نوافذ: لا تترك الحزم

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

نظل مسكونين طوال يومنا الممتد منذ فجره، وحتى مغيبه، بكثير مما يشغل البال، ومما يقتطع جزءًا ليس يسيرًا من تفكيرنا، ولذلك نحن نغرق، ونستفيق، وفي كثير من الأحيان تكون الاستفاقة متأخرة، وقد فاتنا الكثير، ومما يوقعنا في ذات المواقف بصورة متكررة، ليس غباؤنا، كما قد يتهمنا الآخر، ولكن لأننا نتساهل كثيرًا، ونقول لأنفسنا: لن نكرر ذلك مرة أخرى، ونقول: في المرة القادمة سنأخذ بالأسباب التي تحول دون تكرارنا لأخطائنا، التي ندفع ثمنها كثيرًا، من أعمارنا، ومن جهدنا، ومن اشتغالاتنا، ومن أشياء كثيرة في حياتنا، نعم، قد تكون الفطرة هي جزء لا يتجزأ من تكرار ما نحن فيه، ففطرتنا «ضعيفة» و«عجولة» و«هلوعة» و«قاصرة» بتأكيد رب العالمين خالقنا، ومدبر أمرنا، ولكننا -في المقابل- أعطينا مساحة واسعة وممتدة من العمل الذي نقرره نحن بإرادتنا في مسألة التخيير والتسيير، ولعلنا لشعورنا باتساع رقعة الحرية فيما نحن مخيرون فيه، نتساهل كثيرًا، ونؤجل كثيرًا، ونغض الطرف كثيرًا، ولا نمانع في أن نعيد الكرة مرة أخرى، فذلك -كما نظن- في أيدينا.
كثيرة هي التنظيرات التي تدعو إلى ضرورة الجد، وإلى ضرورة الحزم، وعدم «تمييع» العلاقات التي تربطنا بما حولنا؛ لأن في ذلك ضياع لكثير من الجهد، ومن الوقت؛ فأعمارنا قصيرة، وإن امتدت وجهودنا متواضعة، وإن تنامت وفوق ذلك كله أن الفرص لا تتكرر، وعدم تكرارها بالصورة التي نريد، معناه ضياع كثير من الفرص، كان بإمكاننا أن نصنع منها شيئًا مقدرًا ربما نشعر أحيانًا بأن علاقتنا بالآخرين هي جزء من هذا التساهل مع أنفسنا، لعجزنا أن ننجز كل شيء وفق ما نريد، أو كما نحب، وفي المقابل؛ فالآخرون ليسوا من السهولة تطويعهم وفق ما نريد، فهم قد يجاملوننا في الخطوات الأولى، ولكنهم لن يكونوا على استعداد لملازمتنا على طول خط سيرنا، وهذا لا يخرج عن واقعية الأشياء، وكما هو القول المتداول عن المفكر الإيطالي: «المنتصر أصدقاؤه كثيرون، أما المهزوم فأصدقاؤه حقيقيون»، والانتصار هنا هو أية لحظة تكون فيها حاضرًا، وقويًا، وفاعلًا، ومدركًا لكثير مما تفعله، ومتى تواريت عن كل ذلك، فلن يبقى معك إلا القليل الذين يحاولون مساعدتك، وفي ظروف ضيقة جدًا، ولذلك قال عنهم ميكافيلي: «أصدقاء حقيقيون».
قال قدامة بن إبراهيم الجمحي -حسب المصدر-: «العجز ضعف وما للحزم من ضررٍ… وأحزم الحزم سوء الظنّ بالناس، لا تترك الحزم في أمر تحاذره … فإن أصبت فما بالحزم من باس».
ومن مقومات الحزم، هو عدم التباطؤ في إنجاز ما نحن مقبلون عليه، أو مؤتمنون عليه، بما في ذلك أيضًا عدم المبالغة في التأجيل، فالظروف المتقلبة قد تغير الكثير من المسارات، والخطط، وتجعل ما هو متاح الآن في حاضره مستحيل تحقيقه بعد فترة من الوقت، وهذا أمر ملموس، والكثير منا وقع في مطب الخسارة، أو الإخفاق لأنه أهمل، وأجّل، وسوّف، حتى انسلت الفرص من تحت يديه، واحدة تلو الأخرى، أو استغلها آخرون، كانوا أكثر همة، وأكثر حنكة، وكانوا للحزم أقرب.
في بعض الأحيان تغرينا المجاملة حتى مع أقرب الناس إلينا فنتنازل عن أشياء كثيرة، نود عملها، ونقول -ونحن في منتهى الغفلة-: «على شان خاطرك، هذه المرة» ونظن جهلا، أن هذا الخاطر الذي نتنازل عنه للآخر سيتكرر بكامل صفاته ومكوناته، ولا ندري أن ما ذهب لن يعود، وإن تكرر ما يشبهه، لن يكون بذات الصفات، وبذات المكونات، وبذات التأثير، وربما لن يكون بذات الأهمية، فـ«لا تترك الحزم في أمر تحاذره …» كما هو قول الجمحي، ليس شرطًا أن يكون الحذر المشار إليه هو لتفعيل درجة الخطورة أبدا، فكل أمر بالنسبة لنا يجب أن يكون على درجة من الخطورة.