهد مؤتمر الحوكمة الذي عقده مركز عمان للحوكمة والاستدامة وهيئة سوق المال بالتعاون مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD مؤخرا بمسقط تحت شعار «نحو حوكمة شركات فاعلة وسليمة» نقاشات جيدة من قبل القائمين على إدارة الشركات المساهمة العامة والحكومية والخاصة، والمسؤولين عن المؤسسات الرسمية في الدولة، يأتي ذلك في إطار الاهتمام الذي تبديه الدولة لهذا الأمر في إطار تعزيز الثقافة بهذا المصطلح العلمي الذي أصبح يرافق أعمال الشركات في مسألة التنافسية العالمية، ومدى قدرتها على الإفصاح والشفافية والمساءلة والمتابعة والتطوير والالتزام وغيرها من الأمور المتعلقة بمحاربة الفساد ومحاكمة المتورطين. فجميع الأطراف الفاعلة في تلك المؤسسات من ملاك الشركات والمساهمين، والمستثمرين، ومجالس إداراتها بجانب الجهات الرقابية مسؤولة بتلك القضايا من أجل تطوير إداراتها كي تتمكن من مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية التي تعصف باقتصاديات الدول ومؤسساتها.
هناك اليوم عدة تعريفات «للحوكمة» في مؤسسات القطاعين العام والخاص، فمؤسسة التمويل الدولية IFC تُعرّف «الحوكمة في القطاع الخاص على أنها النظام الذي يتم من خلاله إدارة الشركات والتحكم في أعمالها»، فيما تصف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD بأن «الحوكمة» عبارة عن «مجموعة من العلاقات فيما بين القائمين على إدارات الشركات ومجالس الإدارات وحملة الأسهم وغيرهم من المساهمين». فجميع هذه التعريفات تهدف إلى ضرورة قيام مجالس الادارات سواء أكانت تشرف على الشركات الحكومية أو الخاصة بحماية حقوق ومصالح المساهمين والمتعاملين معها. أما حوكمة الدول، فإنها مرتبطة بعدد من الأمور منها العلاقات الدولية والعلاقات مع مؤسسات المجتمع المدني وغيرها من المؤسسات التي تتعامل معها. وبجانب ذلك، هناك الحوكمة المؤسسية للقطاع الحكومي والذي يقصد منه نظام الرقابة للمؤسسات الرسمية وضرورة توجيه وحداتها وتحديد مسؤوليات تلك الجهات مع بعضها البعض، بجانب مراعاة الحقوق والعلاقات مع جميع فئات المؤسسات الرسمية، والعمل بالقواعد والأسس والإجراءات اللازمة لدعم مبادئ العدالة والشفافية والمساءلة المؤسسية، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز الثقة والمصداقية في بيئة العمل والإنتاج. لقد تم التطرق إلى الكثير من تلك القضايا في المؤتمر الأخير من خلال أوراق العمل التي قدمها المشاركون من عدد المؤسسات داخل السلطنة وخارجها، واختلفت آراؤهم إن كنا نستطيع تحقيق قضايا الحوكمة والأمور المرتبطة بها خلال السنوات الخمس القادمة، أم أننا نحتاج إلى تسليط المزيد من الضوء عليها خلال السنوات المقبلة، في الوقت الذي تتبنى فيه السلطنة الرؤية المستقبلية (عمان 2040)، والتي تمثل فيها الحوكمة الركيزة الأساسية من أدوات التنمية الشاملة التي نسعى إلى تحقيقها في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.
من هذا المنطلق، جاء التأكيد من السيد حامد بن سلطان البوسعيدي، المدير التنفيذي لمركز عمان للحوكمة والاستدامة في كلمته حول هذا الأمر بأن المركز يقوم حاليا بإعداد ميثاق خاص للشركات الحكومية لمساندتها في النمو، وتعزيز ثقافة الحوكمة لديها، موضحا أنه من المتوقع الانتهاء منه قبل نهاية العام الحالي. أما الآخرون فقد ناقشوا في المؤتمر الكثير من التوجهات الإقليمية والعالمية للحوكمة سواء في مؤسسات الدولة أو في القطاع الخاص أو الشركات الحكومية، أو العائلية، وكذلك الآليات التي يمكن أن تعزز القوانين والتشريعات في هذا المجال، بجانب التحديات التي يمكن أن تحد من تطبيق هذه الممارسات في بيئة الأعمال.
إن السلطنة وهي تثير قضية الحوكمة تعتبر من أوائل الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تبنت مفهوم وثقافة حوكمة الشركات منذ عام 2002 . فقد قامت السلطنة منذ ذلك الوقت بإصدار ميثاق إلزامي لتنظيم وإدارة الشركات المساهمة العامة وفق ما بينه المدير التنفيذي لمركز عمان للحوكمة والاستدامة في المؤتمر. ومما لا شك فيه، فان هذا المفهوم قد عزز من أداء الشركات التي تعمل في السلطنة سواء أكانت شركات مساهمة عامة أو مغلقة أو عائلية أو شركات حكومية، حيث ساعد هذا الميثاق على تبني سياسة الإفصاح والشفافية في التقارير السنوية لها، وأدى إلى تثقيف مساهميها من خلال المساءلة التي تتم في اجتماعات الجمعيات العمومية لها، وكان لها دور كبير في تعزيز ثقة المتعاملين معها سواء أكانوا من المساهمين أوالمستثمرين أوغيرهم.
فأهداف الحوكمة التي يرمي إليها مركز عمان للحوكمة والاستدامة هي تعزيز مفهوم الشفافية والمساءلة. فالشفافية تعني بأن تتجه المؤسسات نحو تطبيق هذا المبدأ في جميع الحالات وما يتعلق بأنشطتها أو قرارتها، خاصة تلك التي تؤثر على أفراد المجتمع والبيئة بشكل عام، كما ينبغي عليها أن تكون عملية الإفصاح واضحة ودقيقة وتامة تعبّر عن سياستها وقراراتها وأنشطتها بحيث تكون مسؤولة عنها في جميع الحالات. وتجاه ذلك على المؤسسات الاستمرار في المساءلة بحيث تتقبل القضايا المتعلقة بالفحص والتدقيق، والاعتراف الصريح بمسؤوليتها في حالة وجوب الأخطاء، وما ينتج عن ذلك من سلبيات للمؤسسات والمساهمين بسبب عدم التدقيق وعدم الالتزام بالقوانين واللوائح واحترامها.
هناك اليوم الكثير من الأهداف التي يمكن تحقيقها من خلال ممارسة الحوكمة في المؤسسات المقامة بالسلطنة وغيرها من الدول الأخرى. فأساليب الحوكمة من اليقين أنها ستؤدي إلى تحسين فعالية وكفاءة إدارة العمليات وتطوير الموارد البشرية والمالية للمؤسسات كما أشار إليها ممثلو الشركات والمؤسسات، وبالتالي فإنه يمكن توظيف تلك الأساليب في المجالات التي يمكن أن تحقق المزيد من العوائد على المؤسسات بجانب تحقيق الاهداف التي ترمي إليها على المدى الطويل وفق الاستراتيجيات التي تتبناها المؤسسات. كما أن الاستمرار في الحوكمة والحديث عنها في مختلف الوسائل الإعلامية وفي المناسبات التي تقام فيها الفعاليات المهمة للشركات سوف تؤدي حتما إلى بناء ثقافة جديدة لدى العاملين بها، بجانب رسم السياسات الناجحة لها في العمل المستقبلي، واتخاذ قرارات بناءة تؤدي إلى تحقيق المزيد من الإيجابيات للمؤسسات وفي تقديم خدماتها للجمهور، بجانب التزامها بالقوانين والأسس التي بنيت من أجلها. وهذه النتائج- بلا شك- سوف تؤدي إلى الشعور بالمسؤولية نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمؤسسات والاستجابة لمتطلبات واحتياجات المتعاملين معها وفي الوقت المناسب، وبمعايير تتسم بجودة عالية وبسرعة كبيرة بعيدة عن ممارسة البيروقراطية والتأخير لضمان تحقيق الرضا للزبائن والمتعاملين مع تلك المؤسسات.
لقد سبقتنا بعض الدول المتقدمة في شأن الحوكمة من خلال تحقيق ثقافة المساءلة والشفافية، الأمر الذي تمكنت من خلاله محاربة ومكافحة الفساد التي يتم ممارسته بمختلف الأشكال، كما أوجدت الأسس التي يتم من خلالها تحديد المسؤوليات وتحقيق النتائج الإيجابية. وقد نتج عن ذلك إيجاد أنظمة أدت إلى توثيق الإجراءات في المؤسسات، وحددت المسؤوليات والحقوق لجميع الأطراف، بجانب إجراء التصليحات وتعزيز العلاقات ين الرؤساء والمرؤوسين في إطار منهجية عمل واضحة بين جميع الأطراف، بجانب تمكنها من استخدام جميع الموارد المتاحة للمؤسسات بصورة مثلى، كما أن الحوكمة ساهمت في تأسيس مجالس إدارات تتمتع بالكفاءة العالية في اتخاذ القرارات المناسبة.
ما ينقصنا اليوم هو أن تكون الجمعيات العمومية للشركات العمانية على قدر كبير من المسؤولية، بحيث يكون أعضاؤها أحراراً في طرح الأسئلة التي تهم مستقبل الشركات المساهمة، الأمر الذي سينعكس على أداء سوق الأوراق المالية، وبالتالي على الاقتصاد العماني أيضا، فالنقاشات التي تحدث في مثل هذه الجمعيات من قبل الأعضاء المساهمين وأعضاء مجالس إدارات الشركات المساهمة تعزّز من مفهوم الحوكمة من جهة، وتزيد من ثقافة المساهمين والحضور بالمسؤوليات التي تقع على الأعضاء لتعزيز التوعية ودفع الشركات بتبني السياسات الواعية في العمليات الإدارية والمالية وتطوير الموارد البشرية وكل ما يتعلق بمستقبل الشركات من جهة أخرى، باعتبار أن هناك علاقة إيجابية بين ممارسات الحوكمة، ونمو الشركات ورفع كفاءتها والتقليل من المخاطر التي تتعرض لها في أي دولة.